آخر الأخبار

اتفاق أوسلو: 33 عاماً من الفشل والواقع المرير

شارك



د. دلال عريقات: المطلوب يتجاوز ترميم أوسلو إلى تصحيح المسار السياسي بأكمله مع حماية المؤسسات الفلسطينية لأنها تخدم الشعب وتحافظ على بقائه وبناء دولته
أكرم عطا الله: الضغط الذي تمارسه إسرائيل على السلطة أسهم بإبقائها هيكلاً قائماً دون الحفاظ على دورها الوظيفي الذي صُممت من أجله وفقاً للاتفاق
د. عمر رحال: اتفاق أوسلو ساهم في إعفاء إسرائيل أمام المجتمع الدولي من مسؤولياتها كدولة قائمة بالاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني وفق اتفاقية جنيف الرابعة
داود كُتّاب: ما بقي من اتفاق أوسلو بعد 33 عاماً هو "سيادة مهزوزة" على المدن الفلسطينية والسلطة مطالبة بجعل كل خرق للاتفاق مكلفاً
د. عبد المجيد سويلم: السلطة تتمسك بالاتفاقيات لأنها أصبحت محشورة بزاوية التكيف مع نتائجها من خلال النأي بالنفس والخوف من التغول الإسرائيلي
نهاد أبو غوش: أوسلو كان مساراً كاملاً استُدرجت خلاله قيادة الحركة الوطنية إلى "مصيدة" بفعل مزيج من المصالح والحسابات والأوهام


رام الله - خاص بـ"القدس"-
ثلاثة وثلاثون عاماً مرّت على توقيع اتفاق أوسلو، من دون أن تصل المرحلة الانتقالية التي حددها الاتفاق بمدة خمس سنوات إلى نهايتها الموعودة، أو أن تتحول الترتيبات المؤقتة إلى حل سياسي ينهي الاحتلال ويفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية. ويوضح كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أنه خلال هذه العقود، تبدلت الأمور على الأرض بفعل التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والضم والتهجير، فيما بقي الفلسطينيون أمام واقع جغرافي وسياسي أكثر تعقيداً، ومؤسسات نشأت في ظل الاتفاق من دون امتلاك مقومات السيادة الكاملة.
ويلفتون إلى أن الاتفاق، الذي كان يفترض أن يشكل جسراً نحو مفاوضات الحل النهائي، تحول إلى إطار مستمر لإدارة الواقع الفلسطيني، في ظل انتقائية إسرائيلية في التعامل مع بنوده وغياب آليات دولية فاعلة لفرض تنفيذ الالتزامات.
ويوضحون أنه بينما بقيت السلطة الفلسطينية ومؤسساتها ومنظمة التحرير، تآكلت قدرتها على التحكم بالأرض والموارد والحركة، وأصبحت القضايا التي كان يفترض حسمها في المرحلة النهائية أكثر تعقيداً بفعل الوقائع التي فرضها الاحتلال.
ويؤكدون أن استعادة أوسلو بصيغته الأصلية لم تعد خياراً واقعياً، وأن المطلوب مراجعة أوسع للمسار السياسي والمؤسسي الفلسطيني، بما يعيد بناء الشرعية والوحدة ويعزز قدرة المؤسسات على حماية المجتمع الفلسطيني.


تقويض الأفق السياسي أمام الفلسطينيين

تؤكد عضو المجلس الثوري لحركة فتح وأستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأميركية د.دلال عريقات، أن ما بقي من اتفاق أوسلو بعد 33 عاماً هو مؤسسات المرحلة الانتقالية والتزاماتها، في وقت جرى فيه تقويض الأفق السياسي الذي انخرط الفلسطينيون في الاتفاق من أجله، والمتمثل بالانتقال من الاحتلال إلى الحرية وتقرير المصير.
وتوضح عريقات أن أوسلو وضع إطاراً انتقالياً لا يتجاوز خمس سنوات، ولم يكن يفترض أن يتحول إلى صيغة دائمة لحياة الشعب الفلسطيني، معتبرة أنه بعد ثلاثة عقود وثلاث سنوات لم يعد من الحكمة أو الواقعية البقاء أسرى الحديث عن استعادة المسار نفسه، في ظل الوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض وتنسف إمكانية الوصول إلى تسوية.

