في صبيحة الأول من أكتوبر عام 1985، سقط الرهان الفلسطيني على البعد الجغرافي كدرع حامٍ للقيادة السياسية. فبينما كانت تونس تبعد أكثر من ألفي كيلومتر عن الأراضي المحتلة، تمكنت ست طائرات حربية إسرائيلية من اختراق الأجواء والوصول إلى منطقة حمام الشط جنوب العاصمة التونسية.

استهدفت الغارة الجوية العنيفة مقار منظمة التحرير الفلسطينية بخمس قنابل ثقيلة، مما أدى إلى ارتقاء 68 شهيداً، بينهم 50 فلسطينياً و18 مواطناً تونسياً. وقد كشفت هذه العملية أن العمق الجغرافي لم يعد كافياً لصد الأطماع العسكرية الإسرائيلية التي طاردت المنظمة منذ خروجها من بيروت.

كان اختيار تونس مقراً للمنظمة بعد حصار بيروت عام 1982 نابعاً من رغبة الشهيد ياسر عرفات في الحفاظ على استقلالية القرار الوطني. فقد سعى عرفات للابتعاد عن التجاذبات الإقليمية في دول الطوق، معتبراً أن المسافة تمنحه هامشاً سياسياً لا يتوفر في العواصم القريبة من فلسطين.

يروي قادة فلسطينيون أن الانتقال إلى المغرب العربي كان ضرورة للهروب من محاولات الهيمنة على القرار الفلسطيني التي برزت بوضوح في دمشق وطرابلس لبنان. ومع ذلك، فإن هذا الاستقلال السياسي النسبي خلق تحديات أمنية معقدة في بيئة تونسية لم تكن مهيأة عسكرياً لمواجهة اعتداءات واسعة النطاق.

تذرعت سلطات الاحتلال في حينها بأن الغارة جاءت رداً على عملية نفذتها 'القوة 17' في ميناء لارنكا القبرصي أدت لمقتل ثلاثة إسرائيليين. ووصف وزير أمن الاحتلال آنذاك، إسحق رابين، الغارة بأنها رسالة تحذيرية مفادها أن يد إسرائيل قادرة على الوصول إلى خصومها في أي مكان.

لم تكن القدرة الجوية وحدها هي مفتاح نجاح العملية، بل لعبت المعلومات الاستخباراتية الدقيقة الدور المحوري في تحديد الأهداف. فقد أصابت القنابل مبانٍ محددة كان من المفترض أن تحتضن اجتماعاً قيادياً يترأسه ياسر عرفات، والذي نجا من الموت بمحض الصدفة.

كشفت التحقيقات اللاحقة عن دور الجاسوس الأمريكي جوناثان بولارد في تزويد إسرائيل بمعلومات حساسة سهلت المهمة. حيث سلم بولارد خرائط وصوراً جوية دقيقة لمجمع المنظمة في تونس، بالإضافة إلى معلومات عن أنظمة الدفاع الجوي في المنطقة وحركة السفن في البحر المتوسط.

المسافة لم تكن مجرد كيلومترات، بل كانت محاولة للفصل بين القيادة الفلسطينية وصراعات المشرق التي أحاطت بها.

أحدثت الغارة هزة عنيفة في العلاقات التونسية الأمريكية، خاصة بعد وصف البيت الأبيض للهجوم بأنه 'استجابة مشروعة'. هذا الموقف دفع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة للاحتجاج بشدة، متهماً واشنطن بالتحيز أو العلم المسبق بالعدوان الذي انتهك سيادة دولة صديقة.

تحركت الدبلوماسية التونسية والفلسطينية في أروقة الأمم المتحدة، مما أسفر عن صدور القرار رقم 573 الذي أدان العدوان الإسرائيلي. ورغم امتناع الولايات المتحدة عن التصويت، إلا أن القرار أقر حق تونس في الحصول على تعويضات عن الخسائر البشرية والمادية الجسيمة.

لم تتوقف الاستهدافات الإسرائيلية عند غارة حمام الشط، بل استمرت العمليات السرية لملاحقة رموز الثورة الفلسطينية فوق الأراضي التونسية. ففي عام 1988، تمكنت وحدة كوماندوز إسرائيلية من اغتيال القائد خليل الوزير 'أبو جهاد' في منزله بضاحية سيدي بوسعيد.

أثبت اغتيال 'أبو جهاد' أن التهديد الإسرائيلي لم يكن محصوراً في القصف الجوي البعيد، بل امتد ليشمل العمليات الاستخباراتية الميدانية. وقد أكدت هذه الحادثة مجدداً أن المسافة الجغرافية لا توفر حصانة أمنية أمام إصرار الاحتلال على تصفية القيادات التاريخية للمنظمة.

عاشت منظمة التحرير في تونس مرحلة من إعادة التنظيم السياسي والدبلوماسي، حيث شهدت تلك الفترة توقيع اتفاقات هامة مثل اتفاق العمل المشترك مع الأردن. ورغم القصف والاغتيالات، ظلت تونس منطلقاً للمبادرات السياسية التي سعت لتسوية الصراع وإقامة الدولة الفلسطينية.

تظل ذكرى مجزرة حمام الشط شاهداً على التلاحم الفلسطيني التونسي، حيث اختلطت دماء الشعبين في خندق واحد ضد العدوان. وتعكس هذه الحادثة التاريخية حجم التضحيات التي قدمتها تونس في سبيل استضافة الثورة الفلسطينية وحماية قرارها الوطني المستقل.

في نهاية المطاف، أظهرت تجربة تونس أن حماية القيادة الفلسطينية تتطلب منظومة أمنية متكاملة تتجاوز حدود الجغرافيا. فبينما نجحت المسافة في حماية 'القرار' من التدخلات الإقليمية، فشلت في حماية 'الأجساد' من التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية المتطورة للاحتلال.