أصدرت المحكمة المركزية التابعة للاحتلال في مدينة القدس قراراً يقضي برفض الالتماس العاجل الذي قدمته منظمات حقوقية لوقف تنفيذ مشروع 'إي وان' (E1) الاستيطاني. ويهدف هذا المشروع المثير للجدل دولياً إلى بناء مئات الوحدات السكنية التي ستؤدي فعلياً إلى عزل مدينة القدس المحتلة عن محيطها الفلسطيني وتقسيم الضفة الغربية إلى جزأين منفصلين.
وجاء قرار المحكمة ليمنح الضوء الأخضر لوزارة الإسكان الإسرائيلية للمضي قدماً في مناقصة طرحتها الشهر الماضي، تشمل بناء أكثر من 1200 وحدة استيطانية جديدة. وتعتبر هذه الخطوة تحدياً واضحاً للتحذيرات الدولية والأوروبية التي طالبت مراراً بوقف هذا المخطط لما يمثله من رصاصة رحمة على خيار حل الدولتين.
من جانبها، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية عن تقرير مفصل يحذر من عمليات 'هندسة تشريعية' شاملة تجريها سلطات الاحتلال في الضفة الغربية. وأوضحت الهيئة أن هذه التحركات تهدف إلى إعادة صياغة منظومة الحكم والإدارة بما يخدم مشروع الضم النهائي والتوسع الاستيطاني غير المسبوق.
ورصدت الورقة البحثية التي نشرتها الهيئة تحت عنوان 'أربع سنوات من تشريع الضم'، سلسلة من الإجراءات الإدارية والتخطيطية التي بدأت مطلع عام 2023. وأكدت أن ما يحدث هو مسار تراكمي يهدف إلى تفكيك القيود القانونية التي كانت تفصل بين إدارة الاحتلال العسكرية ومنظومة الحكم المدني الإسرائيلي.
وشددت الهيئة على أن إخضاع 'الإدارة المدنية' للمرجعية السياسية المباشرة للمستوطنين يمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة السيطرة على الأرض. هذا التغيير الهيكلي يسمح بتسريع وتيرة البناء الاستيطاني وتجاوز العقبات الإجرائية التي كانت قائمة في السابق تحت مبررات أمنية أو قانونية دولية.
وأشارت التقارير إلى الدور المحوري الذي يلعبه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في هذا التحول، حيث تم منح مكتبه صلاحيات واسعة داخل منظومة الإدارة المدنية. وأصبح ملف الاستيطان يدار عبر بنية مدنية تمتلك سلطة القرار في قضايا الأرض والتخطيط وشق الطرق الاستيطانية بعيداً عن القنوات العسكرية التقليدية.
وفي سياق متصل، لفتت المصادر إلى قرار صدر في منتصف عام 2023 أدى إلى تقليص عدد مراحل الموافقة السياسية المطلوبة للمشاريع الاستيطانية. هذا التعديل الإجرائي ساهم بشكل مباشر في انفجار أعداد الوحدات السكنية التي تمت المصادقة عليها، ووفر بيئة قانونية تحمي البؤر الرعوية غير المرخصة.
وتطرقت الهيئة الفلسطينية إلى خطورة استخدام ملفات الآثار والمحميات الطبيعية كأدوات للسيطرة الجغرافية خارج النطاق الإداري المتفق عليه. حيث يتم توظيف هذه الملفات لتوسيع نفوذ المؤسسات الإسرائيلية في المناطق المصنفة 'أ' و'ب'، مما يقوض السيادة الفلسطينية المحدودة في تلك المناطق.
كما اعتبر التقرير أن تعديل قانون 'فك الارتباط' في مارس 2023 كان خطوة مفصلية سمحت للمستوطنين بالعودة إلى مناطق أخليت سابقاً في شمال الضفة. هذا التعديل أزال العوائق القانونية أمام إعادة استيطان مناطق كانت تعتبر خارج نطاق التوسع المباشر لسنوات طويلة.
وبالعودة إلى مخطط 'E1'، أوضحت المصادر أن هذا المشروع يمثل الحلقة الأخطر في ربط كتلة 'معاليه أدوميم' الاستيطانية بالقدس الشرقية. هذا الربط الجغرافي سيخلق حزاماً استيطانياً متصلاً يمنع أي إمكانية لتوسع فلسطيني مستقبلي في قلب الضفة الغربية، ويحكم الخناق على العاصمة المحتلة.
وأكدت الهيئة أن الضم الإسرائيلي للضفة لا ينتظر إعلاناً سياسياً رسمياً، بل هو واقع يفرض يومياً عبر أدوات مالية وتخطيطية وتسجيل الأراضي. إن نقل الصراع إلى مستوى 'السجل العقاري' و'تسوية الأراضي' يهدف إلى حسم الملكية لصالح المشروع الاستيطاني بصبغة قانونية زائفة.
وتشير الإحصائيات إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو الحالية قد سجلت أرقاماً قياسية في التوسع الاستيطاني منذ توليها السلطة في أواخر 2022. فقد تمت الموافقة على إنشاء 104 مستوطنات جديدة، بالتزامن مع إقامة أكثر من 160 بؤرة استيطانية زراعية في مختلف تلال الضفة الغربية.
وخلصت الهيئة إلى أن هذه الإجراءات المترابطة تعيد تعريف منظومة الحكم في الأراضي المحتلة، محولةً المشروع الاستيطاني من مجرد توسع مكاني إلى واقع سيادي دائم. وتعمل هذه السياسة على ترسيخ وقائع ميدانية تسبق أي مفاوضات سياسية مستقبلية، مما يجعل خيار الدولة الفلسطينية مستحيلاً من الناحية الجغرافية.
وفي ختام تقريرها، دعت الهيئة المجتمع الدولي إلى تجاوز لغة التنديد والتحرك الفعلي لوقف هذه 'الهندسة التشريعية'. وحذرت من أن الصمت على تنفيذ مشروع 'E1' وتوسيع صلاحيات الوزراء المتطرفين في الضفة يعني القبول الضمني بضم الأراضي الفلسطينية وتصفية القضية الوطنية.
المصدر:
القدس