د. أحمد رفيق عوض: احتمال المس بالسلطة الفلسطينية بصورة جذرية أمر ممكن خاصة في ظل غياب ما يكبح جماح إسرائيل عما تفعله
ياسر مناع: الرسالة الأساسية احتفاظ جيش الاحتلال بالسيطرة والردع بالضفة واستعداده لاستخدام أدوات عسكرية متعددة لتحقيق ذلك
د. عدنان نعيم: الإنزال الجوي رسالة ردع نفسي عبر إدخال المروحيات والقوات الخاصة للبيئة المدنية بما يجعل الاقتحام ممكناً من البر والجو معاً
محمد الرجوب: مشاهد الإنزال الجوي لا تثبت بدء عملية إسرائيلية شاملة لكنها تُظهر جاهزية للتصعيد وتغيراً محتملاً في قواعد العمل العسكري
د. سهيل دياب: إعلان أن عملية الإنزال الجوي تندرج ضمن تمرين عسكري لا يلغي بُعدَيها النفسي والسياسي عبر خلق وعي جمعي بأن أموراً كبيرة قادمة
سري سمور: إسرائيل تُضخم صورة الوضع الأمني في الضفة وتتعامل معها وكأنها ساحة قتال رغم أن هذا التصوير لا يعكس الواقع الحالي
رام الله- خاص بـ"القدس"-
تكشف عمليات الإنزال بالمروحيات في اللبن الشرقية جنوب نابلس ويطا جنوب الخليل خلال الأيام القليلة الماضية، اتساع أدوات العمل العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية، في وقت تترافق فيه التحركات الميدانية مع الاقتحامات والاستيطان والهدم والتهجير، ما قد ينذر بمرحلة خطيرة قد تتصدر المشهد في الضفة الغربية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث مع "ے"، أنه في الوقت الذي تُقدَّم فيه هذه العمليات باعتبارها تدريبات لرفع الجاهزية، فإن طبيعة استخدامها وتوزيعها الجغرافي يفتحان الباب أمام قراءة أوسع لدلالاتها، بين اختبار قدرات عسكرية جديدة، وإظهار حرية الحركة، وتعزيز الردع والضغط على الفلسطينيين.
ويشيرون إلى أن خطورة ذلك يأتي في وقت فيه حديث إسرائيلي متكرر عن احتمال انفجار الأوضاع في الضفة، وهو طرح قد يُستخدم لتبرير حشد عسكري كبير وتوسيع نطاق النشاط الميداني، لافتين إلى أن الإنزال يحمل وظيفة عملياتية ونفسية في آن واحد، إذ يتيح اختبار قدرة القوات على الوصول والانتشار داخل بيئة مدنية، ويوجه رسالة بأن الاقتحام يمكن أن يتم من البر والجو، بالتوازي مع مسار يطال الجغرافيا الفلسطينية عبر الاستيطان والهدم وإضعاف قدرة التجمعات على البقاء.
الترويج لانفجار الأوضاع
يرى الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن عمليات الإنزال بالمروحيات التي شهدتها بلدتي اللبن الشرقية جنوب نابلس ويطا جنوب الخليل تأتي في سياق ما تروّج له سلطات الاحتلال الإسرائيلي من احتمالية انفجار الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة، والحديث عن إمكانية ما تسميه إسرائيل "قلب البنادق"، ووجود عشرات الآلاف من قطع الأسلحة بحوزة قوات الأمن الفلسطيني والتنظيمات الفلسطينية.
ويوضح عوض أن هذا الطرح يمثل "تهويلاً ومبالغة وتضخيماً" لواقع غير موجود في الضفة الغربية، مشيراً إلى أن إسرائيل تستخدم هذه الرواية لتبرير حشد قوات عسكرية كبيرة، وصلت إلى نحو 26 كتيبة في جبهة ليست عسكرية.
ويعتبر أن الهدف الفعلي من هذا الحشد يتصل بتسويق الاستيطان وحمايته وتغطية بؤر المستوطنين ودعمهم، إلى جانب إخافة الفلسطينيين وتدمير ظروف حياتهم وتحويلها إلى جحيم يدفع نحو التهجير الداخلي والخارجي.
