تحل اليوم الذكرى السنوية الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، وسط واقع ميداني مرير يتسم باستمرار الخروقات الإسرائيلية وتعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من التفاهمات. ويأتي هذا التاريخ بالتزامن مع استعدادات القطاع المنكوب لمواجهة شتاء قاسٍ يهدد بمفاقمة الكارثة الإنسانية غير المسبوقة.

وأفادت مصادر رسمية بأن حصيلة الشهداء منذ بدء سريان الاتفاق بلغت 1471 شهيداً، فيما أصيب 5189 آخرون جراء الاعتداءات المتواصلة. وتكشف هذه الأرقام عن هشاشة التهدئة التي لم تمنع الاحتلال من مواصلة استهداف المدنيين، حيث سجل شهر أكتوبر 2025 أعلى حصيلة شهداء شهرية بواقع 226 شهيداً.

وعلى الصعيد الميداني، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي نحو 5223 خرقاً ميدانياً للاتفاق، شملت عمليات قصف مدفعي وجوي ونسف للمربعات السكنية وتوغلات محدودة. هذه الخروقات أدت إلى توسيع مساحة الاحتلال داخل القطاع من 53% عند بدء الاتفاق إلى نحو 70% في الوقت الراهن، بحسب تقارير فنية وميدانية.

وتشير البيانات إلى أن الاحتلال يواصل تقييد دخول المساعدات الإنسانية والوقود، ويرفض الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق رغم وفاء المقاومة بالتزامات المرحلة الأولى المتعلقة بملف الأسرى. هذا التعنت يضع حياة 2.4 مليون فلسطيني على المحك، لا سيما مع تدمير 90% من البنية التحتية للقطاع.

وفي ظل هذه الأوضاع، يعيش نحو 2.15 مليون نازح ظروفاً مأساوية، حيث أعلنت وزارة التنمية الاجتماعية أن أكثر من 90% من السكان يقيمون في خيام مهترئة أو بين أنقاض منازلهم المدمرة. وقد أطلق النازحون في جنوب القطاع نداءات استغاثة لتوفير الخيام والمستلزمات الصحية قبل تفاقم الأزمات المرتبطة بفصل الشتاء.

سياسياً، تتباين التقديرات حول مستقبل الاتفاق مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر الجاري. ويرى خبراء أن الجمود الحالي قد يستمر حتى مطلع عام 2027، بانتظار اتضاح هوية الحكومة الإسرائيلية القادمة ومدى قدرتها على اتخاذ قرارات تتعلق بالمسار السياسي والعسكري في غزة.

ويعتقد الأكاديمي طارق فهمي أن الانتخابات الإسرائيلية لن تمنح الاتفاق دفعة ملموسة إلا في حال حدوث تدخل أميركي مباشر بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وأشار إلى أن تشكيل الحكومة قد يستغرق وقتاً طويلاً، مما يبقي ملف غزة رهينة للتجاذبات السياسية الداخلية في تل أبيب.

الاتفاق يدفع ثمن الخديعة الأميركية للفلسطينيين والتعنت الإسرائيلي المتعمد والمتواصل.

من جانبه، يرى الباحث أحمد فؤاد أنور أن هناك إمكانية لحدوث انفراجة مشروطة بخسارة بنيامين نتنياهو أو اضطراره لتشكيل حكومة وحدة تتخلى عن العناصر المتطرفة مثل إيتمار بن غفير. ويربط أنور هذا الاحتمال بتزايد الضغوط الدولية والأميركية الساعية للتهدئة الإقليمية وتجنب انفجار الأوضاع مجدداً.

في المقابل، يحذر الخبير نزار نزال من أن تغيير الوجوه في القيادة الإسرائيلية لا يضمن بالضرورة تحولاً سياسياً جذرياً تجاه غزة. وأوضح أن أي حكومة جديدة ستحتاج لأشهر لترتيب أوضاعها، مما قد يؤخر أي انسحابات حقيقية أو خطوات جادة نحو إعادة الإعمار حتى منتصف العام القادم.

وتشير التقارير إلى أن الاحتلال نفذ أكثر من 200 حالة اعتقال منذ بدء سريان الاتفاق، مما يعكس استمرار السياسات القمعية رغم وجود تفاهمات التهدئة. وتؤكد مصادر حقوقية أن هذه الاعتقالات طالت نازحين وكوادر طبية، مما يزيد من تعقيد المشهد الإنساني والحقوقي في القطاع.

وعلى المستوى الدولي، تواصل دول الوساطة مثل مصر وقطر وتركيا جهودها الحثيثة لمنع استئناف التصعيد الشامل أو استكمال الاحتلال لخططه في السيطرة الكاملة على القطاع. ومع ذلك، فإن انشغال الإدارة الأميركية بملفات دولية أخرى قد يقلل من زخم هذه الوساطات في المدى المنظور.

ويبقى التخوف الأكبر لدى الشارع الفلسطيني من تصريحات وزراء متطرفين في الحكومة الإسرائيلية الحالية، مثل سموتريتش وبن غفير، الذين يدعون علانية لتهجير السكان. هذه التصريحات تقوض أي أمل في استقرار الاتفاق وتدفع نحو مزيد من اليأس بين صفوف النازحين الذين فقدوا كل مقومات الحياة.

إن مرور عام على الاتفاق دون تحقيق تقدم في ملف إعادة الإعمار أو رفع الحصار يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية. فالحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 خلفت أكثر من 74 ألف شهيد و175 ألف مصاب، وهي أرقام تستوجب تحركاً يتجاوز مجرد التهدئة الهشة.

ختاماً، يواجه سكان غزة مستقبلاً معلقاً بين صناديق الاقتراع الإسرائيلية والوعود الدولية الغائبة، بينما تظل الأرض تشهد يومياً خروقات تؤكد أن الحرب لم تنتهِ فعلياً. ومع اقتراب المنخفضات الجوية، يصبح توفير الإيواء والغذاء معركة بقاء يومية لملايين الفلسطينيين المحاصرين.