توظيف حادثة طائرة فلاي دبي سياسياً في إسرائيل
د. أحمد رفيق عوض: الحادثة قد تُستخدم لخلق مسار من "التطبيع بالقوة" وخلط الأوراق السياسية ومحاولة استعادة مكانة إسرائيل وتعزيز سردية مظلوميتها
أكرم عطا الله: إسرائيل تحتاج إلى الظهور بمشهد "الضحية" وحادثة الطائرة وفّرت لها فرصة لاستثمار مثل هذه الأحداث وتوظيفها في سياق روايتها الأمنية
د. عبد المجيد سويلم: سرعة توجيه الاتهامات بشأن حادثة الطائرة يمكن تفسيرها باعتبارها محاولة للاستفادة مما جرى ما يعكس أزمة نتنياهو ومجموعته
خليل شاهين: نتنياهو وكاتس سعيا لتعزيز الانطباع بأن التحذيرات الأمنية لم تكن لأغراض انتخابية بما يتيح تبرير استمرار السياسة الإسرائيلية على جبهات عدة
د. رهام عودة: ثبوت تعمُّد الاستهداف قد ينعكس على حركة الطيران بين الإمارات وإسرائيل دون تأثر العلاقات الدبلوماسية مع تشديد الإجراءات الأمنية
رام الله - خاص بـ"القدس"-
تتجاوز تداعيات حادثة طائرة "فلاي دبي" الإماراتية، التي كانت تقل إسرائيليين، حدود التحقيق في ملابسات ما جرى على متنها، بعدما سارعت إسرائيل إلى وضعها في سياق أمني وسياسي واسع، وسط تحذيرات من التسرع في إطلاق الاتهامات قبل اكتمال التحقيقات.
وبينما يؤكد المحللون ضرورة انتظار نتائج التحقيق لتحديد ما إذا كان ما جرى حادثاً عرضياً أم فعلاً متعمداً، يشيرون إلى أن سرعة انتقال الخطاب الإسرائيلي إلى الحديث عن الإرهاب و"الإرهاب الجهادي" واحتمال وجود صلة بإيران، عكست توظيفاً سياسياً وإعلامياً للحادثة.
ويشيرون إلى أن هذا التوظيف يُطرح على أكثر من مستوى، من التأثير في أجندة الناخب الإسرائيلي وتحويل النقاش بعيداً عن أزمات الحكومة وإخفاقاتها، إلى محاولة تعزيز الرواية الإسرائيلية أمام الرأي العام الدولي، وإعادة تقديم إسرائيل باعتبارها دولة تواجه تهديدات متواصلة وتدافع عن نفسها وعن العالم في مواجهة ما تصفه بالإرهاب.
إثارة المخاوف لدى الجمهور الإسرائيلي
يرى الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن حادثة الطائرة الإماراتية التي قيل إنها كادت أن تسقط وعلى متنها إسرائيليون قد لا تكون مرتبطة فقط بمحاولة إثارة المخاوف لدى الجمهور الإسرائيلي وحشد الأصوات لمصلحة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أو اليمين المتطرف، معتبراً أن تداعياتها وأهداف توظيفها السياسي تبدو أوسع وعلى مستويات متعددة.
ويشير عوض إلى أن الأمر قد يرتبط كذلك بمساعي دفع مسار التطبيع مع السعودية، وتكريس الرواية الإسرائيلية التي تقدم إسرائيل باعتبارها دولة تحارب الإرهاب، ليس فقط دفاعاً عن نفسها وإنما "بالنيابة عن العالم"، مشيراً إلى أن حادثة الطائرة يمكن أن توظف في خدمة هذه المستويات المتعددة من الأهداف.
اتهامات مقصودة
وفي ما يتعلق بالاتهامات التي أُطلقت سريعاً عقب الحادثة، يرى عوض أنها كانت مقصودة جداً، لافتاً إلى الانتقال المباشر إلى الحديث عن الإرهاب و"الإرهاب الجهادي" وكراهية اليهود، قبل اتضاح ملابسات ما جرى أو إجراء تحقيقات تكشف حقيقة الحادثة.
