ترجمة وتعليق: اللواء أحمد عيسى
نشر معهد اسرائيل لدراسات الأمن القومي (INSS) يوم الأحد الموافق (٦/ ٩/ ٢٠٢٦) ورقة رؤية للباحثة في المعهد تامي كانر حملت عنوان (خارطة الطريق الخاصة بغزة: الشروط الأساسية من وجهة نظر إسرائيل).
ترى كانر أن خارطة الطريق الجديدة الخاصة بغزة، التي أُعدت في إطار مجلس السلام الذي شكله الرئيس ترامب، تهدف إلى تحويل «خطة النقاط العشرين» وقرار مجلس الأمن 2803 من إطار سياسي عام إلى خطة تنفيذ تفصيلية.
لكن المشكلة، من وجهة النظر الإسرائيلية، أن مركز الثقل انتقل من تحقيق وضع أمني نهائي يقوم على تفكيك القوة العسكرية لحماس ونزع السلاح، إلى إدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار في غزة.
وهذه بالنسبة للباحثة ليست مسألة تقنية، بل تغيير جوهري، يتلخص في النقاط التالية::
1- التحول الأساسي: من (التجريد من السلاح) إلى "إخراج السلاح من الخدمة" وترى الباحثة أن هذه هي أهم نقطة.
الخطة الأصلية كانت تتحدث عن:
تدمير البنية التحتية العسكرية والإرهابية.
منع إعادة بنائها.
إنهاء وجود الأسلحة بصورة دائمة.
و(نزع التطرف) من البيئة الغزية.
أما خارطة الطريق الجديدة فتتحدث بصورة أكبر عن:
تفكيك وتخزين الأسلحة الثقيلة، وتفكيك الأنفاق ومصانع السلاح ومخازنه، ونزع سلاح الميليشيات.
أما الأسلحة الشخصية فلا يشترط نزعها بصورة صريحة، وإنما تنظيمها وترخيصها وإخضاعها للقانون الفلسطيني.
وترى كانر أن هناك فرقًا هائلًا بين:
إخراج السلاح من سيطرة حماس، وبين
تدمير القدرة على استخدام هذا السلاح مستقبلًا، وبين: تخزين السلاح تحت الرقابة ،وبين: القضاء عليه نهائيًا.
وهنا تحديدًا تكمن المخاوف الإسرائيلية.
2- تراجع مفهوم نزع التطرف
أي تغيير البيئة الاجتماعية والتعليمية والسياسية التي تسمح بإعادة إنتاج حماس أو تنظيمات مشابهة.
أما خارطة الطريق الجديدة فلا تتضمن هدفًا موازيًا واضحًا لنزع التطرف.
وتطرح بدلًا منه مفهوم «اتفاق السلام الاجتماعي» بين الفصائل الفلسطينية، بهدف منع الاقتتال الداخلي بين حماس وفتح والعشائر والتنظيمات المسلحة.
وترى كانر أن هذا قد يساعد في استقرار غزة مؤقتًا، لكنه لا يعالج البيئة الفكرية والاجتماعية التي يمكن أن تسمح لحماس أو تنظيمات أخرى بإعادة بناء قوتها.
3- التحول الأخطر: من القوة الدولية إلى السلطة الفلسطينية الانتقالية
في الخطة الأصلية كان قوة الاستقرار الدولية ISF هي العنصر المركزي.
وكانت مهمتها:
* تدمير البنية العسكرية لحماس.
* منع إعادة بنائها.
* نزع سلاح التنظيمات.
* ضبط حدود غزة.
* منع التهريب.
* حماية المدنيين والمساعدات.
* تدريب الشرطة الفلسطينية.
* تولي المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.
* والمساهمة في تحديد مراحل الانسحاب الإسرائيلي.
أي أن القوة الدولية كانت عمليًا الذراع الأمنية التنفيذية للخطة.
أما خارطة الطريق الجديدة فتنقل المسؤولية الأساسية إلى:
اللجنة الوطنية لإدارة غزة NCAG.
أي إلى جهاز فلسطيني انتقالي.
بينما تصبح القوة الدولية أقرب إلى قوة:
مساندة، تدريب، فصل، ومراقبة.
وهذا تغيير جوهري:
الأمن ينتقل تدريجيًا من القوة الدولية إلى سلطة فلسطينية انتقالية.
4- ظهور لجنة التحقق الدولية IVC
تضيف الخارطة الجديدة جهازًا آخر هو:
International Verification Committee – IVC
لجنة التحقق الدولية.