استُهلك الوقت في التفاوض

وتؤكد عريقات أن الفلسطينيين دخلوا المسار سعياً إلى التحرر وبناء دولتهم، لكنهم يواجهون اليوم كانتونات معزولة وتجزئة جغرافية واستيطاناً وضمّاً وتهجيراً وإرهاب مستوطنين، بينما استُهلك الوقت في التفاوض على التفاصيل، في وقت كانت الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية تتآكل.

الفلسطينيون يريدون سلاماً حقيقياً

وتشدد عريقات على أن السؤال المطروح اليوم يجب أن يكون حول ما تبقى من فرص السلام وكيفية حمايتها، مؤكدة أن الفلسطينيين يريدون سلاماً حقيقياً ينهي الاحتلال ويضمن الحقوق، وأن المفاوضات ينبغي أن تكون أداة لتحقيق هذا الهدف، لا غاية قائمة بذاتها أو وسيلة لشراء الوقت لمصلحة المشروع الاستيطاني، مؤكدة أن الشعب الفلسطيني "يحتاج إلى موعد مع الحرية، لا إلى جولة جديدة من الانتظار".

أهمية الحفاظ على المؤسسات الفلسطينية

وتشير عريقات إلى بقاء القرار الفلسطيني بيد مؤسسات الحكم الإداري الفلسطيني، وبقاء منظمة التحرير الفلسطينية، معتبرة أن المطلوب الحفاظ على هذه المؤسسات وإصلاحها وضمان استدامتها، من خلال العودة إلى الرأي العام وجعل الشعب صاحب القرار، مشددة على أن الفلسطينيين يريدون الحرية ضمن إطار سياسي واضح وملزم، وليس جولات من المماطلة.

المطلوب يتجاوز ترميم أوسلو

وحول إمكانية ترميم التصدعات في الاتفاق، تؤكد عريقات أن المطلوب اليوم يتجاوز ترميم أوسلو إلى تصحيح المسار السياسي بأكمله، مؤكدة ضرورة حماية المؤسسات الفلسطينية لأنها تخدم الشعب وتحافظ على قدرته على البقاء وبناء دولته، لكن حمايتها لا تتحقق بإبقائها محاصرة وعاجزة عن حماية المواطن، فيما يواصل الاحتلال التحكم بالأرض والموارد والحركة.

تجديد الشرعية الفلسطينية عبر الانتخابات

وتبيّن عريقات أن المسؤولية فلسطينية ودولية في آن واحد؛ فعلى المستوى الفلسطيني، يجب تجديد الشرعية عبر الانتخابات، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات بين غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وتعزيز المساءلة وسيادة القانون، معتبرة أن قوة المؤسسة الفلسطينية تبدأ من ثقة المواطن بها وقدرتها على صون حقوقه.

