فايز عباس: الهدف ليس الانتقال مباشرة لهدم المسجد وإقامة "الهيكل الثالث" بل تغيير الواقع تدريجياً والتهيئة لإقامة كنيس يهودي وأماكن للصلوات داخل الأقصى
نزار نزال: المخطط القريب ليس بناء الهيكل غداً وإنما بناء سلسلة من الوقائع الصغيرة التي تجعل فكرة الهيكل أقل غرابة وأكثر قابلية للتطبيق السياسي
إسماعيل مسلماني: بن غفير لا يحتاج حالياً لبناء الهيكل بقدر ما يسعى إلى جعل الصلاة والطقوس والسيادة اليهودية على الأقصى أمراً طبيعياً ومتكرراً
نعمان توفيق العابد: هناك مخطط واضح وممتد لهدم المسجد الأقصى وبناء "الهيكل" المزعوم ويتم تنفيذ ذلك تدريجياً تزامناً مع استغلال الظروف المحيطة لتمريره
سليمان بشارات: بن غفير يحاول استغلال المرحلة الراهنة لتكريس صورته بوصفه "الأب الروحي" لمفهوم إقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى
ياسر مناع: خطورة المخطط تتمثل بسيره بالتوازي مع محاولات تقسيم الأقصى وتحويله من مسجد إسلامي خالص لما يوصف بـ"مقدس مشترك"
رام الله - خاص بـ"القدس" -
لا يتحدث وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير عن بناء "الهيكل" في المنظور القريب، بقدر ما يدفع باتجاه تهيئة الواقع له "شيئاً فشيئاً"، عبر تكريس الاقتحامات والصلوات والطقوس اليهودية داخل المسجد الأقصى، وهو ما تعكسه تصريحاته عن "التأسيس المعنوي للهيكل" ضمن مرحلة تستهدف تطبيع الوجود اليهودي الاستيطاني.
ويوضح كتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث مع "ے"، أن هذا المسار يقوم على تراكم وقائع تبدو منفردة ومحدودة، لكنها تفتح كل واحدة منها الباب أمام الخطوة التالية؛ من زيادة أعداد المقتحمين، وإدخال الكتب والأدوات الدينية، وأداء الصلوات والطقوس ونفخ البوق، إلى توسيع ساعات الوجود اليهودي وتقييد دخول المسلمين في أوقات معينة.
ويحذرون من أن الهدف القريب من ذلك يتمثل في كسر الوضع القائم وتطبيع الصلاة اليهودية، تمهيداً لفرض تقسيم زماني ومكاني، وصولاً إلى إقامة كنيس وأماكن صلاة يهودية داخل باحات الأقصى.
ويؤكدون أن هذا "التأسيس المعنوي" من ضمن أهدافه توظيف الأقصى سياسياً وانتخابياً، فيما يوفر موقع بن غفير الحكومي غطاءً أمنياً ومؤسسياً لهذه الممارسات.
ويحذرون من أن استمرار هذا النهج قد يُحول الوقائع التدريجية إلى "وضع قائم جديد"، يجعل فكرة الهيكل أكثر حضوراً وقابلية للتطبيق السياسي، ويهدد في مرحلة لاحقة بتغيير هوية المسجد ومكانته.
خطة تقوم على مراحل متدرجة
يوضح الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير يعمل منذ سنوات على خلق وقائع جديدة في المسجد الأقصى، ضمن خطة تقوم على مراحل متدرجة، لافتاً إلى أن الهدف ليس الانتقال مباشرة إلى هدم المسجد وإقامة "الهيكل الثالث" كما يدعو اليمين الديني المتطرف، وإنما تغيير الواقع القائم تدريجياً وتهيئة الأرضية لإقامة كنيس يهودي وأماكن للصلوات داخل باحات الأقصى.
ويبين عباس أن بن غفير، قبل توليه منصبه الحالي، كان يقتحم المسجد الأقصى برفقة أعداد قليلة، لكنه واصل خلال سنوات محاولاته لإقامة الطقوس التلمودية في باحاته، ووصل الأمر في مراحل معينة إلى المطالبة بإقامة كنيس يهودي هناك.
