تدرس حكومة الاحتلال الإسرائيلي في الوقت الراهن اتخاذ سلسلة من الخطوات التصعيدية ضد عدد من الدول الغربية، وذلك في أعقاب القرارات الأخيرة التي اتخذتها بريطانيا بفرض عقوبات على المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. وأفادت مصادر إعلامية بأن التقديرات داخل هيئة البث الإسرائيلية تشير إلى احتمالية إغلاق القنصلية الفرنسية في مدينة القدس كرسالة سياسية حادة.
وتسود حالة من القلق داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية من إمكانية انتشار ما يوصف بـ 'عدوى المقاطعة'، حيث تخشى تل أبيب أن تتبع دول أوروبية أخرى النهج البريطاني في استهداف منتجات المستوطنات. ولا تقتصر المخاوف على الضفة الغربية فحسب، بل تمتد لتشمل احتمال توسع المقاطعة لتطال الشركات الإسرائيلية العاملة داخل الخط الأخضر، مما يهدد الاقتصاد الإسرائيلي بشكل أوسع.
وعلى الرغم من أن الخطوة البريطانية تُصنف في إطار الإجراءات الرمزية التي لا تؤثر بشكل جذري على حجم التبادل التجاري، إلا أن إسرائيل تتعامل معها بجدية غير مسبوقة. ويرى مراقبون أن هذا التحرك البريطاني قد يكسر حاجز التردد لدى عواصم أوروبية أخرى كانت تكتفي سابقاً ببيانات الإدانة والاستنكار دون فعل حقيقي.
وأشارت مصادر مطلعة إلى أن إسرائيل فوجئت بحجم الدعم الدولي للموقف البريطاني، حيث أبدت أكثر من عشر دول رغبتها في دراسة إجراءات مماثلة ضد المستوطنين والمستوطنات. هذا الإجماع النسبي وضع الدبلوماسية الإسرائيلية في مأزق، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية الرامية لوقف التوسع الاستيطاني غير القانوني.
وفي سياق متصل، أثار موقف الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترمب تساؤلات في تل أبيب، حيث لم تتدخل واشنطن بشكل فعال لمنع لندن من المضي قدماً في قراراتها العقابية. ونقلت مصادر عن مسؤولين أمريكيين أن الرئيس ترمب، رغم معارضته المبدئية لمثل هذه العقوبات، لم يمارس ضغوطاً حقيقية لثني الحكومة البريطانية عن موقفها.
وشهدت الأيام الماضية تخبطاً في التصريحات الدبلوماسية، حيث أدلى السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بتصريحات هجومية ضد بريطانيا على خلفية هذه الأزمة. وسارع البيت الأبيض للتبرؤ من تلك التصريحات، مؤكداً أن السفير لم ينسق مع الإدارة أو الخارجية الأمريكية قبل إطلاق مواقفه التي اعتبرت مسيئة لحليف استراتيجي.
من الجانب الفلسطيني، تُعتبر هذه الإجراءات البريطانية خطوة في الاتجاه الصحيح لكنها تظل غير كافية لردع الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة. وتطالب القيادة الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية بآليات تنفيذية أكثر صرامة تجبر سلطات الاحتلال على الانصياع للقانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة بالاستيطان.
ولعل أبرز ما يقلق الجانب الإسرائيلي هو استخدام الدبلوماسية البريطانية لمصطلح 'التطهير العرقي' لوصف ما يحدث في بعض مناطق الضفة الغربية. هذا التحول في اللغة السياسية البريطانية يحمل دلالات تاريخية وقانونية خطيرة، خاصة بالنظر إلى الدور التاريخي لبريطانيا في المنطقة منذ وعد بلفور وحتى النكبة.
ويرى محللون أن تبني هذا المصطلح قد يفتح الباب أمام المنظمات الدولية لإصدار تقارير قانونية تصنف الممارسات الإسرائيلية كجرائم فصل عنصري (أبارتهايد). ومن شأن هذه التقارير أن تعزز الملاحقات القانونية لإسرائيل في المحاكم الدولية، وتزيد من عزلتها الدبلوماسية على الساحة العالمية في حال استمرار سياساتها الحالية.
وتتحضر وزارة الخارجية الإسرائيلية لإدارة أزمة دبلوماسية مع فرنسا في حال تقرر فعلياً استهداف قنصليتها، وهو ما قد يؤدي إلى رد فعل فرنسي وأوروبي جماعي. وتبقى الأيام القادمة كفيلة بتحديد ما إذا كانت تل أبيب ستغامر بقطع شعرة معاوية مع باريس، أم أن التهديدات تندرج في إطار الضغط السياسي لمنع توسع دائرة العقوبات.
المصدر:
القدس