ضمان تنفيذ حل يستند إلى القانون الدولي

أما دولياً، ترى عريقات أن المطلوب الانتقال من رعاية مفاوضات مفتوحة إلى ضمان تنفيذ حل يستند إلى القانون الدولي، ضمن جدول زمني واضح وآليات للرقابة والمساءلة، بما يشمل وقف الاستيطان والضم، وحماية الفلسطينيين، وإنهاء الاحتلال، وتجسيد الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع حسم الحدود وفق المرجعيات الدولية وعدم تركها رهينة للتوسع الإسرائيلي.
وتؤكد أن قضايا القدس والاستيطان واللاجئين والحدود ليست فراغاً قانونياً أو أوراقاً للمساومة، إذ توجد لها مرجعيات دولية، ويمكن التفاوض على ترتيبات تنفيذ الحل، لكن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وحماية المدنيين وتأمين الغذاء والماء والعلاج ليست أوراق تفاوض.
وتشدد عريقات على أن فرض الحل يعني إلزام الأطراف باحترام القانون وإنهاء قدرة القوة القائمة بالاحتلال على تعطيل الحقوق إلى ما لا نهاية، معتبرة أن السلام يحتاج إلى إرادة دولية تجعل انتهاك القانون مكلفاً وتنفيذ الالتزامات واجباً، وأن حماية المؤسسات الفلسطينية يجب أن ترتبط بمشروع التحرر والدولة، حتى لا تتحول المرحلة الانتقالية إلى مستقبل دائم للشعب الفلسطيني.

إفراغ اتفاق أوسلو من مضمونه السياسي

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن اليمين الإسرائيلي تمكن، خلال الثلاثة عقود الماضية، من قيادة إسرائيل والعمل على إفراغ اتفاق أوسلو من مضمونه السياسي، والقضاء على الجزء الأكبر من الاتفاق، وتحويله من حالة سياسية إلى "حالة إنسانية"، مجرّدة من مضمونها السياسي.
ويوضح أن ما تبقى من أوسلو اليوم هو السلطة الفلسطينية، مشيراً إلى أن الضغط الذي تمارسه إسرائيل على السلطة أسهم في إبقائها كهيكل قائم، من دون الحفاظ على الدور الوظيفي الذي صُممت من أجله وفقاً للاتفاق.
وحول إمكانية ترميم التصدعات التي أصابت الاتفاق، يرى عطا الله أن ذلك يحتاج إلى موقف دولي أكثر قوة وشدة تجاه إسرائيل، معتبراً أن هذا الموقف غير متوفر في الوقت الراهن.
وبحسب عطا الله، فإن الوقائع والحقائق التي فرضتها إسرائيل على الأرض أصبحت أكبر من أن يمكن ترميمها بالقوى العادية القائمة حالياً.
وينتقد عطا الله دور الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، موضحاً أن واشنطن تؤدي دور الوسيط، بينما يتحسس الاتحاد الأوروبي رأسه قبل اتخاذ أي إجراء ضد إسرائيل، مؤكداً عدم وجود إجراءات حقيقية وفعلية على الأرض من جانب أي منهما لحماية الاتفاق ولجم إسرائيل.
ويؤكد عطا الله أن غياب الإجراءات الدولية الفعلية يشجع إسرائيل منذ وقت طويل على الاستمرار في سياساتها، متوقعاً أن تواصل فعل ذلك.

ما تبقى من المؤسسات الاسم والمؤسسات

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. عمر رحال، في قراءة بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين لتوقيع اتفاق أوسلو، إن ما تبقى من الاتفاق اليوم هو الاسم والمؤسسات، بعدما تراجع مضمونه السياسي بصورة كبيرة، مؤكداً أن الاتفاق الذي صُمم أساساً ليكون مرحلة انتقالية لمدة خمس سنوات ثم تبدأ مفاوضات الحل النهائي، لم يفضِ، بعد 33 عاماً، إلى إقامة الدولة الفلسطينية أو حسم قضايا الوضع النهائي.
ويشدد رحال على ضرورة الانتباه إلى أن الاتفاق نفسه لم يذكر صراحة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فيما بقيت قضايا القدس والحدود واللاجئين والاستيطان والمياه باعتبارها من قضايا الحل النهائي، من دون حسم، بالتوازي مع تعثر المسار السياسي الذي كان يفترض أن ينهي المرحلة الانتقالية.