هدم الأقصى وإقامة "الهيكل الثالث"
ويؤكد عباس أن اليمين الديني الإسرائيلي المتطرف يسعى في نهاية المطاف إلى هدم الأقصى وإقامة "الهيكل الثالث" مكانه، فيما كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يتدخل في مراحل سابقة للحد من تحركات بن غفير عندما لم يكن بحاجة إليه سياسياً، ومن ذلك مطالبته بالتراجع عن اقتحامات أو محاولات إقامة صلوات، وإخلاء مكتب صوري أقامه في القدس الشرقية.
خطوات بن غفير المتدحرجة
ويشير عباس إلى أن الوضع تغير بعد تولي بن غفير وزارة الأمن القومي، إذ بدأ بإصدار تعليمات للشرطة الإسرائيلية بالسماح بأعداد كبيرة من اليهود باقتحام باحات الأقصى، بعدما كانت الشرطة تمنع في السابق محاولات الصلاة أو الركوع أو الانبطاح داخل الحرم. ونتيجة لذلك، بات المئات من اليهود، خصوصاً خلال المناسبات الدينية، يقتحمون المسجد ويؤدون الصلوات والرقص والطقوس الدينية، بموافقة بن غفير، رغم تأكيداته السابقة أن "الوضع القائم" سيبقى على حاله.
ويؤكد عباس أن ما يصفه بن غفير اليوم بتغيير الواقع هو في الحقيقة نتيجة مسار استمر نحو ثلاث سنوات ونصف، نجح خلالها في تغيير قواعد اللعبة داخل الأقصى، بما في ذلك منع المسلمين من الدخول في أوقات معينة لإتاحة المجال لليهود للتحرك بحرية، حتى أصبح الاقتحام يتم بالعشرات والمئات بصورة شبه يومية.
مخاوف من تغيير كامل في الوضع القائم
ويرى عباس أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى تغيير كامل في الوضع القائم، وزيادة الوجود اليهودي ومواصلة الصلاة والطقوس دون القيود السابقة، وصولاً إلى إقامة كنيس وأماكن صلاة يهودية داخل الباحات.
ويحذّر عباس من أن صمت العالمين العربي والإسلامي والاكتفاء بالتنديد يشجعان هذا المسار، داعياً إلى تحرك عربي وإسلامي سري وفعّال، عبر الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي، للضغط على إسرائيل وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل تولي بن غفير منصبه.
ويؤكد عباس أن عدم التحرك قد يدفع بن غفير لاحقاً نحو السيطرة الكاملة على باحات الأقصى، وصولاً إلى تقييد قدرة المسلمين على إقامة صلواتهم بأعداد كبيرة في المكان المقدس.
خطوات تتجاوز البعد الديني
يحذّر الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال من خطورة تصريحات بن غفير بشأن "التأسيس المعنوي للهيكل"، معتبراً أن دلالتها السياسية والأمنية تتجاوز البعد الديني، كونها تشير إلى محاولة تحويل اقتحامات المسجد الأقصى والطقوس اليهودية من ممارسات هامشية إلى مسار سياسي تدريجي يستهدف تغيير هوية المكان وواقعه.
ويوضح نزال أن الجديد في تصريحات بن غفير هو الانتقال من تقديم الاقتحامات إسرائيلياً باعتبارها اقتحامات استفزازية وفردية إلى منحها هدفاً استراتيجياً يتمثل في الوصول إلى "الهيكل".
تثبيت وجود يهودي دائم في الأقصى
ويوضح نزال أن المسار يقوم على التدرج، بدءاً من الطقوس والصلاة وإدخال الأدوات الدينية وتحديد أوقات لها، وصولاً إلى تثبيت وجود يهودي دائم داخل المسجد الأقصى.
ويشير نزال إلى أن تحذيرات صدرت سابقاً عن إسرائيليين علمانيين وليبراليين وديمقراطيين من السماح بالصلاة اليهودية داخل الأقصى، خشية أن تقود لاحقاً إلى المطالبة بإنشاء كنيس داخله، ومن ثم فتح الطريق أمام مطالب أكثر تقدماً مرتبطة بالهيكل.
