اغتيال ماجد أبو شرار: أسرار فندق فلورا في روما
تظل قصة اغتيال القائد الفلسطيني ماجد أبو شرار في العاصمة الإيطالية روما واحدة من أكثر العمليات غموضاً وتعقيداً في تاريخ الصراع مع الاحتلال. ففي فجر التاسع من أكتوبر عام 1981، اهتز فندق 'فلورا' العريق على وقع انفجار قنبلة متطورة وُضعت بدقة تحت سرير الشهيد، الذي كان يتواجد هناك للمشاركة في مؤتمر عالمي للتضامن مع الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
كشفت التحقيقات والشهادات المتواترة أن أبو شرار كان قد اتخذ احتياطات أمنية عبر النزول في الفندق باسم مستعار هو 'عباس زيتوني'، بينما كان له حجز رسمي باسمه الحقيقي في فندق 'أرجيف بالاس' مع بقية أعضاء الوفد. هذا التمويه لم يمنع يد الغدر من الوصول إليه، مما أثار تساؤلات كبرى حول كيفية اختراق أمنه الشخصي وتحديد موقعه بدقة متناهية.
يشير الروائي الراحل رشاد أبو شاور في مذكراته إلى أن فندق 'فلورا' لم يكن مكاناً عادياً، بل كان يتصدر قائمة سوداء وزعها جهاز أمن حركة فتح على كوادرها. تضمنت تلك القائمة تحذيرات صريحة من النزول في هذا الفندق تحديداً، واصفة إياه بأنه وكر لنشاطات استخباراتية معادية ومرتع لعملاء الموساد في قلب إيطاليا.
الصحافة الإيطالية لم تكن بعيدة عن هذا اللغز، حيث استعرض الصحافي باولو فوشي في عام 2007 التاريخ المظلم لهذا الصرح الذي بني عام 1905. وأوضح فوشي أن الفندق شهد حقبة نازية سوداء حين احتلته قوات 'الغستابو'، ليتحول لاحقاً إلى مركز للجواسيس وباعة المعلومات، قبل أن يخلد اسمه في السجلات الفلسطينية كمسرح لواحدة من أبشع عمليات الاغتيال.
في رحلة بحث حديثة، تمكنت سارة أبو شرار، قريبة الشهيد، من دخول الفندق ومقابلة إدارته الحالية في محاولة لاستعادة تفاصيل اللحظات الأخيرة. وقد كشفت المديرة الحالية للفندق، فلافيا كاسيني، عن معلومة صححت مسار الروايات المتداولة، مؤكدة أن الغرفة التي شهدت الانفجار هي رقم 420 في الطابق الرابع، وليست الأرقام التي ذكرتها التقارير الصحفية السابقة.
تحدثت سارة عن مشاعر مختلطة انتابتها وهي تقف في المكان الذي ارتقى فيه قريبها، واصفة الممرات بأنها تبدو 'طويلة وموحشة' رغم فخامة الفندق. وقد أبدت إدارة الفندق تعاوناً لافتاً، حيث سمحت لها بزيارة الغرفة المجاورة لموقع الجريمة، نظراً لأن الغرفة الأصلية خضعت لعمليات ترميم وتغيير في المعالم الهيكلية للفندق على مر العقود.
الغموض الذي يلف القضية لم يقتصر على تنفيذ الانفجار فحسب، بل امتد ليشمل إفشال أي جهد قضائي للوصول إلى الجناة. فقد ذكرت مصادر صحفية إيطالية أن التحقيقات وصلت إلى طريق مسدود بعد إبعاد محققين أساسيين عن الملف، وتصفية مساعدين لممثل منظمة التحرير في روما كانا يملكان خيوطاً جوهرية حول العملية.
القيادي في الجبهة الشعبية، مروان عبد العال، استذكر في شهادته كيف كانت روما بالنسبة للمناضلين الفلسطينيين مكاناً محفوفاً بالمخاطر رغم جماله. وروى كيف كان الرفاق الإيطاليون يحذرونهم باستمرار من أن 'العدو قادر على ارتكاب عمل قذر حتى في أبعد الأماكن'، مستشهدين دائماً بما حدث لماجد أبو شرار في فندق فلورا.
تظل مرثية الشاعر محمود درويش لصديقه ماجد حاضرة في كل مرة يُذكر فيها اسم الفندق، حيث جسدت كلماته حجم الفقد والألم الفلسطيني في المنافي. القصيدة التي تقول 'صباح الخير يا ماجد.. قم اشرب قهوتي وانهض'، تحولت إلى نشيد يتردد في أروقة الذاكرة الوطنية، معيدة للشهيد صوته وللمكان ذاكرته الدامية التي لا تمحوها السنون.
من المفارقات الغريبة ما روته الكاتبة رائدة طه، التي اكتشفت بمحض الصدفة أنها نزلت في نفس الغرفة التي استشهد فيها أبو شرار خلال رحلة سياحية. وصفت طه حالة الذعر التي أصابتها عند معرفة الحقيقة من أصدقاء مقيمين في روما، مما دفعها للمطالبة بتغيير الغرفة فوراً، في إشارة إلى الثقل الوجداني الذي لا يزال يمثله هذا المكان للفلسطينيين.
اليوم، ورغم انتقال ملكية الفندق لعائلات أخرى وانضمامه لسلسلة عالمية، إلا أن عبق التاريخ والجاسوسية لا يزال يفوح من جدرانه. يقول المطلعون على أجواء الحي أن الفندق لا يزال مقصداً للاجتماعات السرية، مما يبقي على صورته النمطية كمركز للتحركات غير المعلنة في العاصمة الإيطالية، تماماً كما كان في الثمانينيات.
إن محاولة فهم اختيار ماجد أبو شرار لهذا الفندق تحديداً تظل لغزاً يحتاج إلى مزيد من البحث في الأرشيفات الأمنية. فبينما كان الوفد يقيم في مكان آخر، اختار ماجد 'فلورا' ليكون ملاذه الآمن، ليتحول هذا الخيار إلى قرار مميت غير مسار حياته وأنهى مسيرة كفاحية وأدبية حافلة بالعطاء.
الشهادات التي جمعتها عائلة أبو شرار ومحبو الشهيد تؤكد أن الجريمة كانت منظمة بدقة، وأن الموساد الإسرائيلي استخدم تقنيات متطورة في ذلك الوقت لضمان تصفية الهدف. القنبلة التي تعمل بنظام الضغط كانت تعني أن الشهيد بمجرد استلقائه على سريره بعد عناء يوم طويل من العمل السياسي، قد وقع في الفخ القاتل.
يبقى ماجد أبو شرار رمزاً للمثقف المشتبك الذي لاحقه الاحتلال في كل العواصم، وتظل قصة فندق 'فلورا' تذكيراً دائماً بأن المعركة مع الاستخبارات الإسرائيلية كانت تدور في كل زاوية من زوايا العالم. ورغم مرور 45 عاماً، لا تزال الأسئلة حول المتواطئين والمنفذين تبحث عن إجابات شافية في أروقة العدالة الدولية المغيبة.