الاحتلال يتعامل مع أوسلو بصورة انتقائية

ويشير رحال إلى أن الاحتلال يتعامل مع أوسلو بصورة انتقائية، فيتمسك به عندما تكون بعض بنوده أو الصلاحيات أو الترتيبات الأمنية في مصلحته، بينما يتنصل منه عندما لا يخدم سياساته.
ويلفت رحال إلى أن مواقف قادة الاحتلال تؤكد هذا التوجه، مستشهداً بتصريحات رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي وصف فيها أوسلو بأنه "خطأ رهيب"، وبموقف وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش الداعي إلى إنهاء أوسلو وتقويضه.
ويوضح رحال أن واقع الضفة الغربية يؤكد تراجع مضمون الاتفاق، مبيناً أن تقسيمات المناطق بحسب الاتفاق إلى (أ، ب، ج) فقدت عملياً مضمونها، وأن المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية أصبحت خاضعة لإجراءات الاحتلال، فيما باتت حرية الحركة والتنقل شديدة التقييد.

فقدان سيادة السلطة

ويؤكد رحال أن السلطة الفلسطينية لديها مؤسسات ووزارات وموازنات، لكنها لا تملك السيطرة على الأرض أو الحدود أو الموارد أو الحركة أو المدن بما فيها القدس، وبالتالي فإن وجود مؤسسات السلطة لا يعني امتلاكها سيادة فعلية.
ويوضح رحال أن الاحتلال استغل السنوات الثلاث والثلاثين الماضية لفرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال الاستيطان ومصادرة الأراضي وما تخلل ذلك من تنفيذ انتهاكات جسيمة أدت لاعتقالات وشهداء وجرحى ومفقودين.
ويرى رحال أن أوسلو لا يزال قائماً من الناحيتين القانونية والسياسية، لكن من دون أفق سياسي يمكن الاستناد إليه لإنهاء الصراع أو الخروج من حالة الانسداد القائمة.

لا إمكانية بترميم أوسلو

وحول إمكانية ترميم التصدعات التي أصابت الاتفاق، لا يعتقد رحال أنه، في ظل المعطيات الحالية، بإمكانية ترميم أوسلو أو عودة دولة الاحتلال إلى طاولة المفاوضات استناداً إليه، معتبراً أن إسرائيل تتجه، على العكس، نحو تقويض أوسلو والسلطة الفلسطينية.
ويؤكد أن القانون الدولي لا يتيح للمحتل أن يمنح الشعب الواقع تحت الاحتلال حكماً ذاتياً، وأن العودة إلى عام 1993 باتت مستحيلة، ليس فقط بسبب الجغرافيا التي تغيرت، وإنما أيضاً بسبب التحولات السياسية وتغير موازين القوى بصورة جذرية.
ويشير رحال إلى أن المواقف الإسرائيلية، بمختلف توجهاتها السياسية والأيديولوجية، لا تُظهر اعترافاً بالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حق تقرير المصير وعودة اللاجئين وإقامة دولة فلسطينية على التراب الوطني.

الاحتلال يمضي بخطط بديلة

ويؤكد رحال أن إسرائيل، بدلاً من العودة إلى التسوية، تمضي في خطط بديلة تقوم على إزاحة الفلسطينيين والسيطرة على الأرض وتحويل المدن والمحافظات الفلسطينية إلى معازل، مع ممارسة الضغط باتجاه حشر الفلسطينيين فيها، وصولاً إلى احتمال التهجير وإنهاء الوجود الفلسطيني.
ويصف رحال ما جرى خلال 33 عاماً بأنه لم يعد مجرد تصدعات في اتفاق أوسلو، بل "انهيارات" متواصلة ومتراكمة، مؤكداً أن السياسات والإجراءات الإسرائيلية الحالية تؤكد استمرار مسار إفراغ الأراضي الفلسطينية وإنكار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

تقديرات خاطئة

وفي تقييمه لما استفاد منه الفلسطينيون من أوسلو، يؤكد رحال أن القيادة الفلسطينية كانت ترى في البداية أن الاتفاق يمكن أن يكون نواة ونقطة ارتكاز لتحقيق مشروع الدولة الفلسطينية، والبدء بدفع الأمور باتجاه تحقيق المشروع الوطني، لكن التقديرات التي بني عليها هذا التصور كانت خاطئة، وإذا جرى التقييم وفق مراجعة وطنية علمية وموضوعية بعيداً عن منطق المعارضة، يظهر أن الفلسطينيين خسروا أكثر مما استفادوا.