خطورة "التأسيس المعنوي" للهيكل
ويبيّن نزال أن "التأسيس المعنوي" للهيكل قد يكون أخطر من الإعلان عن البناء المادي، لأن إقامة الهيكل فعلياً في الوقت الراهن تواجه عقبات سياسية وأمنية هائلة، بينما يتركز الهدف في المرحلة الحالية على تغيير مفهوم المكان ووظيفته وهويته، وكسر الوضع القائم فيه. ويحذّر نزال من أن تغيير قواعد الصلاة في المسجد الأقصى، مهما بدا محدوداً، يمكن أن يتحول إلى سابقة يصعب التراجع عنها، بما يحمل مخاطر أمنية وسياسية كبيرة.
ويؤكد نزال أن خطورة بن غفير لا ترتبط بكونه صاحب أفكار متطرفة فقط، بل بكونه وزيراً للأمن القومي، ما يجعل ظهوره داخل الأقصى تحت حماية الشرطة والأجهزة الأمنية ذا دلالة مختلفة، ويفتح المجال أمام استخدام مؤسسات الدولة لحماية فرض الأمر الواقع.
استمرار "الزحف التدريجي"
ويرجّح نزال استمرار "الزحف التدريجي" باعتباره السيناريو الأكثر احتمالاً في المرحلة الحالية، خصوصاً قبل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، في حال إجرائها وعدم تأجيلها، عبر زيادة الاقتحامات وأعداد المقتحمين والمصلين اليهود، وتوسيع الطقوس وإدخال الأدوات الدينية وتمديد ساعات الوجود اليهودي، بما يسمح بتغيير الوضع القائم دون انفجار مباشر.
أما السيناريو الثاني، وفق نزال، فيتمثل في فرض التقسيم الزماني والمكاني، عبر تخصيص أوقات ومناطق للصلاة اليهودية، على غرار نموذج الحرم الإبراهيمي في الخليل.
والسيناريو الثالث وفق نزال، إقامة كنيس أو منشأة للصلاة اليهودية، بما يعني الانتقال من تغيير قواعد الزيارة إلى تغيير البنية الدينية للمكان.
ويشير نزال إلى أن السيناريو الرابع في انفجار أمني واسع تخشاه دوائر الأمن الإسرائيلية، قد يمتد من القدس إلى الداخل الفلسطيني والضفة وغزة، وربما إلى دول عربية وإسلامية.
ويلفت نزال إلى أن المخطط القريب ليس بناء الهيكل غداً، وإنما بناء سلسلة من الوقائع الصغيرة التي تجعل فكرة الهيكل أقل غرابة وأكثر قابلية للتطبيق السياسي.
واقع ديني وسياسي وأمني جديد
يحذّر الكاتب والمحلل السياسي المقدسي إسماعيل مسلماني من أن اقتحام بن غفير للمسجد الأقصى يتجاوز كونه حدثاً منفرداً، معتبراً أن ما يجري يندرج ضمن مسار تراكمي يستهدف تحويل الوجود اليهودي في المسجد من اقتحامات استثنائية إلى واقع ديني وسياسي وأمني جديد.
ويشير مسلماني إلى أن بن غفير اقتحم الأقصى للمرة الـ19 في 31 أغسطس / آب الماضي، وربط خطابه بما وصفه بـ"التأسيس المعنوي للهيكل".
محاولة تغيير طبيعة المكان
ويوضح مسلماني أن أخطر دلالات هذا المسار تتمثل في الانتقال من مجرد الاقتحام إلى محاولة تغيير طبيعة المكان، عبر تطبيع الصلاة والطقوس اليهودية وصولاً إلى تكريس مفهوم "السيادة اليهودية" على الأقصى، لافتاً إلى تحولات ظهرت خلال عام 2026، بينها السماح بإدخال كتب الصلاة وظهور الصلاة العلنية بنصوص دينية يهودية.