وظيفتها ليست مجرد مراقبة، بل:
* التحقق من تفكيك الأسلحة الثقيلة.
* التحقق من الأنفاق ومصانع الأسلحة.
* التحقق من تفكيك الميليشيات.
* مراجعة الخروقات.
* المصادقة على الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
* وربما تمديد المواعيد الزمنية.
لكن المقال يطرح أسئلة صعبة جدًا: من يقرر أن نزع السلاح اكتمل؟ ما معيار الإثبات؟ ماذا يحدث إذا اختلفت إسرائيل مع اللجنة؟ ما وزن المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية؟ وهل للجنة قدرة حقيقية على فرض العقوبات؟
وتلفت كانر إلى أن قطر وتركيا تبدوان مرشحتين طبيعيتين للمشاركة في اللجنة باعتبارهما من الأطراف المنخرطة في العملية.
وهذا، من المنظور الإسرائيلي، يزيد أهمية قواعد التصويت والاستقلالية والتركيبة السياسية للجنة. 5-5- المشكلة الإسرائيلية الأكبر: الانسحاب
الخطة تعتمد على انسحاب إسرائيلي تدريجي.
لكن إسرائيل تريد أن يكون: الانسحاب نتيجة للأمن، وليس وسيلة لصناعة الأمن. بمعنى:
أولًا نزع السلاح بصورة قابلة للتحقق، ثم الانسحاب. وليس: الانسحاب ثم انتظار قيام السلطة الجديدة بنزع السلاح.
وترى كانر أن خارطة الطريق لا تعيد تثبيت جميع الضمانات التي كانت موجودة في الوثائق الأصلية.
لذلك تريد إسرائيل أن يصبح واضحًا:
كل مرحلة من الانسحاب مرتبطة بإنجاز أمني قابل للقياس والتحقق.
6- موقف نتنياهو مقابل موقف ملادينوف
المقال يكشف أيضًا وجود تفسيرين متنافسين للخارطة.
نتنياهو أعلن رفض إسرائيل للخطة بصيغتها الحالية، مؤكدًا أن إسرائيل لن تنسحب قبل نزع سلاح حماس بصورة كاملة.
في المقابل، قال نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لشؤون غزة في مجلس السلام، إن إسرائيل ليست مطالبة بالانسحاب قبل تنفيذ خطوات نزع السلاح والتحقق منها.
وهنا تستخلص كانر نقطة مهمة:
إذا كان هذا هو التفسير الأمريكي/الدولي للخطة، فيجب تحويله إلى التزامات مكتوبة وليس الاكتفاء بتصريحات سياسية.
تقترح الباحثة عمليًا إعادة كتابة آليات تنفيذ الخارطة بحيث تتضمن:
أولًا:
تعريفًا ملزمًا وقابلًا للقياس لنزع السلاح.
ثانيًا:
تدمير:
* الأنفاق.
* مصانع الأسلحة.
* المخازن.
* البنية العسكرية.
* منظومات القيادة والسيطرة.
* شبكات التجنيد والتمويل.
ثالثًا:
ربط كل مرحلة من الانسحاب الإسرائيلي بإنجاز أمني متحقق منه.
رابعًا:
تحديد المسؤولية بين:
NCAG – ISF – IVC
بحيث لا تحدث فجوة أمنية.
خامسًا:
إنشاء آلية تلقائية للتعامل مع الخروقات.
مثلًا: إذا رفضت حماس تسليم السلاح → تتوقف المرحلة التالية. إذا اكتشفت أنفاق أو مخازن مخفية → تتوقف العملية. إذا فشلت NCAG في فرض سلطتها → تتوقف العملية. إذا أعيد بناء القدرات العسكرية → يمكن إعادة فتح مرحلة سابقة.
سادسًا:
الحصول على ضمانات أمريكية ودولية تعترف بحق إسرائيل في استئناف العمل العسكري إذا انهارت الآلية الأمنية.
التعليق
أعتقد أن أهمية المقال تتجاوز ما تقوله حرفيًا. المقال في جوهره ليس رفضًا إسرائيليًا لخارطة الطريق، بل محاولة إسرائيلية لإعادة تعريفها. وهذه نقطة بالغة الأهمية.
فالخلاصة التي تصل إليها كانر هي تقريبًا:
لا ينبغي لإسرائيل أن ترفض خارطة الطريق؛ ينبغي أن تدخل إلى مرحلة تنفيذها وتفرض شروطها الأمنية داخل آليات التنفيذ.