ويعتقد عوض أن سياسيين إسرائيليين، وفي مقدمتهم نتنياهو ووزراء في حكومته، سارعوا إلى توظيف الحادثة بما يخدم أجنداتهم السياسية، سواء عبر تحميل أي جهة محتملة المسؤولية، أو استخدامها للضغط باتجاه التطبيع مع أطراف عربية، أو ربطها بخطابات الإسلاموفوبيا.
ويشدد عوض على أن القفز السريع إلى استنتاجات كبيرة، رغم عدم معرفة ما حدث بالضبط داخل الإطار الإماراتي، يعكس توظيفاً سياسياً وإعلامياً للحادثة لخدمة "البروباغندا" والمصالح الإسرائيلية القريبة والبعيدة.
استغلال المخاوف الأمنية
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن حادثة الطائرة الإماراتية جرى استغلالها من قبل إسرائيل لتعزيز المخاوف الأمنية، معتبراً أن إسرائيل كانت بحاجة إلى حادث من هذا النوع في ظل عزلتها في الأمم المتحدة وعلى المستوى الدولي، والاتهامات الموجهة إليها، إلى جانب قرارات بعض الدول الأوروبية المتعلقة بمعاقبة المستوطنات.
ويوضح عطا الله أن إسرائيل، في ظل هذه الحالة، تحتاج إلى الظهور في مشهد "الضحية"، معتبراً أن حادثة الطائرة وفّرت لها فرصة لاستثمار مثل هذه الأحداث وتوظيفها في سياق روايتها الأمنية.
ويعتقد عطا الله أن توجيه الاتهامات قبل إجراء التحقيقات، يعكس ما تريده إسرائيل تماماً، وتسعى إلى دفع الأحداث في اتجاه محدد، من خلال توجيه الاتهام فوراً وتحميل المسؤولية لإيران.
التحضيرات الإسرائيلية لضرب إيران
ويربط عطا الله ذلك بالتحضيرات الإسرائيلية لضرب إيران، معتبراً أن إسرائيل والولايات المتحدة تتجهان مجدداً نحو حصر الخيارات في هذا المسار، وبالتالي تحتاج إسرائيل إلى مبرر كبير يمكن أن تستخدمه لتسويغ أي خطوة قادمة تجاه إيران.
ويرى عطا الله أن سرعة توجيه الاتهامات، قبل اكتمال التحقيقات، تأتي في هذا السياق، بما يخدم الرواية الأمنية الإسرائيلية ويوفر أرضية لتبرير ما قد تتجه إليه لاحقاً.
توظيف الخوف في السياق الانتخابي
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د.عبد المجيد سويلم أن حادثة الطائرة الإماراتية ما زالت تحيط بها حالة من الغموض، وإن تفاصيل السيناريو الذي جرى تداوله في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وظهر أيضاً في تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين، لم تتضح بصورة نهائية، مشيراً إلى أن الأيام المقبلة قد تكشف مدى دقة هذه الرواية.
ويوضح سويلم أن ذلك لا يلغي، في المقابل، إمكانية توظيف الخوف والهلع والفزع في السياق الانتخابي، معتبراً أن نظرية التخويف تظل قائمة في لحظات الانتخابات كوسيلة لاستمالة الجمهور والحصول على الأصوات. وبحسب سويلم، فإن حزب الليكود ونتنياهو يواجهان أزمة صعبة التجاوز، وإن مستقبل اليمين المتطرف والعنصري قد يكون هذه المرة على المحك.
الصراع الداخلي الإسرائيلي تجاوز الافتراق السياسي
ويؤكد سويلم أن الانتخابات المقبلة لا تجري في ظل حالة سياسية اعتيادية، مشيراً إلى أن الصراع الداخلي الإسرائيلي تجاوز مجرد الافتراق السياسي بين كتل متنافسة، وأن إسرائيل دخلت مرحلة جديدة من الصراع الداخلي، بعدما انفرط العقد الاجتماعي بفعل الانقلاب القضائي وما يقوم به اليمين.
