ليس فقط من الخارج، حيث حرب روسيا وأوكرانيا، أو السياسات المقلقة من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فالخطر على المستشار الألماني فريدريش ميرتس يأتي أيضا من الداخل، والمثير أنه لا يأتيه من الحاضر فقط بل من الماضي كذلك.

فبعد هزائم انتخابية في الشهر الماضي، جاء الشهر الجاري ليشهد على حصاد مر لميرتس وائتلافه المسيحي، حيث أوضح استطلاعان للرأي حجم المأساة التي يمران بها مستشارا وحزبا، قبل أن تأتي أخبار الزلزال السياسي من ولاية سكسونيا أنهالت.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "ما وراء الخبر".. لماذا تريد ليتوانيا نشر نووي الناتو على أراضيها؟
* list 2 of 2 نووي الناتو يقترب من روسيا.. هل تبدأ الحرب المباشرة من ليتوانيا؟ end of list

اليوم الثلاثاء، حدث ما لم تشهده ألمانيا منذ عام 1945، حيث فاز اليمين المتطرف برئاسة برلمان إقليمي للمرة الأولى منذ ذلك التاريخ، ليسجّل نقطة جديدة ومهمة على حساب الائتلاف الذي يقوده ميرتس.

وبهذا المنصب، ترجم حزب البديل من أجل ألمانيا، الفوز الكبير الذي حققه الشهر الماضي في الانتخابات المحلية بولاية سكسونيا أنهالت الواقعة في شرقي ألمانيا.

ورغم وصف أجهزة رسمية ألمانية الحزب بأنه يميني متطرف، فإنه يتحول تدريجيا من وعاء للاحتجاج إلى قوة تسعى صراحة إلى الوصول إلى السلطة، مستغلا بيئة مواتية توفرها الأوضاع الحالية وما تنطوي عليه من قلق اقتصادي، وارتفاع لتكاليف المعيشة والطاقة، فضلا عن مخاوف مرتبطة بالهجرة والأمن، وشعور متزايد بأن الأحزاب التقليدية لا تستطيع اتخاذ قرارات واضحة.

يوم السبت الماضي، كان ميرتس على موعد مع خبر سيئ آخر، حيث أفاد استطلاع للرأي بارتفاع نسبة تأييد حزب البديل من أجل ألمانيا بين الناخبين إلى 30% على المستوى الاتحادي، في حين تراجعت نسبة تأييد الائتلاف المسيحي الذي يقوده إلى 18% فقط.

الاستطلاع الذي أجراه معهد "إينزا " لصالح صحيفة "بيلد "، انطوى على كارثة حقيقية للائتلاف الذي يقوده الحزب المسيحي الديمقراطي ويضم أيضا "شقيقه " الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري.

أديناور وكول وميركل

إن أردت التذكير بحجم الحزب المسيحي الديمقراطي فهو حزب ميرتس وهو أيضا حزب أنجيلا ميركل التي كانت أول امرأة تترأس الحكومة الاتحادية في ألمانيا، وظلت في السلطة على مدى 16 عاما منذ 2005 وحتى 2021.

إعلان

وإن عدت للخلف، فهو أيضا حزب المستشار هيلموت كول الذي تحققت في عهده وحدة ألمانيا وتولى المنصب 16 عاما أخرى منذ 1982 إلى عام 1998، ناهيك عن كونراد أديناور الذي كان أول مستشار لألمانيا الغربية وتولى المنصب بين عامي 1949 و1963.

أما عن بقية نتائج الاستطلاع الأخير، فقد حصل كل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر على 14%، وحصل حزب اليسار على 10%، فيما حصل كل من حزب "تحالف سارا فاغنكنشت " والحزب الديمقراطي الحر على 4%، أي أقل من عتبة الـ5% المطلوبة لدخول البرلمان.

وقبل أن نترك هذا الاستطلاع نشير إلى صدمة أخرى تضمنها لميرتس، حيث أعرب 79% من المشاركين عن عدم رضاهم عن أداء المستشار، وهي نفس نسبة عدم الرضا عن أداء الحكومة الألمانية ككل.

مصدر الصورة ميركل تصافح ميرتس خلال مؤتمر للحزب الديمقراطي المسيحي في فبراير الماضي (غيتي)

ميركل أكثر كفاءة

لم تتوقف الأخبار السيئة عند هذا الحد، ففي يوم الأحد الماضي كان هناك خبر آخر تضمنه استطلاع للرأي أجرته مؤسسة يوجوف بتكليف من وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ).

فقد عبّر نصف المشاركين تقريبا عن اعتقادهم بأن المستشارة السابقة أنجيلا ميركل ستكون أكثر كفاءة من المستشار الحالي فريدريش ميرتس، في التعامل مع المشاكل الحالية.

بتفصيل أكثر، صوّت 48% من المشاركين لأفضلية ميركل، و8% لأفضلية ميرتس، و29% لتعادلهما في القدرة على مواجهة التحديات، في حين اختار 15% التعبير عن عدم اليقين أو القدرة على الاختيار بينهما.

هذا يعني أن المستشار الألماني بات يجد نفسه بين "خصمين " لا يشبه أحدهما الآخر: "البديل " الذي ينذر بتغيير جذري للمسار الألماني، وميركل التي تذكّر قطاعات من الناخبين بعصر يبدو لهم الآن أكثر هدوءا واستقرارا.

ولكن.. لماذا يحن الألمان إلى ميركل؟

عند محاولة الإجابة عن هذا السؤال، نلاحظ أن موقع دويتشه فيله الألماني يسارع إلى المقارنة بين السنوات الحالية العامرة بالأزمات وعدم الاستقرار، وما كان عليه الحال في الأعوام الـ16 التي قضتها ميركل مستشارة لألمانيا.

أما وكالة الأنباء الألمانية فتقول ببساطة إن ميركل ورغم مرور نحو 5 سنوات على مغادرتها السلطة، فهي تبدو حاضرة من جديد في كل مكان رغم أن جانبا من الخطاب المحافظ في السنوات الماضية حمّلها مسؤولية العديد من القرارات المثيرة للجدل، خصوصا فيما يخص استقبال المهاجرين.

وتضرب الوكالة مثالا بسيطا لذلك عبر الإشارة إلى قرار متحف بوده في العاصمة برلين بتمديد فترة عرض لوحة رسمها الفنان جيريمي كيراس لميركل ثلاثة أشهر إضافية حتى أوائل العام المقبل.

"لطالما أثارت أنجيلا ميركل إعجابي بهدوئها، وبالطريقة التي كانت تتعامل بها مع هؤلاء الرجال، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وغيره، بدون أي انفعال "، هذا ما نقلته الوكالة نفسها عن إحدى زائرات المتحف.

زوار آخرون ركزوا على نجاح ميركل في تجاوز أزمات عديدة مثل جائحة كورونا وموجة تدفق اللاجئين على البلاد، ناهيك عن حرصها على الديمقراطية ودعوة الحلفاء للالتزام بالاعتدال والوسطية، معربين عن اعتقادهم بأنه يصعب على غيرها إدارة مثل هذه الأزمات بطريقة أفضل.

إعلان

لكن هناك زاوية أخرى، تشير لها وكالة الأنباء الألمانية، مفادها أنه على خلاف أولاف شولتس أو ميرتس، فإن أسلوب ميركل في الظهور والتعامل لا يزال، في نظر كثيرين، يتسم بتواضع حقيقي وبساطة وابتعاد عن التكلف، فضلا عن القدرة على إشعار الناس بالأمان.

أما الباحث السياسي كارل رودولف كورته فينقل عنه موقع دويتشه فيله إشارته إلى ما تتحلى به ميركل من بساطة، ويقول إنها بعد سنوات من مغادرتها المنصب "لا تتحدث بلغة تكنوقراطية معقدة، بل بلغة يفهمها الجميع، ولذلك فالجميع يفهمها ".

ربما لكل هذا ما زال نصف الألمان يحنون إلى السيدة التي وصفتها مجلة فوربس يوما بأنها أقوى امرأة في العالم، ويتحدثون عما كان يمكن أن تفعله لو أنها عادت إلى السلطة وهي في الثانية والسبعين من عمرها.

لكن في الختام، لا يمكن القول إن سؤال "هل يريد الألمان ميركل مجددا؟ " هو الأقرب للواقع، فالسيدة قد اعتزلت السياسة ولا توجد أي مؤشرات لاحتمال العودة، وإنما السؤال الذي يبدو وكأنه يدور في الأذهان هو "لماذا يبدو الحاضر أقل طمأنينة عندما يقارن بالماضي؟ ".

ولهذا تضيق الدائرة على ميرتس، فميركل لا تنافسه على منصبه، والبديل ما زال بعيدا عن السلطة الاتحادية، لكن الاثنين يضغطان عليه، الأولى باستقرار الماضي والثاني بغموض المستقبل.