نبه خبراء ومحللون سياسيون إلى الخطورة البالغة التي يمر بها المشهد الفلسطيني في الوقت الراهن، معتبرين أن استمرار غياب مشروع وطني موحد يمنح اليمين الإسرائيلي المتطرف فرصة ذهبية لفرض رؤيته التوسعية. وأوضح المحللون أن الانقسام الداخلي أتاح للاحتلال مساحة واسعة للتلاعب بالوقائع الميدانية في كل من قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.
وأفادت مصادر إعلامية بأن استمرار سقوط الضحايا وبقاء الآلاف تحت الأنقاض في غزة يعكس حجم المأساة التي دمرت كافة مقومات الحياة الأساسية. وأشار الكاتب عمر كلاب إلى أن سياسة الأرض المحروقة جعلت من التهجير واقعاً مفروضاً على الأرض، نتيجة انعدام الخدمات الأساسية التي تضمن بقاء الإنسان في بيئته.
وفي سياق متصل، حذر المحلل السياسي إياد جودة من توجهات إسرائيلية تهدف إلى خلق واقع جغرافي وسياسي جديد في قطاع غزة يعتمد على مبدأ الفصل والتقسيم. وأوضح جودة أن الاحتلال يسعى لتحقيق أهداف استراتيجية فشل في الوصول إليها سابقاً، من خلال تحويل القطاع إلى كانتونات منفصلة تحت مسميات إدارية وأمنية جديدة.
وتطرق النقاش إلى الدور الأمريكي المرتقب، حيث يرى مراقبون أن الرئيس دونالد ترامب قد يتجه نحو تهدئة الملفات المشتعلة في المنطقة قبيل الانتخابات النصفية الأمريكية. وفي المقابل، تبرز مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إبقاء حالة التصعيد الإقليمي قائمة لضمان بقائه السياسي وتجنب الأزمات الداخلية.
وانتقد المحللون اختزال القضية الفلسطينية في أبعادها الإنسانية فقط، معتبرين أن التعامل مع غزة كحالة إغاثية يضعف مفهوم الدولة والسيادة الوطنية. وأكدوا أن وجود كيانات مثل 'مجلس السلام' يعكس بوضوح غياب القيادة الفلسطينية عن مراكز صنع القرار وإدارة المشهد السياسي الدولي المتعلق بمستقبلهم.
وشدد المشاركون في التحليل على أن أي مفاوضات لا تستند إلى أفق سياسي واضح لن تؤدي إلى حلول مستدامة، بل ستكون مجرد إدارة للأزمة. وتساءل الخبراء بمرارة عن العوامل التي قد تدفع القوى الفلسطينية للوحدة إذا لم تكن دماء الآلاف وحجم الدمار الهائل في غزة كافياً لإنهاء حالة التشرذم الحالية.
من جانبه، دعا إياد جودة إلى ضرورة الاعتراف بوجود أزمة حقيقية في بنية العمل الوطني الفلسطيني تتطلب معالجة فورية تتجاوز الشعارات. وأكد على أهمية فرض واقع فلسطيني موحد على الأرض لمواجهة المشاريع البديلة التي تحاول قوى دولية وإقليمية تسويقها كحلول مؤقتة أو دائمة بعيداً عن الثوابت الوطنية.
وربط المحللون بين الاستقرار السياسي في إسرائيل واستمرار العمليات العسكرية، حيث يرى نتنياهو أن الحروب الخارجية هي الضمانة الوحيدة لتماسك ائتلافه الحاكم. هذا التوجه يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة من التصعيد، خاصة مع رغبة واشنطن في تقليل التكاليف العسكرية والسياسية لانخراطها في أزمات الشرق الأوسط.
وفي الختام، خلص التحليل إلى أن المشروع الوطني الفلسطيني الذي يهدف لإقامة الدولة يصطدم حالياً بجدار صلب من الرؤى الإسرائيلية والأمريكية المتطابقة في بعض جوانبها. وأكد المحللون أن المخرج الوحيد يكمن في استعادة المبادرة الوطنية وتوحيد المؤسسات الفلسطينية لمواجهة التحديات الوجودية التي تهدد القضية برمتها.
المصدر:
القدس