أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أن تحقيق السلام في المناطق الجنوبية لا يزال أمراً متعذراً في ظل الظروف الراهنة. وأوضحت البعثة في بيان بمناسبة اليوم الدولي للسلام أن الاستقرار الدائم يفرض على كافة الأطراف الالتزام بمسارات سياسية جادة تتجاوز مجرد التهدئة الميدانية المؤقتة.
وخلال مراسم أقيمت في مقر القيادة بالناقورة، شددت اليونيفيل على أن دور قوات حفظ السلام يتركز على منع التصعيد والحد من مخاطر الاحتكاك العسكري. وأشارت إلى أن هذه الجهود لا يمكن أن تشكل بديلاً عن القرارات السياسية الشجاعة اللازمة لإنهاء النزاع الحدودي بشكل جذري ونهائي.
من جانبه، أكد اللواء ديوداتو أبانيارا، رئيس بعثة اليونيفيل أن القوات الدولية تواصل التنسيق الوثيق مع الجيش اللبناني عبر الدوريات الميدانية المشتركة. واعتبر أن الالتزام ببنود قرار مجلس الأمن رقم 1701 يمثل المرجعية الوحيدة القادرة على ضمان أمن الحدود واستدامة الهدوء في المنطقة.
وفي سياق متصل، طالب رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بضرورة الحفاظ على صيغة للوجود الدولي في الجنوب حتى بعد انتهاء تفويض اليونيفيل. وجاءت هذه المطالبة خلال لقاء رفيع المستوى عقده سلام مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نيويورك لبحث مستقبل الرقابة الدولية.
وشدد سلام على أن المرحلة التي ستلي انسحاب اليونيفيل تتطلب آلية دولية تضمن استمرار عمليات المراقبة والإفادة تحت مظلة الأمم المتحدة. ويهدف هذا المقترح إلى دعم مسار بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها ومنع حدوث أي فراغ أمني قد تستغله الأطراف المتصارعة.
وتطرق اللقاء إلى الأزمة الإنسانية المتفاقمة، حيث كشف رئيس الحكومة أن عدد النازحين المسجلين رسمياً وصل إلى نحو 329 ألف شخص. ودعا المجتمع الدولي إلى تكثيف التمويل لدعم وكالات الإغاثة الأممية وضمان توفير الاحتياجات الأساسية للعائلات المتضررة من العمليات العسكرية المستمرة.
وأكد سلام على أهمية التحول من سياسة الاستجابة الطارئة إلى برامج التعافي المبكر ودعم عودة النازحين إلى قراهم. وأوضح أن هذه الخطط يجب أن تنفذ بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة اللبنانية لضمان استعادة الخدمات الأساسية في المناطق التي تعرضت لدمار واسع.
وفي العاصمة الفرنسية باريس، انطلقت اجتماعات تحضيرية ضمن 'مسار العقبة' لبحث سبل تعزيز قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وتهدف هذه التحركات الدولية إلى تجهيز المؤسسة العسكرية لتولي المسؤوليات الأمنية الكاملة في الجنوب بالتزامن مع اقتراب موعد الانسحاب الأممي.
وأثارت النقاشات في باريس تساؤلات حول طبيعة الدعم العسكري المرتقب، وما إذا كان سيقتصر على العتاد أم سيمتد ليشمل تدريبات نوعية. وتسعى القوى الدولية لضمان جاهزية الجيش اللبناني للتعامل مع التحديات الأمنية المعقدة، بما في ذلك ملف سلاح حزب الله والتوغلات الإسرائيلية.
وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر القرار رقم 2790 في أغسطس 2025، والذي قضى بتمديد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى نهاية عام 2026. وينص القرار على بدء عملية انسحاب تدريجي ومنظم للقوات الدولية يمتد على مدار عام كامل لضمان انتقال سلس للمسؤوليات.
بدوره، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن بيروت تتطلع إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع المجتمع الدولي بدلاً من المساعدات المؤقتة. وشدد عون على ضرورة وضع خارطة طريق واضحة وجدول زمني دقيق لدعم الأجهزة الأمنية اللبنانية ومنع أي تدهور أمني خلال فترة الانتقال.
وفي هذا الإطار، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تقديم دعم حقيقي وملموس للجيش اللبناني باعتباره السلطة القانونية الوحيدة المخولة بحماية الجنوب. وتزامن ذلك مع دعوات دولية للضغط من أجل إتمام انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي لا تزال تحتلها.
ميدانياً، تواصل مصادر طبية رصد آثار العدوان الإسرائيلي المستمر منذ مارس الماضي، والذي أدى لاستشهاد أكثر من 4386 شخصاً. وتواجه الفرق الإغاثية صعوبات بالغة في التعامل مع حجم الدمار والنزوح المليوني الذي طال مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية.
ورغم توقيع 'صيغة إطار' برعاية أمريكية في يونيو الماضي للانسحاب المتبادل، إلا أن التوترات لا تزال سيد الموقف ميدانياً. وتستمر القوات الإسرائيلية في التوغل لمسافات تتجاوز 10 كيلومترات داخل الحدود، مما يضع الاتفاقات السياسية والقرارات الدولية أمام اختبار حقيقي.
المصدر:
القدس