شهدت إحدى بلديات منطقة الأغوار في الأردن واقعة غير مألوفة، حيث اقتحمت المزارعة نبيلة الحشوش برفقة زميلة لها اجتماعاً رسمياً كان مخصصاً لمناقشة بروتوكولات استملاك أراضٍ زراعية. ووثقت المزارعتان عبر مقطع فيديو مواجهتهما للمسؤولين المحليين، مؤكدتين رفضهما القاطع لتحويل الأراضي المنتجة إلى مسارات لسكك الحديد بموجب قانون الملكية العقارية الجديد.

الحشوش التي تحولت سريعاً إلى رمز للنشاط المعارض في أوساط الفلاحين، ردت بحدة على محاولة رئيس لجنة البلدية طردها من القاعة، مشددة على أن المواطنين هم أصحاب الحق الأصليين في البلدية. وحملت الناشطة خرائط توضح حجم المساحات المهددة بالاستملاك، مشيرة إلى أن هذه الخطوات تمثل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي الوطني في وقت حساس.

ورغم محاولات بعض الحاضرين منع التصوير والاعتداء على الهاتف المستخدم في التوثيق، إلا أن الرسالة وصلت بوضوح إلى الرأي العام الأردني. فقد نجحت المزارعتان في إيصال صوت شريحة واسعة من المزارعين الذين يشعرون بالتهميش حيال قرارات حكومية تمس سبل عيشهم الأساسية في منطقة تعد سلة غذاء المملكة.

وقد برزت نبيلة الحشوش كقائدة ميدانية بعد تأسيسها جمعية متخصصة للدفاع عن حقوق المزارعين، مستخدمة الوثائق والخرائط في مواجهة الوزراء والنواب. وتركز خطابها على التحذير من أن استملاك الأراضي الزراعية قد يصب في نهاية المطاف لصالح مشاريع إقليمية تخدم الاحتلال الإسرائيلي، وهو طرح يلقى صدى لدى شخصيات عامة.

من جانبه، اعتبر الناشط الحقوقي والسياسي محمد خلف حديد أن الإصرار الرسمي على تطبيق أنظمة وتشريعات متشددة دون حوار وطني حقيقي يعمق الفجوة بين الدولة والمواطن. وأوضح أن غياب التشاور يساهم في تحويل شرائح اجتماعية واسعة إلى ضحايا لعمليات تشريع توصف بالغامضة أو المتسرعة، مما يؤثر سلباً على هيبة المؤسسات التشريعية.

ويرى مراقبون أن خروج مزارعين بسطاء وفقراء للمطالبة بحقوقهم يمثل علامة فارقة في المشهد الحقوقي الأردني المعاصر. فهؤلاء المحتجون لا ينطلقون من دوافع حزبية أو سياسية تقليدية، بل تحركهم مخاوف حقيقية على مستقبل أراضيهم التي تخصص الآن لمشاريع شحن وسكك حديدية على حساب الزراعة الحصرية.

أنت موظف.. نحن البلدية؛ هذه الأرض تمثل أمننا الغذائي ولا يمكن التفريط بها لصالح مشاريع غامضة.

إن انتقال النشاطات الحقوقية إلى مناطق ريفية مثل الأغوار يضع حكومة الرئيس جعفر حسان أمام تحدٍ كبير يتطلب جهداً مضاعفاً للإقناع. فالمزارعون الذين كانوا بعيدين عن صخب الإعلام والسياسة، يخوضون اليوم حملة منظمة لمناهضة الاستملاكات، مما يشير إلى تحول في وعي القواعد الشعبية تجاه حقوقها الملكية.

ويشير الناشط الحقوقي عاصم العمري إلى أن مؤشرات عدم الرضا بدأت تتسع لتشمل طبقات اجتماعية كانت تُصنف تاريخياً ضمن دوائر الموالاة الصامتة. ويرى العمري أن استفزاز هذه الشرائح بقرارات إدارية أو تشريعية توصف بالاستبدادية قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية يصعب احتواؤها دون فتح قنوات نقاش حقيقية وعميقة.

التساؤلات المطروحة اليوم في الشارع الأردني تتعلق بمدى جدوى التضحية بآلاف الهكتارات الزراعية من أجل مشاريع لوجستية، في ظل أزمات الغذاء العالمية. ويؤكد المزارعون أن الحفاظ على الأرض هو الضمانة الوحيدة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بعيداً عن الوعود الحكومية التي لا تترجم دائماً إلى واقع ملموس يحمي صغار الفلاحين.

ومع بدء تطبيق قوانين جديدة تتعلق بالإدارة المحلية والملكية العقارية، يتوقع خبراء ظهور بؤر احتجاجية جديدة في مناطق مختلفة من المملكة. هذا الحراك الميداني يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمعات المحلية، حيث لم يعد الصمت هو الخيار السائد أمام القرارات التي تمس الملكيات الخاصة والموارد الطبيعية.

ختاماً، يبقى ملف أراضي الأغوار اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على التوازن بين خطط التطوير الاقتصادي وحماية حقوق المواطنين التاريخية في أراضيهم. فالمواجهة التي قادتها الحشوش وزميلتها ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي انعكاس لحالة قلق عامة تتطلب معالجات تتجاوز الحلول الأمنية أو البيروقراطية التقليدية.