ويشير عوض إلى أن مشهد الإنزال والاستعدادات العسكرية المكثفة يبدو وكأنه تحضير لاحتمال انفجار وشيك للأوضاع، لكنه يرى أن إسرائيل "تخترع المخاطر وتستعد لمخاطر متخيلة"، معتبراً أن الهدف الحقيقي يتمثل في حماية المستوطنين والمستوطنات وتوسيعها ودعم المستوطنين، وربما المضي نحو ضم الضفة الغربية المحتلة، جزئياً أو كلياً، من دون الإعلان عن ذلك بصورة مباشرة.
تحقيق مكاسب انتخابية
ويلفت عوض إلى أن الحديث عن احتمال انفجار الضفة "غير صحيح على الإطلاق"، وأن إسرائيل تستخدم هذا الخطاب لتحقيق أهداف قريبة مرتبطة بالانتخابات، وأهداف بعيدة تتمثل في تفكيك الشعب الفلسطيني، وتوسيع الاستيطان، وضم الضفة الغربية، وإسقاط السلطة الفلسطينية، فضلاً عن تقويض حل الدولتين.
ويشير عوض إلى أن الرسائل الموجهة من هذه التحركات تستهدف الفلسطينيين أولاً بهدف إخضاعهم والسيطرة عليهم ومنعهم من القيام بأي رد، كما تحمل رسالة إلى أطراف أوروبية وعربية مفادها بأن إسرائيل ليست بصدد أي تسوية، وإنما تريد فرض احتلال عسكري "حقيقي وواضح وقاسٍ وخشن" في الضفة.
وحول السيناريوهات المقبلة، يرجّح عوض أن تشهد الضفة خلال الشهرين القادمين، أعمالاً إسرائيلية تسعى من خلالها الحكومة الحالية إلى تحقيق ما تقدمه لجمهور الناخبين باعتباره "نصراً" أو إنجازاً كبيراً، بما في ذلك اقتحام مخيمات على غرار ما جرى في مخيمات شمال الضفة، إلى جانب الاقتحامات والتهجير الداخلي وزيادة السيطرة على الأرض والسكان.
المس بالسلطة الفلسطينية
ويحذّر عوض من احتمال المس بالسلطة الفلسطينية بصورة جذرية، معتبراً أن هذا السيناريو، رغم تطرفه، ممكن جداً، خاصة في ظل غياب ما يكبح جماح إسرائيل عما تفعله، داعياً إلى بلورة خطة أو موقف حقيقي في مواجهة هذا السيناريو الخطير.
حالة متواصلة من الردع
يؤكد الكاتب والباحث المختص بالشأن ياسر مناع أن عمليات الإنزال بالمروحيات في يطا واللبن الشرقية تندرج ضمن سياسة إسرائيلية تهدف إلى إبقاء الضفة الغربية تحت ضغط أمني مستمر، ومنع تشكل حالة تشعر معها إسرائيل بتراجع قدرتها على الحركة والسيطرة الميدانية.
ويوضح مناع أن استخدام قوات كبيرة وتنفيذ اقتحامات واسعة، وصولاً إلى استخدام الإنزال الجوي، يعكس رغبة إسرائيلية في إظهار القدرة على الوصول إلى أي منطقة وفي أي وقت، وفرض حالة متواصلة من الردع والمراقبة والضغط على الفلسطينيين.
ويشير مناع إلى أن الأمر لا يرتبط بعملية عسكرية منفردة، وإنما يأتي ضمن نمط أوسع من التحرك الإسرائيلي في الضفة، تسعى من خلاله إسرائيل إلى الحفاظ على المبادرة وتوسيع حضورها الميداني تحت مبررات أمنية مختلفة.
ويؤكد مناع أن الرسالة الأساسية لهذه التحركات هي احتفاظ الجيش الإسرائيلي بسيطرة وردع وحرية عمل كاملتين في الضفة، واستعداده لاستخدام أدوات عسكرية متعددة لتحقيق ذلك.
انتظار طبيعة الحكومة الإسرائيلية المقبلة
وحول السيناريوهات المقبلة، يتوقع مناع أن طبيعة الحكومة الإسرائيلية التي ستتشكل بعد الانتخابات ستكون عاملاً مهماً في تحديد مستوى التصعيد والأدوات المستخدمة.
ويوضح أن استمرار حكومة قريبة في توجهاتها من الحكومة الحالية قد يعني استمرار الوضع القائم وتوسيع السيطرة على الأرض بوتيرة مرتفعة، بينما قد يؤدي تشكيل حكومة مختلفة إلى خفض وتيرة التصعيد ومحاولة ضبط عنف المستوطنين بدرجة أكبر، خصوصاً في ظل الضغوط والانتقادات الدولية.