اتفاق أوسلو ساهم في إعفاء إسرائيل

ويوضح رحال أن اتفاق أوسلو ساهم في إعفاء إسرائيل، أمام المجتمع الدولي من مسؤولياتها كدولة قائمة بالاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني، استناداً إلى اتفاقية جنيف الرابعة، مشيراً إلى رسالة الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي إسحق رابين في 9 سبتمبر/أيلول 1993، التي اعترف فيها بحق إسرائيل في الوجود، وهو ما ساهم بانفتاح العلاقات الدولية والعربية مع دولة الاحتلال.
ويشير رحال إلى إقامة إسرائيل سفارات وعلاقات مع دول مثل الصين وروسيا وفيتنام ودول كانت سابقاً لا تقيم علاقات دبلوماسية معها، فضلاً عن اتساع علاقاتها التجارية والسياسية والدبلوماسية على المستوى الدولي.

تصاعد الاستيطان في ظل أوسلو

وفي المقابل، يرى رحال أن الاستيطان ازداد بصورة كبيرة بعد أوسلو، إلى جانب ارتفاع أعداد الشهداء والجرحى والمعتقلين والمبعدين، وتوسع البؤر الاستيطانية وتهويد القدس وتقييد حرية الحركة والتنقل، معتبراً أن الفلسطينيين واجهوا بعد الاتفاق إجراءات وسياسات احتلالية لم تكن موجودة قبل أوسلو بهذا الحجم، مؤكداً أن هذه الوقائع تجعل الاتفاق، في ميزان الربح والخسارة، أقرب إلى "خديعة" يدفع الفلسطينيون اليوم ثمنها في الأراضي المحتلة وفي الشتات.

سيادة مهزوزة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب أن ما بقي من اتفاق أوسلو، بعد 33 عاماً على توقيعه، يتمثل في "سيادة مهزوزة" على المدن الفلسطينية، إلى جانب قيادة فلسطينية محصورة في رام الله، ودون ميزانيات مالية نتيجة توقف أموال المقاصة.
ويوضح كُتّاب أن استمرار الوضع القائم يطرح تحدياً أمام السلطة الفلسطينية، يتمثل في كيفية ترميم التصدعات التي نشأت في جدار الاتفاق، قبل أن يصل إلى مرحلة الانهيار الكامل من خلال تقويض السلطة التي تشكلت وفقاً له.
ويرى داود كُتّاب أن السلطة الفلسطينية مطالبة بجعل كل خرق للاتفاق مكلفاً، معتبراً أن ذلك يتطلب شجاعة سياسية وأمنية، إلى جانب توضيح موقفها للجانب الإسرائيلي والراعي الأميركي، ومفاده بأن الأجهزة الأمنية الفلسطينية لها كامل الحق في الدفاع عن نفسها داخل المناطق المصنفة (أ) والخاضعة، وفق ترتيبات أوسلو، للسيادة الفلسطينية.

تدمير واستباحة ممنهجة للاتفاق

يعتقد الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن ما تبقى من اتفاقيات أوسلو من جانب الالتزامات الإسرائيلية هو "صفر مكعب"، مؤكداً أن الاتفاق جرى تدميره واستباحته بصورة منهجية، ولم يبق منه سوى شكليات تحولت إلى قيود وأداة للتحكم بالحالة الفلسطينية.
ويوضح سويلم أن إسرائيل تجاوزت بنود الاتفاق بنداً بنداً، وأطاحت بالمبادئ التي تأسس عليها، ولم يعد الأمر متعلقاً فقط بانتهاء المرحلة الانتقالية التي كان يفترض ألا تتجاوز خمس سنوات، بل بكل الالتزامات التفصيلية المتبادلة.