تطبيع فكرة الهيكل
ويبيّن مسلماني أن "التأسيس المعنوي" يعني عملياً خلق الوعي والاعتياد والشرعية الدينية والسياسية لفكرة الهيكل قبل الانتقال إلى بنائه فعلياً، بحيث يصبح وجود اليهود وصلاتهم وطقوسهم داخل الأقصى أمراً عادياً، بعد تجاوز ما كان يعد ممنوعاً أو غير ممكن.
ويحذّر من أن الخطر يكمن في تراكم تغييرات تبدو صغيرة، مثل زيادة أعداد المقتحمين، والصلاة والطقوس الجماعية، ورفع الأعلام، وتوسيع ساعات الزيارة، وصولاً إلى فرض تقسيم مكاني أو زماني وتحويل هذه الممارسات إلى "وضع قائم جديد"، بما يضرب قواعد "الستاتيكو" التي استقرت بعد عام 1967.
في قلب الخطاب الإسرائيلي
ويشير مسلماني إلى أن للأمر بعداً سياسياً داخلياً إسرائيلياً، إذ يستخدم بن غفير الأقصى لتثبيت موقع اليمين الديني والقومي، وتحويل القضية من ملف أمني إلى قضية هوية وسيادة يهودية، بالتزامن مع انتقال أفكار كانت هامشية إلى قلب الخطاب السياسي الإسرائيلي.
كما حذّر مسلماني من تداعيات إقليمية واسعة، نظراً لارتباط الأقصى بدور الأردن في إدارة الأوقاف، وقدرته على إشعال القدس والضفة والداخل الفلسطيني، وربما توسيع المواجهة إقليمياً.
خمسة سيناريوهات محتملة
ويطرح مسلماني خمسة سيناريوهات، أولها والأرجح استمرار التدرج وفرض الأمر الواقع، عبر زيادة الاقتحامات والصلاة والطقوس وتوسيع أوقات الوجود اليهودي، والثاني انتقال الحكومة إلى قرار رسمي أو شبه رسمي يعترف بالصلاة اليهودية وحقوق دينية يهودية في الأقصى، والثالث انفجار أمني واسع نتيجة حادثة أو طقس استفزازي، والرابع احتواء المسار عبر ضغط أردني وعربي ودولي، بمشاركة أميركية، أما الخامس والأخطر، فهو الانتقال من "التأسيس المعنوي" إلى تغييرات مادية في أبنية وساحات الأقصى أو فرض ترتيبات دينية دائمة، بما يحوّل الصراع إلى صراع ديني مفتوح.
ويشير مسلماني إلى أن الأرجح حالياً هو السيناريو الأول، مع اختبار تدريجي للانتقال نحو الثاني، مؤكداً أن بن غفير لا يحتاج في هذه المرحلة إلى بناء الهيكل، بقدر ما يسعى إلى جعل الصلاة والطقوس والسيادة اليهودية على الأقصى أمراً طبيعياً ومتكرراً.
خطة شاملة لتهويد القدس
يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان توفيق العابد تصاعد خطورة المخططات الإسرائيلية تجاه مدينة القدس والمسجد الأقصى، معتبراً أن ما يجري يأتي ضمن خطة شاملة لحكومة اليمين الإسرائيلي لتهويد المدينة وإفراغها تدريجياً من سكانها الفلسطينيين، بالتوازي مع تصعيد الاستيطان في أحيائها الشرقية والمناطق المحيطة بها، بما يؤدي إلى عزلها عن محيطها الفلسطيني من الشمال والوسط والجنوب.
ويوضح العابد أن سياسة التضييق على الفلسطينيين في القدس تشمل تقييد البناء إلى أدنى المستويات، وعدم السماح بإصلاح الأضرار التي تلحق بالمنازل القديمة، وهدم المنازل، والتضييق على الحياة المعيشية، بالتزامن مع زيادة الاستيطان داخل الأحياء الفلسطينية وحول المدينة، مؤكداً أن هذه الإجراءات تشكل جزءاً من المخطط الإسرائيلي الشامل لتهويد القدس وإخراج سكانها العرب الفلسطينيين منها.
استغلال الظروف المحيطة
وفي ما يتعلق بالمسجد الأقصى، يوضح العابد أن هناك مخططاً واضحاً وممتداً لهدم المسجد وبناء "الهيكل" المزعوم، مشيراً إلى أن الاحتلال ينفذ هذا المخطط تدريجياً ويستغل الظروف المحيطة لتمرير خطواته.
