بعد مرور ثلاثة أعوام على أحداث السابع من أكتوبر، تحولت ملاحقة إسرائيل ومسؤوليها أمام القضاء الدولي من مجرد مطالبات سياسية إلى واقع قانوني ملموس. وقد تجلى ذلك في مسارين متوازيين؛ الأول أمام محكمة العدل الدولية بشأن مسؤولية الدولة، والثاني أمام المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة الأفراد المسؤولين عن جرائم الحرب.

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، بناءً على أدلة معقولة تشير إلى تورطهما في جرائم ضد الإنسانية. وتشمل هذه الاتهامات استخدام التجويع كسلاح في الحرب، بالإضافة إلى القتل والاضطهاد الممنهج بحق المدنيين في قطاع غزة.

على الجانب الآخر، تواصل محكمة العدل الدولية النظر في دعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب إفريقيا، حيث فرضت المحكمة تدابير مؤقتة ملزمة لحماية الفلسطينيين. ومع ذلك، فإن الجدول الزمني للمرافعات المكتوبة يمتد حتى مايو 2029، مما يشير إلى أن الحكم النهائي قد يستغرق سنوات طويلة.

يبرز التمييز بين اختصاص المحكمتين كضرورة لفهم مسار العدالة؛ فمحكمة العدل تنظر في نزاعات الدول ولا تصدر أحكاماً بالسجن. بينما تختص الجنائية الدولية بمحاسبة الأفراد جنائياً، وهو ما يفسر صدور مذكرات التوقيف بحق القادة السياسيين والعسكريين للاحتلال.

واجهت إجراءات التنفيذ تحديات كبرى، تجسدت في زيارة نتنياهو للمجر في أبريل 2025 دون تعرضه للاعتقال رغم عضوية بودابست في نظام روما. وقد اعتبرت المحكمة الجنائية لاحقاً أن المجر أخفقت في التزاماتها، وأحالت الملف إلى جمعية الدول الأطراف لاتخاذ إجراءات إضافية.

في سياق متصل، دافعت دول مثل فرنسا عن السماح بعبور طائرة نتنياهو لأجوائها خلال توجهه إلى نيويورك في سبتمبر 2026. واستند هذا الموقف إلى تفسيرات قانونية ترى أن نظام روما لا يفرض التزامات قسرية فيما يتعلق بالتحليق الجوي للشخصيات المطلوبة.

تظل معضلة التنفيذ قائمة لكون المحكمة الجنائية الدولية لا تملك قوة شرطية خاصة بها، وتعتمد كلياً على تعاون الدول الأعضاء. ويشكل غياب التوقيف والتسليم عائقاً جوهرياً يحول دون بدء المحاكمات الفعلية، حيث يشترط نظام المحكمة حضور المتهمين للدفاع عن أنفسهم.

مذكرة التوقيف ليست حكم إدانة، كما أن التدابير المؤقتة في دعوى الإبادة ليست حكمًا نهائيًا بثبوتها، فلكل مرحلة معيارها ووظيفتها القانونية.

لم تقتصر المسارات القانونية على غزة فحسب، بل شملت رأياً استشارياً تاريخياً لمحكمة العدل الدولية في يوليو 2024 بشأن الاحتلال. وخلصت المحكمة إلى أن الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني ويجب إنهاؤه في أسرع وقت ممكن.

أكدت المحكمة أيضاً على التزام المجتمع الدولي بعدم الاعتراف بالوضع القانوني الناشئ عن الاحتلال أو تقديم العون لاستمراره. هذا الرأي الاستشاري يضع الدول أمام مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية في كيفية التعامل مع المستوطنات والأنشطة الإسرائيلية في الضفة والقدس.

في أكتوبر 2025، صدر رأي استشاري إضافي شدد على واجبات إسرائيل تجاه المنظمات الدولية، وعلى رأسها وكالة 'أونروا'. وأكدت المحكمة ضرورة تيسير وصول المساعدات الإنسانية وتوفير مقومات الحياة الأساسية للسكان الخاضعين للاحتلال دون عوائق.

تعرضت المؤسسات القضائية الدولية لضغوط سياسية هائلة، شملت عقوبات أمريكية استهدفت قضاة ومسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية. ورغم هذه الضغوط، أعلنت المحكمة تمسكها باستقلاليتها ورفضها لأي محاولات لترهيب أعضائها أو عرقلة سير العدالة الدولية.

إن طول أمد التقاضي في محكمة العدل الدولية لا يعني منح إسرائيل مهلة لتعليق التزاماتها الحالية بموجب التدابير المؤقتة. فالحماية المطلوبة للفلسطينيين واجبة النفاذ فوراً، بغض النظر عن الموعد النهائي لصدور حكم الإدانة في قضية الإبادة الجماعية.

توضح العوائق القانونية في دول غير موقعة على نظام روما، مثل الولايات المتحدة، تعقيد المشهد القضائي الدولي. فصدور مذكرات التوقيف لا يعني بالضرورة سهولة تنفيذها في كافة العواصم، مما يتطلب ضغطاً دبلوماسياً وحقوقياً متواصلاً.

في الختام، أصبحت أفعال الاحتلال موضع تدقيق قضائي غير مسبوق، مما نزع الحصانة القانونية التي تمتعت بها إسرائيل لعقود. ورغم بطء إجراءات التنفيذ، إلا أن هذه المسارات أسست لقاعدة قانونية صلبة يمكن البناء عليها في معركة المحاسبة الطويلة.