وهذا تحول من: رفض الخطة، إلى: السيطرة على شروط تنفيذ الخطة.
المفارقة الأساسية
هناك مفارقة استراتيجية واضحة جدًا: الخطة الدولية تريد نقل غزة من: حرب إسرائيلية، إلى إدارة فلسطينية، إلى إعادة إعمار، إلى تسوية سياسية.
أما التصور الأمني الإسرائيلي الذي تعرضه كانر فيريد:
نزع سلاح، تحقّقاً دوليّاً، سلطة فلسطينية منضبطة، انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً.
أي أن إسرائيل تريد أن تجعل الأمن هو الذي يحدد السياسة، بينما يبدو أن القوى الدولية تريد استخدام العملية السياسية والمؤسسات الفلسطينية لإنتاج الأمن.
وهذا هو جوهر الصراع على اليوم التالي، والأهم: أين حماس في هذه المعادلة؟
المقال يعترف ضمنيًا بمشكلة كبيرة: الخطة تريد نقل السلطة من حماس لكنها لا تحدد بصورة نهائية ماذا سيحدث لحماس كحركة سياسية واجتماعية. وهذه ثغرة شديدة الأهمية. فإذا تم: نزع السلاح وإخراج حماس من الحكومة، ولكن بقيت: حماس كتنظيم اجتماعي وسياسي وشبكة جماهيرية، فقد يكون من الممكن أن تعود بعد سنوات عبر الانتخابات أو عبر إعادة بناء النفوذ داخل المؤسسات الفلسطينية.
ولهذا تأتي أهمية مقال INSS الآخر المنشور في 31 آب/أغسطس حول الانتخابات الفلسطينية واحتمال تطبيع مشاركة حماس سياسيًا.
وهنا أرى رابطًا مهمًا بين المقالين: INSS بدأ يتعامل مع غزة ليس فقط كمسألة عسكرية، بل باعتبارها مسألة إعادة تشكيل للنظام السياسي الفلسطيني كله.
وهنا تظهر نقطة أعمق تخص السلطة الفلسطينية، الخارطة، كما يقرأها INSS، لا تعطي السلطة الفلسطينية الحالية ببساطة مفاتيح غزة.
بل يبدو أنها تسير نحو: سلطة فلسطينية انتقالية جديدة/مُعاد تشكيلها + شرعية عربية ودولية + إشراف دولي + إعادة إعمار + إصلاح أمني.
وهذا مختلف عن عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة بالشكل الذي كانت عليه قبل 2007.
وبالتالي نحن أمام احتمال إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني من الصفر تقريبًا.
الخلاصة السياسية الأوسع
إذا قرأنا المقال باعتباره وثيقة تعكس التفكير الأمني الإسرائيلي، فإن معركة غزة القادمة قد لا تكون أساسًا حول: هل تنتهي الحرب؟ بل حول: مَن يملك مفاتيح اليوم التالي؟
هناك أربعة مستويات للصراع:
1- من يحكم غزة؟
NCAG أم السلطة الفلسطينية أم صيغة فلسطينية أوسع؟
2- من يحتكر السلاح؟
NCAG أم قوة دولية أم إسرائيل؟
3- من يقرر أن حماس نزعت سلاحها؟
إسرائيل أم IVC
4- من يقرر أن إسرائيل تستطيع الانسحاب؟
إسرائيل أم الآلية الدولية؟
وهنا تكمن أهمية المقال.
فالخلاف الإسرائيلي الحقيقي مع خارطة الطريق ليس على مبدأ إنهاء حكم حماس؛ المقال يقول صراحة إن هذا الهدف ما زال قائمًا.
الخلاف هو: من يعرّف نهاية حماس؟ ومن يتحقق منها؟ ومن يملك حق إعلان نجاح العملية أو فشلها؟
وهذا، في تقديري، سيكون أحد أهم صراعات المرحلة المقبلة.
ملاحظة أخيرة مهمة
أرى أن هذا المقال يستحق أن يُقرأ إلى جانب مقال INSS المنشور في 31 أغسطس حول الانتخابات الفلسطينية؛ والذي نشر في التاريخ نفسه على صفحات القدس، فالأول يناقش إعادة تشكيل النظام الأمني في غزة، والثاني يناقش إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني. جمعهما معًا يعطي صورة أوضح بكثير عن التصور الإسرائيلي لـغزة ما بعد الحرب.
المصدر:
القدس