بقاء التزامات السلطة فقط

ويشير سويلم إلى أن الالتزامات التي بقيت فعلياً هي التزامات السلطة الفلسطينية، فيما تحولت اتفاقيات أوسلو إلى "ورقة معلقة في الهواء"، لا تلزم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ولا أي منظومة سياسية في إسرائيل، لكنها تُستخدم للإبقاء على قيود تخنق الحالة الفلسطينية من زوايا الأرض والثروات والموارد والحركة والسيطرة على الجغرافيا والاستيطان والضم والهجمات الاستيطانية المنظمة.
ويوضح أن إسرائيل تجاوزت حتى قضية المقاصة والموارد المالية المستحقة اللازمة لبقاء السلطة وتمكينها من تنفيذ التزاماتها من طرف واحد.
ويرى سويلم أن أهمية تذكّر أوسلو في ذكراه لا تكمن في البحث عن مضامين أو التزامات ما زالت قائمة، بل في استحضار "الكارثة" التي انتهت إليها الاتفاقيات، منتقداً إعادة تناولها إعلامياً باعتبارها اتفاقاً يمكن إجراء مراجعات عادية بشأنه.
وبحسب سويلم، فإن كثرة الانتهاكات الإسرائيلية جعلت الاتفاقيات لا تستحق التذكير بها إلا من زاوية نتائجها الكارثية، محذراً من أن التمسك بها أو استمرار الحديث عن التمسك بها بات بدوره كارثياً.

السلطة والتكيف مع نتائج الاتفاقات

ويوضح سويلم أن السلطة الفلسطينية تتمسك بالاتفاقيات لأنها أصبحت محشورة في زاوية التكيف مع نتائجها، من خلال سياسات النأي بالنفس والضرائب والخوف من التغول الإسرائيلي في الضفة الغربية، معتبراً أن ذلك يعكس حالة الاستكانة الوطنية.
ويشير سويلم إلى أن إسرائيل لا تكتفي بتقييد صلاحيات السلطة، بل تفكر في إنهائها وتحويل صلاحياتها ووجودها إلى "مهزلة سياسية" وإهانة يومية.

الشهران المقبلان قد يكونان حاسمين

ويؤكد سويلم أن الشهرين المقبلين قد يكونان حاسمين، في ظل عملية إسرائيلية منظمة وممنهجة تستهدف السلطة، من خلال الحديث عن سحب السلاح والاعتقالات، وتقييد الشرطة، وطرد القيادة الفلسطينية، والتهجير، وإهانة أي شكل من أشكال الكيانية الوطنية.
ويشدد سويلم على أن الرد على ما تقوم به إسرائيل وتخطط له لا يمكن أن يكون بإجراءات متفرقة، بل يحتاج إلى "انتفاضة سياسية وطنية" وإعادة نظر شاملة في النتائج والسياسات والاستراتيجيات وبناء المؤسسة الفلسطينية.
وينتقد سويلم ما وصفه بالمسرحيات الانتخابية بدلاً من معالجة التفكك الوطني، داعياً إلى تغيير سياسي جذري يحافظ على وحدة الشعب الفلسطيني وتماسكه، لكنه يغيّر السياسات والاستراتيجيات بصورة لا تمت بصلة إلى الواقع الذي انتهت إليه أوسلو.

إسرائيل فرضت تفسيراتها الخاصة على الاتفاق

يرى الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش أن التحليل القائل إن اتفاق أوسلو "مات" منذ سنوات، وإن المطلوب دفنه والبحث عن صيغ جديدة، مثل حل السلطة أو تبني برنامج الدولة الواحدة، ليس دقيقاً، موضحاً أن دولة الاحتلال، مستفيدة من تفوقها العسكري والانحياز الأميركي المطلق لها، فرضت تفسيرها الخاص للاتفاق، وحولته من إطار لحل مرحلي مفتوح على احتمالات عدة إلى أداة لفرض شروطها ورؤيتها النهائية القائمة على تصفية القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية.
ويوضح أبو غوش أن معظم ثمار وإنجازات أوسلو تبددت مع مرور السنوات والأزمات وتعاقب الحكومات الإسرائيلية، وصولاً إلى حكومة نتنياهو-بن غفير-سموتريتش، فيما بقيت قيوده التي تكبل الشعب الفلسطيني وتحد من قدرة حركته الوطنية على مواصلة النضال، وربطت مصيره ومستقبله واقتصاده وماليته وموارده ومياهه وكهرباءه بالقرار الإسرائيلي، الذي بات قادراً على التدخل حتى في الانتخابات والمناهج التعليمية الفلسطينية.

استدراج القيادة الفلسطينية إلى مصيدة أوسلو

ويؤكد أبو غوش أن أوسلو لم يكن مجرد اجتهاد سياسي أو نص مكتوب اختلف الناس حول فوائده وسلبياته، بل مساراً كاملاً استُدرجت خلاله قيادة الحركة الوطنية إلى "مصيدة"، بفعل مزيج من المصالح والحسابات والأوهام، بينها الاعتقاد بإمكان حياد الولايات المتحدة وتغير وظيفة إسرائيل جوهرياً.
ويؤكد أبو غوش أن هذا المنهج استمر عبر تغييب المؤسسات الشرعية عند اتخاذ القرارات المصيرية، وإهمال الشراكة الوطنية، وإسقاط أدوات النضال الرئيسية قبل تحقق التحرير.
ويشير أبو غوش إلى أن الاتفاق وملحقاته انشغلت بأدق التفاصيل السياسية والأمنية والاقتصادية، بينما خلت من صيغة تتحدث عن إنهاء الاحتلال، وأرجأت قضايا القدس والاستيطان واللاجئين والحدود والمياه والمصير النهائي للأراضي الفلسطينية إلى مفاوضات المرحلة النهائية، وقسمت الأراضي إلى مناطق "أ" و"ب" و"ج"، فيما نجحت حكومات اليمين في إعادة التفاوض بشأن ما سبق الاتفاق عليه وفرض تفسيرها الأحادي.

أوسلو روّض الحركة الوطنية

ويرى أبو غوش أن أوسلو روّض الحركة الوطنية وانتزع زخمها النضالي، ودفع قيادات إلى التركيز على بناء الذات والمصالح والمناصب والمراسم تحت شعار بناء أسس الدولة، فتحولت مؤسسات الحركة إلى هياكل سلطوية، بينما تستباح مقدرات الشعب.
ويوضح أبو غوش أن إسرائيل لم تحسم مستقبل السلطة، بين اتجاه يدعو إلى تقويضها كما يطالب بن غفير وسموتريتش، وآخر يريد الحفاظ عليها لدورها الأمني والسياسي وإعفاء الاحتلال من إدارة احتياجات ملايين الفلسطينيين وإبقاء وهم العملية السياسية ومنع تحول الاحتلال إلى أبارتهايد معلن.

البحث عن أية عوامل وحدوية

ويرى أبو غوش أنه بدلاً من البحث عن ترميم تصدعات أوسلو التي لن تفيد بأي شيء، لأنه يعد حلاً قصير الأمد يشبه "ترقيع ثوب مهترئ"، فالأصل البحث عن أية عوامل وحدوية تقود المرحلة.
ويشدد أبو غوش على ضرورة إعادة بناء المؤسسات والبرنامج الوطني وأشكال النضال عبر عملية توافقية شاملة قد تستغرق سنوات، وإصلاح العلاقات الوطنية وإيجاد صيغ وحدوية، مؤكداً أن الانتخابات وحدها قد تعيد الحفاظ على المؤسسات القائمة، وأن المطلوب ضخ دماء جديدة في مختلف مستويات القيادة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا