آخر الأخبار

الأمم المتحدة في دورتها الـ81: اختبار استعادة الدور وسط تحول

شارك

أكرم عطا الله: الإدارة الأمريكية الحالية باتت تنظر إلى المؤسسات الدولية باعتبارها عبئاً على سلوك أمريكي يسعى إلى الهيمنة المطلقة على العالم
طلال عوكل: التغيير في النظام العالمي نحو التعددية القطبية بدأ يتشكل فعلياً ما يجعل الذهاب إلى عملية إصلاح إجبارية أمراً مستحقاً
نور عودة: وجود الأمم المتحدة كمنظومة دولية لا يزال مصلحة عالمية لكن تعافيها قد يتطلب تغييراً جذرياً بطريقة تعامل الدول ومن يحكم البيت الأبيض
داود كُتّاب: الأمم المتحدة تحتاج إصلاحاً جذرياً واختيار الأمين العام الجديد سيكون أول اختبار لمدى جدية العالم في اختيار شخصية قوية وشجاعة
نهاد أبو غوش: الأمم المتحدة في طور الأفول واجتماعاتها تحولت إلى منبر للخطابة وربما إلى فرصة لعقد لقاءات واتفاقات وصفقات ثنائية بين القادة
عريب الرنتاوي: بقاء الأمم المتحدة رغم ضعفها أفضل من غيابها وهناك صعوبة في التخلي عن نظام قائم دون تبلور آخر لأن البديل هو الفوضى الشاملة

رام الله - خاص بـ"القدس"-

في وقت تدخل فيه الأمم المتحدة دورتها الـ81 من اجتماعات جمعيتها العامة، تبدو المنظمة الدولية أمام واحدة من أصعب مراحلها منذ تأسيسها، في ظل تراجع قدرتها على التأثير في الأزمات والحروب، وعجزها عن تنفيذ قراراتها، ولا سيما تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية، بالتزامن مع ضغوط سياسية ومالية متزايدة تهدد قدرتها على أداء أدوارها.
ويوضح كتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث مع "ے"، أن أزمة الأمم المتحدة تتزامن مع تحولات أوسع في النظام الدولي، في ظل انتقادات متصاعدة للهيمنة الأمريكية على مؤسسات الأمم المتحدة وقراراتها، ومحاولات لإضعاف دورها أو تجاوزها، فيما تتجه موازين القوى، وفق تقديرات سياسية، نحو نظام متعدد الأقطاب لم تستقر قواعده بعد.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه الكتاب والمحللون والمختصون أن استمرار الوضع القائم بات غير ممكن، يرون أن المنظمة تحتاج إلى إصلاح جذري يعيد تشكيل آليات اتخاذ القرار ويحد من قدرة القوى الكبرى على تعطيلها، فيما يحذرون من تحول اجتماعاتها إلى منصة للخطابات واللقاءات الثنائية، بينما يرى البعض أن بقاء المنظمة، رغم ضعفها وعجزها، ضرورة لتجنب الفوضى الدولية الشاملة.

الاستخفاف الأمريكي بالأمم المتحدة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن الأمم المتحدة تعرضت منذ مجيء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لـ"ضربات شديدة"، تمثلت في الاستخفاف بها وبمؤسساتها والتعامل معها من دون احترام، ما أدى إلى كسر هيبتها، وجعل اجتماعاتها تنعقد من دون شعور لدى العالم بأنها قادرة على تحريك الملفات أو إيجاد حلول لأزمات العالم.
ويشير عطا الله إلى خطاب ترمب العام الماضي، حين قال: "إن الأمم المتحدة لم تساهم في إيجاد أي حل للأزمات العالمية"، معتبراً أن هذا التوصيف صحيح، لكن بفعل الإدارة الأمريكية نفسها، التي صنعت معظم الأزمات في العالم.
ويشير عطا الله إلى أن حربي أوكرانيا وإيران، وارتفاع أسعار النفط، والأزمات التي يشهدها العالم تحمل بصمات أمريكية، لافتاً إلى أن عصبة الأمم تجاوزها التاريخ بعدما فشلت في وقف الحرب العالمية الثانية في أوروبا، قبل أن تقوم الأمم المتحدة بدلاً منها.
ويلفت إلى مفارقة أن الولايات المتحدة التي توجه اليوم ضربات للأمم المتحدة كانت نفسها الدولة التي أشرفت على إقامتها، فيما تولى محامون أمريكيون وضع قوانينها ودستورها وأعرافها.
ويؤكد عطا الله أن الإدارة الأمريكية الحالية باتت تنظر إلى المؤسسات الدولية باعتبارها عبئاً على سلوك أمريكي يسعى إلى الهيمنة المطلقة على العالم، خصوصاً بعد أكثر من ثلاثة عقود من التفرد الأمريكي بقيادة العالم، لافتاً إلى أن واشنطن لم تلتزم حتى بالمحكمة الدولية، التي لا تُعد عضواً فيها، ما يعكس حالة تمرد على المؤسسات الدولية والنيل من مكانتها.