ويلفت العابد إلى أن الاقتحامات التي كانت تتم بصورة فردية تحولت إلى اقتحامات جماعية، ثم إلى مشاركة مسؤولين إسرائيليين، وصولاً إلى أداء صلوات تلمودية، وتقييد دخول المسلمين وصلاتهم، وإغلاق الأقصى لفترات، ومحاولات منع الأذان، فضلاً عن مشاركة بن غفير وغيره من المسؤولين في الطقوس، ونفخ البوق.
تهيئة الرأي العام
ويؤكد العابد أن الحفريات أسفل المسجد الأقصى ومحاولات الربط بين مواقع أثرية والبحث المزعوم عن "الهيكل"، إلى جانب الادعاءات التلمودية، تهدف إلى تهيئة الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي لما هو قادم، موضحاً أن المخطط المقبل يتمثل في فرض الإغلاق وتحديد أيام، بينها السبت، للصلاة اليهودية داخل المسجد أو ساحاته ومنع المسلمين من الدخول، بما يكرّس "التقسيم الزماني"، إلى جانب مخططات لإنشاء كنيس في ساحات الأقصى.
ويؤكد العابد أن هذه الإجراءات تمثل "تهيئة معنوية" لإقامة الهيكل فعلياً، محذراً من أن استمرار النهج الإسرائيلي قد يجعل وجود الأقصى نفسه موضع خطر، ويفتح الباب أمام حرب دينية وربما حرب شاملة في المنطقة إذا لم تكن الردود العربية والإسلامية بمستوى خطورة الحدث.
تكثيف التحرك الفلسطيني والدبلوماسي
ويدعو العابد إلى تكثيف التحرك الفلسطيني والدبلوماسي، ودعم القدس ومواطنيها، وتفعيل العمل مع منظمة التعاون الإسلامي والدول العربية والإسلامية والدول الصديقة والفاتيكان والبابا، إضافة إلى طرح القضية بجدية في الحوار مع الولايات المتحدة.
ويحذر العابد من أن استمرار حكومة اليمين المتطرف، وتمكنها من تشكيل حكومة مقبلة، قد يقود إلى واقع لا يستمر فيه الأقصى "كمسجد قائم في مدينة القدس".
في السياق الانتخابي
يوضح الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بشأن ما وصفه بـ"التأسيس المعنوي للهيكل" يجب فهمها ضمن إطارين متداخلين، أولهما سياسي داخلي إسرائيلي يرتبط بالبيئة السياسية والانتخابية والقاعدة الجماهيرية لليمين المتطرف، والثاني يتصل بالسياسات والممارسات الإسرائيلية المتراكمة تجاه المسجد الأقصى.
ويبين بشارات أن إسرائيل تشهد حالياً "حمى" في التصريحات والمواقف المرتبطة بالبيئة الانتخابية، في ظل سعي اليمين المتطرف إلى تسويق المبادئ التي يتغنى بها أمام قاعدته الشعبية، سواء تعلق الأمر بمفهوم "الهيكل"، أو الاستيطان، أو السيطرة، أو غيرها من المواقف التي تشكل جوهر خطابه السياسي.
عقلية إيتمار بن غفير
ويرى بشارات أنه لا يمكن فصل تصريحات بن غفير عن "التأسيس المعنوي للهيكل" عن مواقف أخرى يتبناها، بما فيها الفيديو الذي جرى نشره بشأن إهانة وتوبيخ الأسيرات الفلسطينيات، وغيرها من الفيديوهات والمواقف التي تظهر بين الحين والآخر، والتي يعتقد بن غفير أنها تمكنه من الحفاظ على قاعدته الانتخابية أو توسيعها، من خلال تبني مواقف شديدة العداء للحقوق الفلسطينية.
سياسة إسرائيلية قديمة
ويبيّن بشارات أن الحديث عن "التأسيس المعنوي للهيكل" يأتي في سياق سياسات إسرائيلية مرتبطة بالاعتداءات على المسجد الأقصى، والحفريات التي جرى العمل عليها على مدار سنوات طويلة، وحفر الأنفاق والاعتداءات الممنهجة، إلى جانب الزيارات والمسيرات التي قادها بن غفير واقتحامات المسجد الأقصى، معتبراً أن مجمل هذه الممارسات يتجاوز في الواقع مجرد التأسيس المعنوي.
ويؤكد بشارات أن بن غفير يحاول استغلال المرحلة الراهنة لطرح نفسه باعتباره الشخص الذي أسس لهذا المشروع أو المنظور، بما يسمح له بتحقيق النتيجة التي يسعى إليها، وتكريس صورته بوصفه "الأب الروحي" لمفهوم إقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى أو بديلاً عنه.
الخطاب المتطرف على حساب الحقوق الفلسطينية
وحول السيناريوهات المقبلة، يرجّح بشارات ارتفاع وتيرة التصريحات والمواقف الإسرائيلية وصولاً إلى الانتخابات، وتصاعد المواقف المرتبطة باليمين المتطرف على حساب الحقوق الفلسطينية السياسية والإنسانية والدينية. ويؤكد بشارات أن بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وغيرهما من أقطاب اليمين المتطرف سيسعون خلال هذه المرحلة إلى جعل الفلسطيني، والثمن الذي يدفعه، "رمزية أساسية" في مواقفهم السياسية، بما يخدم خطابهم الانتخابي ويعزز حضورهم داخل الشارع الإسرائيلي.
نمط متكرر في تصريحات بن غفير
يحذّر الكاتب والباحث المختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع من خطورة ما كشفه بن غفير عن مخطط لـ"التأسيس المعنوي للهيكل" في المسجد الأقصى، موضحاً أن المصطلح يعكس نمطاً متكرراً في تصريحات بن غفير وممارسات منظمات "جبل الهيكل" خلال السنوات الأخيرة، يقوم على فرض واقع جديد داخل المسجد بصورة تدريجية وتراكمية.
ويبين مناع أن الفكرة الأساسية لهذا المسار تتمثل في فرض "الهيكل" عبر تطبيع طقس تلمودي جديد في كل موسم، مثل نفخ البوق والسجود الملحي و"بركات الكهنة"، وصولاً إلى أحدث المحاولات المتمثلة في فتح المسجد أمام المقتحمين يوم السبت، أسوة بيوم الجمعة المخصص للمسلمين.
وبحسب مناع، فإن كل خطوة قد تبدو منفردة رمزية أو محدودة، لكنها عند تراكمها تنتج ما تسميه هذه الجهات "تأسيساً معنوياً"، بما يمهّد لاحقاً لتأسيس مادي فعلي للهيكل.
خطوة مشابهة لتقسيم الحرم الإبراهيمي
ويشير مناع إلى أن خطورة المخطط تتمثل أيضاً في سيره بالتوازي مع محاولات فرض تقسيم زماني ومكاني للأقصى، وتحويله من مسجد إسلامي خالص إلى ما يوصف بـ"مقدس مشترك"، محذراً من تكرار تجربة الحرم الإبراهيمي في الخليل، بالتزامن مع تسارع هذه الخطوات مع اقتراب الأعياد اليهودية، التي تعد تاريخياً من أكثر المواسم استهدافاً للمسجد.
ويطرح مناع أربعة سيناريوهات محتملة، أولها استمرار النهج التدريجي، وهو الأرجح على المدى القريب، عبر تطبيع طقس جديد كل موسم دون إعلان حاسم، وثانيها تصعيد حاد خلال الأعياد، يشمل زيادة الاقتحامات ومشاركة وزراء وأعضاء كنيست ومحاولة فرض الدخول الجماعي يوم السبت.
أما السيناريو الثالث وهو الأخطر، وفق مناع، فيتمثل في تحويل الممارسات إلى ترتيب شبه رسمي للتقسيم الزماني والمكاني يصعب التراجع عنه، فيما يتمثل السيناريو الرابع في كبح المسار بفعل تدخل أردني أو عربي أو دولي، أو نتيجة ضغوط أمنية داخلية إسرائيلية.
المصدر:
القدس