ويشير إلى أن خطوات إسرائيلية أخيرة استهدفت بعض البؤر الاستيطانية جاءت في سياق ضغوط خارجية متزايدة بشأن عنف المستوطنين، لكنه يشدد على أن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تحولاً جوهرياً في السياسة تجاه الضفة.
ويرجح مناع أن يتمثل الفارق بين الحكومات في مستوى استخدام القوة ووتيرة العمليات وطريقة إدارة ملف المستوطنين، أكثر من كونه انتقالاً سريعاً إلى حالة من الهدوء، مع استمرار السعي الإسرائيلي للاحتفاظ بالسيطرة الأمنية والميدانية على الأرض.
تطور بنمط العمل العسكري الإسرائيلي.
يؤكد الباحث في السياسات الإسرائيلية والكاتب والمحلل السياسي د.عدنان نعيم أن ما يجري في الضفة الغربية من تصعيد إسرائيلي متواصل وآخرها عمليات الإنزال في اللبن الشرقية ويطا، يعكس تطوراً في نمط العمل العسكري الإسرائيلي.
ويوضح أن استخدام المروحية يمثل أسلوباً مختلفاً عن الاقتحام التقليدي بالقوات البرية، وقد يندرج تكتيكياً ضمن التدريب العسكري، في وقت لم يصدر الجيش الإسرائيلي حينها تفسيراً علنياً تفصيلياً للعملية.
ويرى نعيم أن الإنزال يحمل رسائل تتجاوز الجانب التكتيكي، أولها رسالة قدرة وسيطرة وردع، مفادها امتلاك القدرة على الوصول إلى أي منطقة وفي أي وقت وبوسائل عسكرية متعددة، وثانيها رسالة ردع نفسي عبر إدخال المروحيات والقوات الخاصة إلى البيئة المدنية، بما يجعل الاقتحام ممكناً من البر والجو معاً.
إدارة الضفة بمنطق أمني وعسكري
أما الرسالة الثالثة، وفق نعيم، فتتصل بالجغرافيا، إذ إن يطا تقع جنوب الضفة واللبن الشرقية شمالها، ما يجعل قراءة التحركات إلى جانب الاقتحامات والاستيطان والهدم مؤشراً إلى إدارة الضفة بمنطق أمني وعسكري متصاعد.
ويلفت نعيم إلى أن يطا تشهد ضغطاً مركباً من الهدم والتهجير وعنف المستوطنين وتوسع البؤر الاستيطانية، مشيراً إلى أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وثق هدم 49 منشأة في مسافر يطا بين 2 و8 سبتمبر/ أيلول الجاري، ما أدى إلى تهجير 57 فلسطينياً، بينهم 27 طفلاً.
أربعة مسارات للضفة
ويتوقع نعيم أربعة مسارات للضفة: تصعيداً متدرجاً يشمل الاقتحامات والاعتقالات والهدم وتوسيع العمليات، وفرض وقائع جغرافية جديدة عبر الجمع بين الضغط العسكري والاستيطان والهدم وإضعاف قدرة التجمعات على البقاء، واتساع الضفة كساحة مواجهة من خلال موجات متقطعة من التوتر والمواجهات والعمليات والاقتحامات، إضافة إلى مسار مرتبط بنتائج الانتخابات الإسرائيلية.
ويرى نعيم أن فوز بنيامين نتنياهو وتشكيل حكومة بصفات الحكومة الحالية قد يسرّع تنفيذ "خطة الحسم الصهيونية" القائمة على الطرد والتهجير أو الإخضاع السياسي.
احتمالية فوز غادي آيزنكوت
ويرجّح نعيم، وفق قراءته للمعطيات والتفاعلات السياسية الحالية، فوز غادي آيزنكوت، بما قد يقود إلى "إعادة إدارة الاحتلال بصورة ملطفة"، عبر استمرار الاستيطان، وإدخال العمال، وحل قضية أموال المقاصة، وإزالة بعض البؤر الاستيطانية، ولجم "شبيبة التلال" والاستيطان الرعوي، وتخفيف الحواجز، من دون التزامات بمسار سياسي.
ويشير نعيم إلى أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الضفة ستشهد تصعيداً، وإنما إلى أي مستوى سيصل وما الشكل الذي سيتخذه، معتبراً أن الإنزال بالمروحيات في يطا واللبن الشرقية مؤشر إلى تطور الأدوات والنمط العملياتي، في سياق "شكل جديد للتصورات للإرهاب والإخضاع واستعراض القوة المنظم"، بالتزامن مع اعتداءات مدعومة أميركياً، وصمت دولي غير قادر على لجم هذه الممارسات.
قراءة أوسع للمشهد
يعتبر الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن عمليات الإنزال بالمروحيات في يطا واللبن الشرقية خلال اليومين الأخيرين تحمل رسائل متعددة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها اقتحامات أمنية منفصلة، مشيراً إلى أن طبيعة الأدوات المستخدمة وتوزيع العمليات جغرافياً وتوقيتها تفرض قراءة أوسع للمشهد.
ويوضح أن اللبن الشرقية شهدت عمليات إنزال واقتحامات واسعة شاركت فيها آليات عسكرية إسرائيلية، تخللها إغلاق مداخل البلدة ومداهمة أكثر من 50 منزلاً، فيما شهدت يطا في 16 أيلول/سبتمبر الجاري دخول قوات كبيرة بالتزامن مع إنزال جنود من مروحيات عسكرية.
ويلفت الرجوب إلى أن الإنزال الجوي، وفق التقارير المنشورة، تزامن مع اقتحام بري واسع، ووُصف في بعض المصادر بأنه عملية تدريبية انتهت بانسحاب قوات الاحتلال، إلا أن اختيار الضفة كساحة للتدريب، إن صح الوصف، يتيح اختبار قدرة القوات على الإنزال والانتشار والتحرك داخل بيئة فلسطينية حقيقية.
ويرى الرجوب أن ذلك يفتح احتمالين غير متناقضين: أن تكون العملية تدريباً لرفع جاهزية الجيش ووحداته الخاصة، أو أن تكون جزءاً من التحضير لسيناريو عملياتي أكبر، تُختبر خلاله تكتيكات جديدة تحسباً لمواجهة مستقبلية في الضفة.
المؤشر الأهم في ما سيأتي لاحقاً
ويرى الرجوب أن المؤشر الأهم سيكون في ما سيأتي لاحقاً، خصوصاً إذا تكررت عمليات الإنزال أو ظهرت عمليات مركبة تجمع المروحيات والقوات الخاصة والاقتحامات البرية.
ويشير الرجوب إلى أن تزامن النشاط في جنوب نابلس ويطا ومناطق أخرى، بالتوازي مع تقارير عن اعتداءات المستوطنين والنشاط الاستيطاني، قد يعكس انتقالاً من التعامل مع الضفة باعتبارها بؤراً أمنية منفصلة إلى التعامل معها كمسرح جغرافي واحد قابل للعمل العسكري المتزامن، محذراً من أن رفع الجاهزية الإسرائيلية رغم انخفاض مستوى العمليات الفلسطينية، وفق تقارير إسرائيلية، قد يرتبط بإدارة المخاطر المستقبلية وإعادة تشكيل البيئة الأمنية.
ويلفت الرجوب إلى أن المروحيات فوق منازل الفلسطينيين تحمل أيضاً أثراً نفسياً وردعياً، وتبعث رسالة بامتلاك الجيش أدوات متقدمة للسيطرة والاقتحام وإحباط ما يعتبره تهديداً للأمن الإسرائيلي.
حالة حرب منخفضة الوتيرة
وحول السيناريوهات المقبلة، يتحدث الرجوب عن تصعيد تدريجي عبر الاقتحامات والاعتقالات والحواجز والعمليات النوعية، أو توسيع العمليات لتشمل مخيمات ومناطق محددة بما قد يؤدي إلى نزوح مؤقت وإعادة هندسة للجغرافيا الفلسطينية.
ويشير إلى سيناريو نقل الضغط من الأمن إلى الجغرافيا عبر تداخل العمليات العسكرية مع الاستيطان والهدم والتضييق وتغيير الواقع على الأرض، واحتمال انفجار فلسطيني واسع نتيجة تراكم الاقتحامات والاعتقالات والشهداء واعتداءات المستوطنين، مع التأكيد على عدم وجود معطيات تجزم بوقوعه.
ويرجّح الرجوب كذلك استمرار حالة "حرب منخفضة الوتيرة"، تقوم على اقتحامات وعمليات خاصة واعتقالات وحواجز واستنزاف متواصل للمجتمع الفلسطيني، دون حرب شاملة.
ويعتقد الرجوب أن مشاهد الإنزال الجوي لا تثبت بدء عملية إسرائيلية شاملة، لكنها تظهر جاهزية للتصعيد وتغيراً محتملاً في قواعد العمل العسكري، داعياً إلى مراقبة ثلاثة مؤشرات: تكرار الإنزالات، انتقال الاقتحامات إلى البقاء والسيطرة، وتزامن النشاط العسكري مع تغير سريع في الواقع الاستيطاني والجغرافي؛ إذ إن اجتماعها قد يعني تحولاً نوعياً في الضفة، لا مجرد موجة اقتحامات أو تدريبات.
دون مستوى إعلان حرب شاملة
يؤكد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د.سهيل دياب أن عمليات الإنزال الجوي في اللبن الشرقية ويطا، تقع دون مستوى إعلان حرب شاملة، لكنه يتجاوز بكثير نمط العمليات الإسرائيلية التراكمية خلال الفترة الماضية بالضفة الغربية، مشيراً إلى ضرورة التمييز بين خصوصية ما جرى في يطا وطبيعة العملية في اللبن الشرقية.
ويوضح أن إنزال الجنود من المروحيات في يطا حمل رسالة تهدف إلى خلق حالة من الهلع الجماهيري الواسع، وإيصال تحذير للفلسطينيين بأن أي تحرك قد تكون له عواقب كبيرة، لافتاً إلى أن أصوات الطائرات وحجم التحركات العسكرية والتخويف والتهويل أوصلت هذا الشعور إلى نحو 900 ألف فلسطيني في منطقة الخليل.
ويشير إلى أن إعلان الجيش الإسرائيلي أن العملية تندرج في إطار تمرين عسكري لا يلغي بعدها النفسي والسياسي، والمتمثل في خلق وعي جمعي بأن أموراً كبيرة قادمة.
ويرى دياب أن هذه التحركات تكشف في الوقت نفسه عن تخوف إسرائيلي من احتمال انفلات الأوضاع في الضفة، والاستعداد لاحتمالات مواجهة واسعة أو انتفاضة أو أي شكل جديد من أشكال المقاومة الفلسطينية.
الربط بين الاستيطان ومحاوره
وبحسب دياب، فإن العامل المشترك بين يطا واللبن الشرقية يتمثل في الربط بين الاستيطان ومحاوره، والجغرافيا، والجانب العسكري والأمني، معتبراً أن الموقعين، جنوبي نابلس وجنوبي الخليل، يمثلان مفاصل جغرافية واستيطانية وأمنية مهمة في برنامج وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش والحكومة الإسرائيلية تجاه الضفة، وصولاً إلى ضم فعلي لأجزاء واسعة منها، حتى من دون إعلان ضم رسمي عبر الكنيست.
بين التصعيد المرتفع والانفجار الكبير
وفي قراءة السيناريوهات المقبلة، يقترح دياب التعامل معها باعتبارها "سلتين" لا سيناريوهات منفردة؛ الأولى تمتد بين تصعيد مرتفع السقف وانفجار كبير في الضفة، قد يأخذ شكل انتفاضة أو موجات واسعة من المواجهة، ويتوقف مسارها على تطورات الميدان، ومواقف الأطراف، وكيفية تعامل إسرائيل مع السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، فضلاً عن قدرة الشارع الإسرائيلي على تحمل التصعيد قبيل الانتخابات وبعدها، وقد تكون شرارة الانفجار حدثاً كبيراً في المسجد الأقصى أو المسجد الإبراهيمي، أو مذبحة، أو حدثاً صادماً من الطرف الإسرائيلي أو الفلسطيني.
تصعيد هادئ وتدخل دولي
أما السلة الثانية، وفق دياب، فتتراوح بين العودة إلى تصعيد هادئ ومضبوط الإيقاع، وبين تدخلات دولية جدية تفرض مسار تسوية للقضية الفلسطينية، وهي أقل احتمالاً من السلة الأولى، لكنها لا تزال قائمة.
ويستند دياب في ذلك إلى الحراك الدولي، مشيراً إلى بيان دول البريكس في نيودلهي، والتحرك الأوروبي، وإلى قرار أكثر من 20 عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي طرح قرار يطالب وزارة الخارجية بتقديم معلومات وتقييمات بشأن العنف المتزايد في الضفة الغربية.
سيناريوهات وسطية وهجينة
ويشير دياب إلى أن السلتين تضمان احتمالات متعددة، بينها سيناريوهات وسطية وهجينة، قد تجمع بين التصعيد والتهدئة، أو بين احتواء مضبوط وتحرك دولي واسع نحو تسوية.
التدريب على ساحات أخرى
يرى الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن عمليات الإنزال بالمروحيات التي شهدتها اللبن الشرقية ويطا تحمل أكثر من هدف إسرائيلي، في مقدمتها التدريب على ساحات أخرى، إلى جانب بث الرعب والخوف في صفوف الفلسطينيين، وإظهار الضفة الغربية وكأنها ساحة عمليات ومواجهة عسكرية.
ويوضح أن عمليات الإنزال تأتي في سياق تدريبات يمكن أن تكون مرتبطة بساحات أخرى، مثل لبنان وسورية، مشيراً إلى أن إسرائيل سبق أن أحضرت مدرعات "إيتان" إلى الضفة لتجريبها، ولا سيما في منطقة جنين، بسبب التشابه النسبي بين تضاريس المحافظة وتضاريس جنوب لبنان، مشيراً إلى أن الإنزال الجوي يحمل، في هذا السياق، هدفاً تدريبياً واضحاً.
تضخيم صورة الوضع الأمني في الضفة
ويرى سمور أن إسرائيل تضخم صورة الوضع الأمني في الضفة، وتتعامل معها وكأنها ساحة قتال، رغم أن هذا التصوير لا يعكس الواقع الحالي، خصوصاً بعد انتهاء ظاهرة مجموعات مثل "كتيبة جنين" و"عرين الأسود" في نابلس و"كتيبة طولكرم"وغيرها، رغم أن تلك المجموعات كانت صغيرة ومحدودة التسليح، في حين تمتلك إسرائيل تفوقاً جوياً واستخبارياً كبيراً.
ويشير سمور إلى أن اللافت هو تنفيذ عمليات الإنزال في مناطق لم تشهد مواجهات مسلحة حتى في الفترات السابقة، معتبراً أن ذلك يعكس "نفخاً وتهويلاً ومبالغة" في تصوير الضفة كساحة مواجهة.
ويلفت سمور إلى أن الرسالة موجهة، في جانب كبير منها، إلى الداخل الإسرائيلي لإظهار القوة والجاهزية، وليس إلى الفلسطينيين وحدهم.
سيناريوهات مرتبطة بالموقف الأمريكي
وحول السيناريوهات المقبلة، يوضح سمور أن تطورات الضفة تبقى مرتبطة بما ستسمح به الإدارة الأميركية، مشيراً إلى أن بريطانيا اتخذت موقفاً بعدم منح إسرائيل ضوءاً أخضر كما فعلت في غزة، لكنه يشدد على أن النفوذ الحاسم في هذا السياق يبقى أميركياً.
ويوضح سمور أن واشنطن لم تمنح، حتى الآن، إسرائيل ضوءاً أخضر لاستباحة الضفة بصورة مفتوحة، وإنما ضمن حدود معينة.
مشاهد الإنزالات والانتخاب
ويتوقع أن تستمر حتى الانتخابات الإسرائيلية مشاهد الإنزالات والاستعراضات العسكرية، وربما إدخال فرق وكتائب وألوية جديدة إلى الضفة لأغراض التدريب وإظهار الجاهزية، خاصة مع تزامن الأعياد اليهودية مع اقتراب الانتخابات، وهي فترة تشهد عادة استنفاراً وانتشاراً وإغلاقات أمنية.
ويلفت سمور إلى أن أي تطور دراماتيكي، مثل اعتداءات كبيرة من المستوطنين أو حدث يتعلق بالمسجد الأقصى، قد يغير مسار الأحداث.
ويرجح سمور أن يكون السيناريو الأقرب خلال المرحلة المقبلة زيادة التوتر مع بدء موسم الزيتون، خصوصاً مع تصعيد اعتداءات المستوطنين، مؤكداً أن ذلك سيكون من أبرز مصادر التصعيد في الضفة.
المصدر:
القدس