ضرورة الإصلاحات

يرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، باعتبارها الهيئة التي سادت محصلتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، قد تكون الدورة الأخيرة وفق القواعد والهيكلية التي قامت عليها المنظمة الدولية، من دون إغفال إمكانية تجديد أهدافها في حماية الأمن والسلم العالميين بصيغ جديدة.
ويوضح عوكل أن هذه الصيغ الجديدة يفترض أن تنهي هيمنة الولايات المتحدة على دور وقرارات الهيئات الأممية، لمصلحة نظام عالمي متعدد الأقطاب، مشيراً إلى أن هذا النظام بدأ فعلياً يأخذ طريقه نحو التشكل، الأمر الذي سيستدعي إصلاحات واسعة طالبت بها دول وخبراء كثيرون، غير أن الولايات المتحدة ظلت قادرة على منعها.

عجز المنظمة الأممية

ويشير عوكل إلى أن تحكم الولايات المتحدة في قدرة المؤسسات الدولية على العمل بلغ حداً لم يعد يطاق، مستشهداً بعدم قدرة الجمعية العامة على فرض قرار اتخذته بأغلبية 152 صوتاً لصالح حضور الوفد الفلسطيني اجتماعات الجمعية العامة للمرة الثانية.
ويذكّر عوكل بأن هذا العجز يعيد إلى الأذهان ما جرى عام 1974، عندما نُقلت اجتماعات الأمم المتحدة إلى جنيف لتجاوز الاعتراض الأمريكي على حضور الرئيس الراحل ياسر عرفات.

النظام العالمي نحو التعددية القطبية

ويرى عوكل أن التغيير في النظام العالمي نحو التعددية القطبية بدأ يتشكل فعلياً، ما يجعل الذهاب إلى عملية إصلاح إجبارية أمراً مستحقاً، استناداً إلى التغير الحاصل في مراكز القوة.
ويحذر عوكل من أن هذه التحولات الكبرى في منظومة الأمن والسلام العالميين لن تتم بسلاسة وإجراءات سلمية، إذ "ثمة ثمن ستدفعه البشرية"، معتبراً أن النظام القديم سيقاوم بما يملك من إمكانات، لكنه سيفشل تحت ضغط تغير موازين القوة والرغبة لدى شعوب عانت من نظام عالمي تتحكم فيه الولايات المتحدة.
ويؤكد عوكل أن العودة إلى نظام سابق، سواء عصبة الأمم أو الأمم المتحدة بقواعدها الحالية، غير ممكنة، لأن ظروفاً جديدة ومختلفة ستشكل نظاماً يتناسب معها.

حالة استقطاب دولي شديد

تؤكد الكاتبة والمحللة السياسية والمختصة بالعلاقات الدولية والشؤون الدبلوماسية نور عودة أن الأهم في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ليس ما سيقال في الخطابات، وإنما السياسات التي تتبناها الدول، في ظل حالة استقطاب دولي شديد بين قوى يمينية متطرفة، تجمع في بعض الحالات بين إدارة ترمب ودولة الاحتلال ودول أُخرى يحكمها اليمين، وبين مجموعات دولية تحاول التعامل مع الوضع القائم وحماية مصالحها والمؤسسة الأممية من الانهيار.
وتوضح أن المجموعة الأولى تتمثل في معظم دول الغرب التي تحاول الحفاظ على الوضع القائم من دون مواجهة الولايات المتحدة، وحماية مصالحها والأمم المتحدة، وقضاء العامين المتبقيين من ولاية ترمب من دون مواجهة قد تكون عواقبها وخيمة.
أما المجموعة الثالثة، بحسب عودة، فهي دول الجنوب التي تدرك أن أوضاعها السياسية والاقتصادية قد لا تسمح بالمواجهة، لكنها تحاول الحفاظ على مصالحها ومبادئها من دون مسايرة أجندة ترمب المتعلقة بالحرب والمواجهة وتقويض منظومة القانون الدولي والعلاقات الدولية.
وتؤكد عودة أن لهذه الدول حلفاء في الغرب، مثل إسبانيا وإيرلندا ودول أخرى اتخذت مواقف مبدئية وضعتها في مواجهة سياسية، على الأقل، مع الولايات المتحدة.

