لم تعد أزمة أموال المقاصة الفلسطينية مجرد بند مالي في موازين القوى الاقتصادية، بل تحولت إلى واقع قاسم يمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتظهر آثار هذه الأزمة جلياً في نقص الأدوية الحيوية بالمستشفيات الحكومية، وعجز الموظفين العموميين عن تلبية احتياجات عائلاتهم الأساسية بسبب تلقيهم أنصاف رواتب منذ أشهر طويلة. وتعد هذه الأموال، وهي الضرائب والرسوم الجمركية التي تجبيها إسرائيل على السلع الواردة للفلسطينيين، العصب المغذي للخزينة العامة.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994، والذي صُمم ليكون ترتيباً مؤقتاً يقود إلى تسوية سياسية شاملة. ومع انهيار المسار السياسي، تحول البروتوكول إلى بنية دائمة تمنح سلطات الاحتلال الإسرائيلي اليد العليا في التحكم بحركة التجارة الخارجية والجباية الضريبية. وتستغل إسرائيل هذا الوضع لفرض شروطها السياسية، مستفيدة من عدم امتلاك السلطة الفلسطينية لمنافذ حدودية أو موانئ مستقلة تديرها بنفسها.
وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن أموال المقاصة تشكل ما يقارب 68% إلى 70% من إجمالي الإيرادات العامة للسلطة الفلسطينية، مما يجعلها المورد الأساسي للإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم والرواتب. وفي مقابل عملية التحصيل، تقتطع إسرائيل عمولة تبلغ 3%، وهي نسبة تعادل نحو 80 مليون دولار سنوياً. وبسبب هذا الوزن الثقيل في الموازنة، فإن أي حجب أو تأخير في هذه الأموال لا يخلق عجزاً عابراً، بل يؤدي إلى شلل شبه كامل في منظومة الخدمات العامة.
وقد شهدت سياسة الاحتجاز الإسرائيلية تحولاً خطيراً في السنوات الأخيرة، حيث انتقلت من كونها إجراءً عقابياً مؤقتاً مرتبطاً بالتحركات الدبلوماسية الفلسطينية، إلى اقتطاع دائم ومنظم. وبدأ هذا التحول الفعلي عام 2019 مع تطبيق قانون إسرائيلي يقضي باقتطاع مبالغ موازية لما تدفعه السلطة للأسرى وعائلات الشهداء، بقيمة تصل إلى 17 مليون دولار شهرياً. وتعمقت الأزمة بشكل غير مسبوق بعد السابع من أكتوبر 2023، إثر توسيع الاقتطاعات لتشمل المخصصات الموجهة لقطاع غزة.
وأفادت مصادر مطلعة بأن سلطات الاحتلال صعدت من إجراءاتها المالية في مايو من عام 2025، لينتقل الوضع من الاقتطاع الجزئي إلى التصفير الكامل للتحويلات المالية. ووضعت هذه السياسة الجديدة الحكومة الفلسطينية في ما يشبه "وضع البقاء"، حيث جفت الموارد الأساسية تماماً. وتزامن ذلك مع حجز إسرائيل لأكثر من 3.6 مليارات شيكل، وتوجيه أجزاء منها لتسديد ديون شركات الكهرباء الإسرائيلية بشكل قسري.
وتجلت الآثار الأكثر قسوة لهذا الحصار المالي في القطاع الصحي الفلسطيني، الذي بات يدق ناقوس الخطر جراء النفاد الحاد في المستلزمات الطبية. وأعلنت وزارة الصحة عن نفاد 726 صنفاً دوائياً بالكامل من مستودعاتها، إلى جانب غياب أكثر من نصف أدوية السرطان والعلاجات الهرمونية الحيوية. وترافق هذا النقص مع تراكم ديون ضخمة لصالح شركات توريد الأدوية تقدر بنحو 400 مليون دولار، مما أفقد الوزارة القدرة على الشراء الجدد.
ولا تقتصر المعاناة على المرضى، بل تمتد إلى القطاع التعليمي والمعيشي للموظفين الذين باتوا يتلقون أجزاء من رواتبهم منذ فترات طويلة. وأدى تراكم المستحقات غير المدفوعة للموظفين إلى إضعاف القدرة الشرائية في الأسواق المحلية، مما تسبب في انكماش اقتصادي عام تضررت منه المصالح التجارية. وفي قطاع التعليم، اضطرت العديد من المدارس إلى تقليص أيام الدوام الأسبوعي بسبب عجز المعلمين عن تحمل تكاليف المواصلات والوصول إلى أماكن عملهم.
وفي محاولة لتفكيك الذرائع الإسرائيلية والأمريكية، أقدمت السلطة الفلسطينية في فبراير 2025 على تعديل نظام المخصصات المالية للأسرى والجرحى، وتحويلهم إلى مظلة نظام الحماية الاجتماعية المبني على الحاجة الاقتصادية. ورغم هذا التحول الذي واجه انتقادات واسعة من الأسرى المحررين الذين اعتبروه مساساً بالرمزية الوطنية لقضيتهم، إلا أن سلطات الاحتلال لم تستأنف التحويلات المالية. وأثبتت هذه الخطوة أن الحجز الإسرائيلي يتجاوز الذرائع القانونية المعلنة إلى رغبة في تقويض الكيان السياسي الفلسطيني.
وفي سياق متصل، كشفت وثيقة رسمية حصلت عليها مصادر صحفية، وتنشر للمرة الأولى أن إجمالي ديون السلطة الفلسطينية ومتأخراتها المتراكمة وصل إلى نحو 17.5 مليار دولار. ويتوزع هذا المبلغ الضخم بين التزامات للبنوك المحلية والخارجية، ومستحقات متأخرة للقطاع الخاص، بالإضافة إلى 3.7 مليارات دولار كمتأخرات لرواتب الموظفين العموميين. وتوضح هذه الأرقام أن الأزمة المالية باتت ترحل أعباءها إلى المستقبل، مما يهدد الاستقرار المالي للجهاز المصرفي المحلي.
وتسعى الحكومة الفلسطينية، بحسب تصريحات مسؤوليها، إلى البحث عن مسارات بديلة لتقليل الاعتماد شبه الكلي على أموال المقاصة من خلال تعزيز الإيرادات المحلية ومكافحة التهرب الضريبي. وتؤكد الحكومة أن هذه الإجراءات تهدف إلى رفع كفاءة التحصيل دون فرض ضرائب جديدة على المواطنين المثقلين بالأزمات. ومع ذلك، يرى خبراء اقتصاد أن هذه الخطوات تظل محدودة الأثر في ظل السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المعابر وحركة البضائع.
وتقترح الأوساط الاقتصادية والسياسية عدة مسارات متوازية للخروج من هذا المأزق، تبدأ بالضغط القانوني والدبلوماسي الدولي لإلزام إسرائيل بالاتفاقيات الموقعة. ويتطلب الوضع تفعيل شبكة الأمان المالي العربية، وتكثيف الدعم الأوروبي عبر آليات الدعم المباشر للموازنة. كما يشمل الحل بعيد المدى توسيع قاعدة الإنتاج المحلي الفلسطيني لإحلال البضائع الوطنية بدلاً من الواردات الإسرائيلية، مما يقلص حجم الأموال المارة عبر قنوات المقاصة.
وتصطدم جميع الحلول المقترحة بواقع ميداني معقد يفرضه الاحتلال عبر الحواجز العسكرية، واعتداءات المستوطنين المتواصلة في الضفة الغربية، والتي تعيق حركة التجارة الداخلية. ويؤدي هذا الحصار الميداني إلى شل قدرة المصانع والشركات المحلية على النمو، مما يمنع الاقتصاد الفلسطيني من تحقيق الاستقلال المالي المنشود. وبذلك تصبح الحلول الداخلية غير كافية وحدهما دون تغيير حقيقي في منظومة السيطرة على الحدود.
إن أزمة أموال المقاصة تكشف بشكل مكثف عن حدود الصلاحيات التي تمتلكها السلطة الفلسطينية في ظل بروتوكول باريس الاقتصادي. فبينما تقع على عاتق السلطة مسؤولية إدارة شؤون ملايين الفلسطينيين وتقديم الخدمات الأساسية لهم، تظل مفاتيح تمويل هذه الخدمات بيد طرف آخر يملك القدرة على قطعها في أي لحظة. وتحول هذا الترتيب المالي من أداة محاسبية لتنظيم التجارة إلى سلاح سياسي فعال بيد حكومة الاحتلال.
وفي نهاية المطاف، فإن احتجاز الأموال الفلسطينية يتجاوز كونه نزاعاً مالياً بين طرفين ليصبح أداة مباشرة للضغط على القرار السياسي الفلسطيني. وتظهر النتائج المباشرة لهذا الضغط في كل بيت ومستشفى ومدرسة في الأراضي الفلسطينية، حيث يتحول القرار الإسرائيلي بالاقتطاع إلى معاناة إنسانية يومية. ويبقى الاقتصاد الفلسطيني رهيناً لمنظومة جمركية موحدة تمنح قوة الاحتلال سلطة جباية أموال الضحية والتحكم في مصيرها.
المصدر:
القدس