ويشير إلى أن أي تعايش بين الكتل الإسرائيلية بات مؤقتاً وغير سهل، لافتاً إلى أن المعارضة، في حال فوزها، لن تكون بالضرورة أمام وضع يقتصر فيه دور شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير على الجلوس في الكنيست وإلقاء الخطابات، بل إن المشهد أصبح أكثر خطورة، في ظل امتلاك المعارضة مئة ألف قطعة سلاح مرخصة، إلى جانب تشكيلات من المستوطنين ودخول منظم إلى مؤسسات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية.
ويرى سويلم أن المعادلة الداخلية الإسرائيلية وصلت إلى حدود "أن تكون أو لا تكون" بالنسبة إلى بعض الكتل، وأن مستقبل نتنياهو السياسي والائتلاف الحاكم بات جزءاً من هذا الصراع، مشيراً إلى أن هناك حديثاً عن احتمالات انفصال، بما في ذلك في الضفة الغربية، بالتزامن مع أزمة اقتصادية جرى التعتيم عليها، لكنها قادمة وستضرب المجتمع الإسرائيلي.
أخطار متزايدة تواجه المجتمع الإسرائيلي
وبحسب سويلم، فإن المجتمع الإسرائيلي يواجه أخطاراً متزايدة، بين استمرار نموذج الدولة القائمة على "الديمقراطية الإثنية" والعنصرية تجاه الفلسطينيين، وبين الهجرة، معتبراً أن تصاعد الأزمة قد يدفع إلى استخدام وسائل وأساليب وسيناريوهات سبق اختبارها في سياقات انتخابية مختلفة، مستشهداً بتجارب دونالد ترمب وقيادات أخرى حول العالم.
وفي ما يتعلق بسرعة توجيه الاتهامات بشأن حادثة الطائرة، يؤكد سويلم أنه لا يستطيع تفسير ذلك إلا باعتباره محاولة للاستفادة مما جرى، بغض النظر عن أسبابها أو كيفية حدوثها، وفي أسرع سياق ممكن، معتبراً أن هذا التسرع يعكس أزمة نتنياهو ومجموعته.
التسرع الإعلامي في بناء الرواية
ويشير سويلم إلى التسرع الإعلامي في بناء رواية متكاملة قبل انتهاء أي تحقيق، لافتاً إلى تضارب الحديث أولاً عن طيار أوكراني أو روسي، ثم عُماني أو إماراتي، قبل الحديث عن منح رخصة لعُماني رغم عدم وجود علاقات سياسية ودبلوماسية بين عُمان وإسرائيل، ثم الإشارة إلى إيران واتهامات أخرى.
ويؤكد سويلم أن الجانب الإماراتي لم يقدم تفاصيل واسعة حول الحادثة، فيما اقتصرت المعلومات المتاحة على وقوع الهبوط ووجود مصابين، متسائلاً عن سبب إعداد سيناريو كامل مسبقاً، مؤكداً أن ذلك يثير الشكوك والحيرة والريبة بشأن الطريقة التي جرى بها توظيف الحادثة وتقديمها للرأي العام.
الارتدادات على الطيران المدني والمسافرين
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د.عمر رحال أن حادث الطائرة الإماراتية يمثل حادثاً خطيراً له ارتداداته على الطيران المدني والمسافرين، إلا أن التحقيقات بشأن أسبابه ودوافعه لم تكن قد اكتملت، مشيراً إلى أن شركة "فلاي دبي" أكدت أن الأسباب والدوافع ما زالت غير معروفة، وطالبت بعدم التسرع في الاستنتاجات.
ويوضح أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو سارع منذ اللحظات الأولى إلى نقل الحادث من إطاره كحادث جوي قيد التحقيق إلى إطار أمني واسع، عبر الحديث عن محاولة إسقاط الطائرة وتهديدات محتملة وعملية فدائية، معتبراً أن ذلك أبرز البعد السياسي للحادث، في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وبحسب رحال، سعى نتنياهو من خلال هذا التعامل إلى تقديم نفسه أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره الرجل القادر على توفير الأمن والحماية، إذ أوعز إلى القادة الأمنيين والعسكريين بمتابعة الموضوع، وطلب من جهازي الموساد والشاباك متابعة الحادث، بما يعكس استراتيجية انتخابية غير مألوفة.
ويشير إلى أن الأمر لم يتوقف عند المستوى الأمني الداخلي، بل انتقل إلى المسار السياسي، إذ استخدم نتنياهو اتصاله بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب لنقل صورة الوضع إليه، في وقت كان من الممكن أن يكون ما جرى على متن الطائرة حادثاً عادياً، مثل المشاجرات التي قد تقع على متن الطائرات، لافتاً إلى أن الأجهزة الأمنية اعتقلت أشخاصاً بعد هبوط الطائرة، وهو إجراء يمكن أن يحدث في مثل هذه الحالات.
تضخيم دور نتنياهو
ويرى رحال أن نتنياهو ضخّم الحدث سياسياً وأمنياً ليظهر للشارع الإسرائيلي أنه يتابع ما يجري عن كثب، وأن الحادث لن يمر مرور الكرام، وأنه يتعامل معه باعتباره رئيساً للوزراء ومسؤولاً عن حياة الإسرائيليين.
بروباغندا إعلامية
ويؤكد رحال أن ما جرى يمكن وصفه بأنه "بروباغندا إعلامية"، مشيراً إلى أن نتنياهو أراد أيضاً إيصال رسالة إلى الأمريكيين والعالم مفادها بأن هناك خطراً، وأن الإسلام السياسي يشكل هذا الخطر، وأن إيران وحلفاءها يقفون وراء مثل هذه العمليات، معتبراً أن ذلك يتضمن استدراراً للعطف وتضخيماً للموضوع وتأليباً للرأي العام والولايات المتحدة والأوروبيين، والتحريض على المسلمين وبعض الدول العربية والإسلامية.
السعودية ترفض التطبيع الإجباري
وفي ما يتعلق بهبوط الطائرة في السعودية، وما جرى من موقف سياسي بعد ذلك، يؤكد رحال أن موقف المملكة كان واضحاً، إذ لم تقبل وجود طائرات عسكرية إسرائيلية تهبط في مطار تبوك لإجراء ما يتعلق بالركاب، معتبراً أن الرسالة السعودية تمثلت في رفض "التطبيع الإجباري". ويوضح رحال أن السعودية تعاملت مع الأمر استناداً إلى مواقفها ومنطلقاتها الدينية والأخلاقية والمهنية، وإلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالطيران المدني، ووافقت على هبوط الطائرة رغم حملها إسرائيليين.
لا انعكاسات في العلاقة مع الإمارات
أما بشأن العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، فرحّال لا يتوقع أن تترك الحادثة انعكاسات سياسية أو دبلوماسية عليها، لكنه يرجّح اتخاذ مزيد من الإجراءات الأمنية خلال الأيام والأشهر المقبلة، وأن تقدم إسرائيل للإمارات مطالب إضافية تتعلق بأمن المطارات، واختيار الطيارين والمضيفين والإجراءات الأمنية المتبعة في بعض المطارات فيما يتعلق بشركة "العال" الإسرائيلية.
ويشير رحال إلى أن شركة الطيران ستستجيب للمطالب الإسرائيلية، لكنه لا يعتقد أن ذلك سيؤثر في العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، خصوصاً أن نتنياهو كان في الإمارات قبل الحادث بيومين.
توظيف سياسي واضح لما جرى
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن التحقيقات بشأن حادثة الطائرة الإماراتية لم تُحسم بعد، خصوصاً أن الطيار ومساعده لا يزالان في السعودية، رغم أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس سارعا إلى توظيف الحادثة قبل معرفة نتائج التحقيق، وفي ظل تضارب الروايات بشأن ما جرى على متن الطائرة.
ويوضح أن توظيف نتنياهو للحادثة اتخذ ثلاثة اتجاهات رئيسية، أولها داخلي، تمثل في إثارة المخاوف لدى الإسرائيليين من تهديدات خارجية محتملة.
ويربط شاهين ذلك بتوقيت الحادثة، التي وقعت بعد فترة قصيرة من تصريحات لنتنياهو في قاعدة جوية إسرائيلية تحدث فيها عن مؤشرات على تهديد محتمل، وهو ما دفع زعيم المعارضة يائير لبيد إلى طلب إحاطة أمنية.
ويشير شاهين إلى أن نتنياهو وكاتس سعيا إلى تعزيز الانطباع بأن التحذيرات الأمنية لم تكن لأغراض انتخابية، بل تستند إلى تهديدات فعلية، بما يتيح تبرير استمرار السياسة الإسرائيلية على جبهات عدة، في غزة والضفة الغربية ولبنان وسورية وإيران، ويربط ذلك بما وصفه بمشروع اليمين الإسرائيلي لإعادة تشكيل المنطقة ضمن تصور "إسرائيل الكبرى".
ويشير شاهين إلى أن توجيه اتهامات أو تلميحات بشأن ضلوع إيران في الحادثة، وربطها بأحداث أخرى، يأتي ضمن محاولة تقديم إيران باعتبارها مصدراً لتهديدات قد تطاول إسرائيل وأوروبا على حد سواء.
الاستغلال الانتخابي
أما الاتجاه الثاني، بحسب شاهين، فيتمثل في الاستغلال الانتخابي، إذ إن إبقاء العامل الأمني في صدارة النقاش العام الإسرائيلي، مع اقتراب انتخابات الكنيست، يساعد على تحويل الاهتمام بعيداً عن مسؤولية نتنياهو وحكومته عن الإخفاقات التي سبقت السابع من أكتوبر وتلته. ويلفت شاهين إلى أن الحادثة وقعت قبل نحو أسبوع من الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، وقبل نحو أربعة أسابيع من الانتخابات، ما أتاح دفع وسائل الإعلام إلى التركيز على التهديدات الأمنية بدلاً من أزمات داخلية، بينها قضية التجنيد ومسؤولية الحكومة عن إخفاقات السنوات الأخيرة.
إعادة تقديم إسرائيل كضحية
ويشير شاهين إلى الاتجاه الثالث، الذي يتعلق بالمستوى الدولي، إذ يرى شاهين أن نتنياهو حاول إعادة تقديم إسرائيل للرأي العام العالمي باعتبارها "ضحية للإرهاب والتهديدات المتواصلة"، واستعادة التعاطف معها في ظل تراجع مكانتها الدولية.
الربط بأحداث 11 سبتمبر
ويلفت شاهين إلى محاولة الربط بين حادثة الطائرة وهجمات 11 سبتمبر، وإلى التلميحات بأن هدف مساعد الطيار ربما كان السيطرة على الطائرة وإدخالها المجال الجوي الإسرائيلي واستهداف منشأة داخل إسرائيل.
ويؤكد أن نتائج التحقيق تبقى العامل الحاسم في تحديد حقيقة ما جرى، مشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه لم يحسم أن الحادثة كانت هجوماً، عندما تحدث عن احتمال أن يكون مساعد الطيار إرهابياً أو مختلاً عقلياً.
ويرى شاهين أن نتنياهو استطاع، رغم ذلك، جعل الحادثة محور اهتمام الإعلام الإسرائيلي، وربطها بسيناريو تصعيد محتمل قبل الانتخابات، سواء في غزة أو الضفة أو عبر توجيه ضربة لإيران، منفرداً أو بالتعاون مع الولايات المتحدة.
إمكانية تأجيل الانتخابات
ويشير شاهين إلى أن أوساطاً إسرائيلية تحذر من احتمال استغلال أي تصعيد لإعلان حالة طوارئ يمكن أن تتيح تأجيل الانتخابات إذا تيقن نتنياهو من خسارته.
وفي ما يتعلق بالسعودية، يؤكد شاهين أن محاولات إظهار وجود علاقات طبيعية معها لم تحقق نجاحاً، بعدما رفضت الرياض طلبات إسرائيلية تتعلق بمرافقة الطائرة وعدم استجواب الركاب، وأبقت الطيار ومساعده لديها لاستكمال التحقيق.
ويرى شاهين أن السعودية ستواصل ربط أي تطبيع رسمي بإيجاد أفق لحل القضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ومن غير المرجح أن تقدم لنتنياهو مكسباً انتخابياً قبل الانتخابات.
أما بشأن الإمارات، فيستبعد شاهين أن تؤثر الحادثة، من حيث المبدأ السياسي، في العلاقات بين أبوظبي وتل أبيب، لكنه يشير إلى إمكانية استمرار التوتر في ملف الطيران، في ظل وقف رحلات "فلاي دبي" مؤقتاً، والمطالب الإسرائيلية المتعلقة بجنسيات أفراد أطقم الطائرات، إلى جانب الخلافات بشأن إجراءات التعامل مع المسافرين من إسرائيل وإليها.
عدم التسرع بالحكم على طبيعة الحادثة
تؤكد الكاتبة والمحللة السياسية د.رهام عودة أن أي عمليات اختطاف للطيران المدني أو محاولات تنفيذ هجمات انتحارية باستخدام طائرات مدنية، بما يهدد حياة المدنيين وأمن الطيران الدولي، هي أفعال مرفوضة ومدانة بموجب القانون الدولي، بغض النظر عن جنسيات الضحايا أو المبررات المقدمة لها.
لكن عودة تشدد، في الوقت ذاته، على ضرورة عدم التسرع في الحكم على طبيعة حادثة طائرة "فلاي دبي"، في ظل استمرار التحقيقات، معتبرة أن تحديد ما إذا كانت الحادثة متعمدة أو ناجمة عن أسباب أخرى يجب أن يستند إلى النتائج الرسمية للتحقيق.
وتشير إلى أن الحادثة تُستغل إعلامياً وسياسياً بصورة كبيرة من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، موضحة أن إسرائيل قدمتها باعتبارها حادثة ذات صلة بالأمن القومي، وبصورة تكاد تقارنها بعمليات الطيران الانتحارية في 11 سبتمبر/أيلول عام 2001.
انسجام مع تصورات نتنياهو
وتربط عودة ذلك بتصريحات نتنياهو التي سبقت الحادثة بأيام، عندما تحدث عن توقعه وقوع "حدث أمني كبير" يهدد الإسرائيليين قبل الانتخابات، وعرض معلومات أمنية على زعيم المعارضة يائير لبيد، الذي أبدى بدوره مخاوف من خطر أمني قادم لا يمكن الإفصاح عن تفاصيله إعلامياً.
وبحسب عودة، فإن تزامن ذلك مع حادثة الطائرة التابعة لطيران "فلاي دبي" قد يسمح لنتنياهو بالقول للإسرائيليين إنه سبق أن حذرهم من الخطر.
وتشير عودة إلى أن نتنياهو قد يوظف الحادثة انتخابياً، خصوصاً إذا أظهرت التحقيقات وجود "بصمات إيرانية"، للدعوة إلى دعمه من أجل مواصلة الحرب ضد إيران، كما قد يستخدمها للرد على الاتهامات والتسريبات المتعلقة بمعرفته بمعلومات قبل أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وعدم تحذير الجمهور الإسرائيلي آنذاك.
تعزيز المخاوف الأمنية لدى الناخبين
وترى عودة أن الحادثة قد تعزز، في حال تأكد تعمد استهداف الإسرائيليين، المخاوف الأمنية لدى الناخبين، بما قد يدفع بعضهم نحو الأحزاب الأكثر تطرفاً في اليمين التي تركز على الأمن القومي والانتقام والردع باستخدام القوة.
وعلى صعيد العلاقات الإسرائيلية الإماراتية، ترى عودة أن ثبوت تعمد استهداف إسرائيليين قد ينعكس أمنياً على حركة الطيران بين الإمارات وإسرائيل، دون تأثر العلاقات الدبلوماسية، مع تشديد إجراءات الموافقة الأمنية على أطقم الطائرات القادمة من الإمارات إلى تل أبيب، وربما توسيع المطالب الإسرائيلية لشركات الطيران العربية والدولية بشأن مشاركة معلومات شخصية عن الركاب والأطقم.
أما سياسياً، فقد تستغل الحكومة الإسرائيلية الحادثة، بحسب عودة، لتعزيز رواية "الضحية الإسرائيلية" وطرح إسرائيل باعتبارها تواجه "عدواً مشتركاً" في حال ثبتت صلة إيران بالحادث، بما قد يفتح المجال أمام تعاون أمني أوسع مع دول عربية وتشجيع مسارات التطبيع.