شهد قطاع غزة تحولات دراماتيكية بعد ثلاث سنوات من العدوان المستمر، طالت شكل المكان والمساحات المتاحة للسكان، وصولاً إلى تغيير وظائف الأماكن الحيوية التي عرفها الغزيون لعقود. ولم تعد الصور الجوية، رغم فداحة ما تنقله من دمار، كافية لرواية حجم التحول في تفاصيل الحياة اليومية وحركة السكان بين الشمال والجنوب.

في منطقة مواصي خانيونس جنوبي القطاع، تبدلت الملامح تماماً؛ فبعد أن كانت منطقة زراعية هادئة وقليلة السكان وتنتشر فيها الأشجار، تحولت اليوم إلى غابة من الخيام المكتظة بالنازحين. وأصبح العثور على مساحة خالية في هذه المنطقة أمراً شبه مستحيل في ظل التكدس البشري الهائل الذي فرضه واقع النزوح القسري.

أفادت مصادر ميدانية بأن مساحة قطاع غزة تضيق بشكل خانق على أصحابها، حيث قضم الاحتلال الإسرائيلي نحو 70% من المساحة الأصلية للقطاع. هذا التقلص أجبر السكان على التكدس في أقل من 30% من المساحة الإجمالية، وسط ركام المنازل ومياه الصرف الصحي وانتشار الحشرات والقوارض.

تأثرت شبكة الطرق الرئيسية بشكل مباشر بهذا الدمار، لا سيما شارع صلاح الدين الذي يعد الشريان الحيوي الرابط بين شمال القطاع وجنوبه. فقد تعرض الطريق لدمار واسع وانتشرت عليه العوائق والمكعبات الإسمنتية، مما جعل التنقل عبره محفوفاً بالمخاطر الكبيرة للسكان.

اضطر الغزيون نتيجة خطورة الطرق الشرقية إلى التوجه نحو شارع الرشيد الساحلي في رحلاتهم، رغم أن المسافة تصبح أطول بكثير والتكاليف المادية تتضاعف. ويؤكد سكان محليون أن الرحلة التي كانت تكلف مبلغاً زهيداً قبل الحرب، باتت تكلف ضعف الثمن حالياً بسبب طول المسارات البديلة واستهلاك الوقود.

في قلب مدينة غزة، تحولت منطقة الجندي المجهول التي كانت تعد المتنفس الأول للسكان ومركزاً للمطاعم والمقاهي والنشاط التجاري إلى ساحة من الخراب. هذا المكان الذي كان ينبض بالحياة والنشاط الاجتماعي، بات اليوم شاهداً على حجم الإبادة التي تعرضت لها المعالم الحضرية في المدينة.

لم يقتصر التغيير على الملامح الخارجية فقط، بل امتد ليشمل وظائف المنشآت التعليمية والخدمية؛ فالجامعة الإسلامية بغزة تحولت من صرح أكاديمي إلى مراكز إيواء. وبدلاً من استقبال الطلاب والمحاضرات، باتت قاعاتها تضم عائلات نازحة فقدت منازلها وتبحث عن سقف يحميها من برد الشتاء وحر الصيف.

لم أعد أعرف منزلي؛ لقد غير الدمار معالم المكان إلى درجة يصعب معها التعرف على التفاصيل التي عشناها.

يعبر النازحون في مناطق الشمال عن يأسهم المتزايد من ضيق الخيارات السكنية، حيث يتساءل الكثيرون عن وجهتهم القادمة في ظل الاكتظاظ الشديد. وتمتد أزمة السكن من مناطق السودانية وصولاً إلى بيت لاهيا، حيث لم تعد هناك أي مساحات إضافية لاستيعاب العائلات المهجرة حديثاً.

استغرقت الرحلة الميدانية نحو منطقة السودانية، وهي أقصى نقطة يمكن الوصول إليها شمالاً، نحو ساعتين كاملتين من الزمن. هذه المسافة نفسها كانت في الظروف الطبيعية قبل الحرب لا تتجاوز ثلاثين دقيقة، مما يعكس حجم التدهور في البنية التحتية وصعوبة التنقل بين الأحياء.

الفارق الزمني في التنقل لا يعود فقط لدمار الطرق، بل لاضطرار السكان لسلوك مسارات دائرية ومعقدة لتجنب المناطق المستهدفة أو المغلقة عسكرياً. هذه التحولات الجغرافية أعادت رسم خارطة الحركة اليومية للفلسطينيين، وجعلت من أبسط المهام اليومية رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر.

في منطقة السودانية، لا تظهر الجولة حجم الدمار المادي فحسب، بل تكشف عن طمس متعمد للذاكرة الشخصية والمكانية للسكان. فقد تحولت أحياء كاملة كانت تعج بالحياة إلى أكوام من الركام والتراب، مما أفقد أصحاب المنازل القدرة على تحديد مواقع بيوتهم بدقة.

روى الصحفي إسلام بدر تجربته الشخصية المؤلمة عند وصوله إلى منزله في السودانية، حيث وجد أن معالم المنطقة قد تغيرت بالكامل. وأكد بدر أنه لم يعد قادراً على التعرف على مكان منزله الذي لم يتبقَ منه سوى الذكريات، بعد أن مسحت آلة الحرب ملامح الحي الذي نشأ فيه.

تعد هذه التحولات جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تغيير ديموغرافيا القطاع وجعل العيش فيه أمراً مستحيلاً عبر تدمير مقومات الحياة الأساسية. فالمساحات التي كانت توفر الغذاء والتعليم والترفيه، تحولت إما إلى مناطق عسكرية مغلقة أو مخيمات بائسة تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية.

يبقى المشهد في غزة بعد ثلاث سنوات من الحرب شاهداً على صمود السكان في وجه محاولات المحو الجغرافي والسياسي. ورغم ضيق المساحة وتدمير المعالم، لا يزال الفلسطينيون يحاولون ابتكار سبل للبقاء والاستمرار فوق ما تبقى لهم من أرض، متمسكين بهويتهم وذاكرتهم التي تحاول الحرب طمسها.