الأمم المتحدة بوضع "صعب للغاية" مالياً وسياسياً

وتعتبر عودة أن الأمم المتحدة توجد حالياً في وضع "صعب للغاية" مالياً وسياسياً، وأن أي محاولة لاتخاذ إجراءات داخلها تواجه ضغطاً شديداً من الولايات المتحدة التي تريد تدمير المؤسسة وإقامة عالم تابع لها.
وترى عودة أن حماية المنظمة الأممية تتطلب تشجع الدول بعضها بعضاً لاتخاذ إجراءات مشتركة، ومن بينها حماية المحكمة الجنائية الدولية من الضغوط والعقوبات الأمريكية، مشيرة إلى إمكانية اتخاذ دول الاتحاد الأوروبي إجراءات لحماية المحكمة والعاملين فيها والمسؤولين الدوليين الخاضعين للعقوبات الأمريكية.
وتتساءل عودة عن حجم الإرادة السياسية لدى الدول لحماية الأمم المتحدة، وما إذا كانت ستقدم حماية مصالحها الخاصة، مشيرة إلى أن الشرق الأوسط لا يزال غارقاً في حالة "اللا حرب ولا سلم" والعنف المزمن، بما يؤثر في الاقتصاد العالمي، ويرتبط بحسابات الدول المتعلقة بأسعار النفط ومشتقاته وأزمات الغذاء والأمن الغذائي، خصوصاً في الدول الأقل حظاً.

لا يُتوقع منها الكثير.. ولكن

وبحسب عودة، فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة الحالية لا يُتوقع منها الكثير، وربما يكون أقصى ما يمكن الأمل به "أقل قدر من الضرر".
وتؤكد عودة أن الأمم المتحدة لا تزال قائمة، وأن استبدالها أو الذهاب إلى الفوضى الكاملة خيار بعيد، لكن المنظومة الدولية بأكملها تعاني ضعفاً شديداً وشحاً في الموارد ومحاولات للإخضاع السياسي والأيديولوجي، ما يهدد البشرية بالفوضى والاستقواء والتوحش في العلاقات الدولية، ويضعف القدرة على التعامل مع الكوارث الإنسانية.
وتشدد على أن وجود الأمم المتحدة كمنظومة دولية لا يزال مصلحة عالمية، ومن الصعب تدميرها بالكامل، لكن تعافيها قد يتطلب تغييراً جذرياً في طريقة تعامل الدول، وكذلك في من يحكم البيت الأبيض.

الأمم المتحدة لا تزال توفر منصة مهمة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب أن بدء أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يأتي في ظل ظروف استثنائية يشهدها العالم، لكن المنظمة الدولية لا تزال توفر منصة مهمة للنقاش، وأحياناً للتفاوض المفيد، إلى جانب دورها في ملفات تتجاوز القضايا السياسية المباشرة.
ويوضح كُتّاب أن الأمم المتحدة بحاجة ماسة إلى "إصلاح جذري"، معتبراً أن اختيار الأمين العام الجديد سيكون أول اختبار لمدى جدية العالم في اختيار شخصية قوية وشجاعة وقادرة على الاستفادة من موقعها لتحقيق بعض الإنجازات في المجال السياسي، مشيراً إلى أن القرار السياسي سيبقى، للأسف، محصوراً بالدول، ولا سيما الدول القوية.
وفي ما يتعلق بما تبقى من دور الهيئة الدولية، يرى كُتّاب أن المؤسسات الأممية المعنية بالملفات الإنسانية، مثل الطفل والصحة والبيئة وغيرها من القضايا المهمة، لا تزال تؤدي أدواراً أساسية، لكن الوضع يختلف في مجال الحرب والسلم.
ويؤكد كُتّاب أن حرب الإبادة على قطاع غزة أثبتت أن الدول العظمى أصبحت شريكة في الجرائم بدلاً من أن تكون شريكة في وقف النزاعات والحروب، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة بقيت "متفرجة"، في وقت دُمّرت ونهبت مؤسساتها على يد الاحتلال الإسرائيلي، وقُتل موظفوها، من دون معاقبة الجاني الإسرائيلي.

اعتراف بفقدان مئات الملايين ثقتهم بالمنظمة الدولية

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة نحو 130 من قادة الدول الأعضاء، تنعقد تحت شعار "استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع"، معتبراً أن الشعار، رغم بريقه الظاهري، لكنه "فارغ وأجوف" في الواقع، لأن الأمم المتحدة لم تكن في خدمة الجميع، بدليل القضية الفلسطينية التي صدرت بشأنها مئات القرارات من دون تنفيذ، فضلاً عن استخدام الولايات المتحدة حق النقض عشرات المرات لإحباط مشاريع قرارات ضد إسرائيل.
ويشير إلى أن الشعار نفسه يعكس اعترافاً بفقدان مئات ملايين البشر حول العالم ثقتهم بالمنظمة الدولية، نتيجة عجزها عن حل المشكلات ووقف الحروب وإحلال السلام وبناء عالم مزدهر تقوم علاقاته على الاحترام والحقوق والعدالة.
ويرى أبو غوش أن هذه الثقة لن تستعاد، لأن الولايات المتحدة، تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب، هي التي تدفع النظام الدولي نحو الانهيار، من خلال مهاجمة الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية واتهامها بالفشل والعجز، بينما سبق لترمب أن دفع إلى انسحاب بلاده من معظم المنظمات المتخصصة المنبثقة عن الأمم المتحدة، وأوقف مساهماتها المالية فيها، ما يدفعها إلى حافة الإفلاس.

فعالة تجاه الدول الضعيفة أما القوية فلا

ويوضح أبو غوش أن الأمم المتحدة، بميثاقها وقوانينها وطريقة عملها، هي نتيجة مباشرة للحرب العالمية الثانية، كما كانت عصبة الأمم نتيجة للحرب العالمية الأولى، إذ فرضت الدول المنتصرة في الحالتين قواعدها.
ولذلك، وفق أبو غوش، تكون الأمم المتحدة فعالة عندما تتفق الدول الكبرى، وغالباً ما يكون اتفاقها موجهاً ضد دول ضعيفة، بينما تصبح مشلولة إذا كانت إحدى الدول الخمس دائمة العضوية طرفاً في نزاع، أو إذا كانت دولة ما تحظى بحماية قوة كبرى، كما في حالة إسرائيل والولايات المتحدة.

فشل الأمم المتحدة في حل القضية الفلسطينية

ويؤكد أبو غوش أن فشل الأمم المتحدة في حل القضية الفلسطينية، التي تمتد في عمرها إلى عمر المنظمة الدولية، يمثل "علامة الفشل الكبرى" في تاريخها، متوقعاً مزيداً من الفشل وانعدام التأثير.
ويربط ذلك بسياسات ترمب، مشيراً إلى تشكيل "مجلس السلام" في غياب الأمم المتحدة، ومحاولات إنشاء هيئة دولية تحت سلطته، إضافة إلى عدوان الولايات المتحدة على فنزويلا واختطاف الرئيس مادورو، وأطماع ترمب في كندا وغرينلاند، والحرب على إيران، وصولاً إلى حرمان الرئيس محمود عباس ومسؤولين فلسطينيين من تأشيرات دخول الولايات المتحدة، في مخالفة لالتزامات دولة المقر واتفاقيتها مع الأمم المتحدة.
ويرى أبو غوش أن قضية التأشيرات تمثل عقاباً للشعب الفلسطيني، وأن المبررات المقدمة لها كاذبة ومضللة، معتبراً أن جوهرها يتمثل في إنكار حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والسياسية، وفي مقدمتها تقرير المصير وإقامة دولته على أرضه، وهو تبنٍّ للموقف الإسرائيلي المتطرف الذي ينكر وجود الشعب الفلسطيني. ويشير أبو غوش إلى غياب التمثيل الفلسطيني في "مجلس السلام" رغم كون الفلسطينيين ضحايا الحرب، مقابل مشاركة إسرائيل، معتبراً ذلك تأكيداً للموقف ذاته الذي ظهر في "صفقة ترمب" خلال ولايته الأولى، حين اقتصر ما عُرض على الفلسطينيين على تحسين ظروف حياتهم الاقتصادية تحت الاحتلال.

الأمم المتحدة والأفول

ويعتقد أبو غوش أن الأمم المتحدة في طور الأفول، وأن اجتماعاتها تحولت إلى منبر للخطابة، وربما إلى فرصة لعقد لقاءات واتفاقات وصفقات ثنائية بين القادة، عازياً تراجع المنظمة الأممية إلى الضغط الأمريكي، الذي يأتي لإدراك واشنطن أن منظومة القوانين الدولية باتت تشكل قيوداً على هيمنتها واستفرادها بحكم العالم، بالتزامن مع بروز قوى دولية جديدة.
ويشير أبو غوش إلى أن النظام الدولي البديل لم ينضج بعد، وأن ترمب يحاول فرض نظام قائم على القوة وحدها، معتبراً أن هذه المحاولة محكومة بالفشل، لأن للقوة حدوداً في حسم الصراعات، ولأن القوى الأخرى تمتلك أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية، فيما يفتقر فرض نظام دولي بقرار أحادي إلى مقومات المنطق والعقلانية والشرعية.

فرصة لقادة العالم للقاء والبحث والتشاور

يؤكد مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن أهمية اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تكمن، في ظل الظروف الدولية الراهنة، في كونها تتيح لقادة العالم، خصوصاً الدول التي تواجه أزمات مفتوحة وحروباً، فرصة للتفاوض والتباحث والبحث عن مخارج وتسويات وحلول.
ويوضح أن اجتماعات هذا العام تشهد نشاطات مكثفة على هامشها تتناول ملفات إيران واليمن وأوكرانيا والطاقة والزراعة والأسمدة، إلى جانب قضايا أخرى مرتبطة بتداعيات الحروب على سلاسل الإمداد والتزويد، معتبراً أن الجمعية العامة تمثل فرصة لقادة العالم للقاء والبحث والتشاور، "لا أكثر ولا أقل".

النظام الدولي يلفظ أنفاسه الأخيرة

وفي ما يتعلق بدور الأمم المتحدة، يرى الرنتاوي أن النظام الدولي الذي انبثق عن الحرب العالمية الثانية "ينفض أنفاسه الأخيرة"، مشيراً إلى أن العالم يتجاوز في صياغته وتوازناته وموازين قواه التركيبة التي حكمته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بدءاً من نظام القطبين، ثم نظام القطب الواحد بعد حرب الخليج الثانية عامي 1990 و1991.
وبحسب الرنتاوي، فإن العالم يتجه حالياً نحو تعددية قطبية، فيما تتكشف حدود قوة الأطراف الدولية الكبرى، موضحاً أن حدود القوة الروسية تتكشف في الحرب الأوكرانية، فيما تتكشف حدود القوة الأمريكية في الحرب الإيرانية.

ملامح النظام الجديد لم تبرز بعد

ويؤكد الرنتاوي أن ملامح النظام الجديد لم تبرز بعد، ولم يستطع فرض قواعده على العلاقات الدولية، في حين أن النظام القديم لم يغادر المسرح، ما يضع العالم في مرحلة انتقالية بين نظام قديم لا يغادر وآخر جديد لم ينبثق، وقد تستمر هذه الحالة سنوات إلى أن تستقر العلاقات الدولية على قواعد جديدة.
ويشير إلى أن صيغة مجلس الأمن القائمة على الدول الخمس الكبرى صاحبة حق النقض باتت تواجه رفضاً عالمياً واسعاً ومتزايداً، في ظل الحاجة إلى إدماج أقطاب دولية وقارات بأكملها خارج موقع القرار، لافتاً إلى أن الدعوات لإصلاح الأمم المتحدة قديمة ومتجددة، لكن هيمنة الفاعلين الكبار لا تزال تحول دون ترجمتها.

الأمم المتحدة ستظل تعاني عجزاً بنيوياً

ويؤكد الرنتاوي أن الأمم المتحدة ستظل تعاني عجزاً بنيوياً، سواء في موازناتها أو قدرتها على تمويل بعثاتها، خصوصاً بعثات حفظ السلام وفض النزاعات، مشيراً إلى أن القضية الفلسطينية تمثل أبرز اختبار لفشل المنظمة في تنفيذ قراراتها، إذ بقيت مئات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة ومجلس الأمن والمنظمات الأممية الأخرى "حبراً على ورق"، بسبب الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي خلال العقود الثلاثة أو الخمسة والثلاثين الماضية منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي.
ويشدد الرنتاوي على صعوبة التخلي عن نظام قائم من دون تبلور بديل، معتبراً أن بقاء الأمم المتحدة، رغم ضعفها وعجزها، أفضل من غيابها، لأن البديل هو الفوضى الشاملة.


تحويل العلاقات الدولية إلى "شريعة الغاب"

ويدعو الرنتاوي إلى إصلاح جذري للنظام الأممي وتفعيل دوره في حل النزاعات، محذراً من أن خروج القوى الكبرى عن قواعد الأمم المتحدة، كما في الحروب والعقوبات الأمريكية والحرب الروسية على أوكرانيا، يحول العلاقات الدولية إلى "شريعة الغاب".
ويؤكد الرنتاوي أن إصلاح الأمم المتحدة جذرياً يمثل مطلباً لدول الجنوب، وأن تمسك منظمات هذه الدول به وتبنيه أمر بالغ الأهمية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا