شهدت مناطق جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً مكثفاً صباح اليوم الجمعة، حيث استهدف القصف المدفعي الإسرائيلي محيط بلدتي بيت ليف وصربين، بالإضافة إلى بلدات المنصوري ومجدل زون وبيوت السياد. وأفادت مصادر ميدانية بأن الطيران الحربي نفذ سلسلة غارات ليلية عنيفة طالت أطراف بلدة زوطر الشرقية وبلدة المنصوري، مما أدى إلى أضرار مادية جسيمة في الممتلكات.
وفي تطور ميداني لافت، نفذت قوات الاحتلال عمليات تفجير واسعة في بلدة حولا، تزامنت مع تحليق مكثف ومنخفض للطيران الحربي والمسيّر فوق قرى الجنوب. وتتركز العمليات العسكرية حالياً في منطقة مرتفعات علي الطاهر، حيث تواصل المسيّرات الإسرائيلية إسقاط براميل متفجرة لتعزيز السيطرة الميدانية وتدمير ما يوصف بالبنى التحتية العسكرية.
من جانبه، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مقطع مصور ليعلن ما وصفه بـ'احتلال' مرتفعات علي الطاهر، زاعماً أنها لم تعد تشكل أي تهديد أمني على إسرائيل. وادعى نتنياهو أن الجيش تمكن من الاستحواذ على حواسيب وأسلحة متطورة تابعة لحزب الله، مؤكداً مقتل عدد من المسلحين خلال المواجهات التي جرت في المنطقة الاستراتيجية.
وأوضح نتنياهو أن هذه العملية العسكرية كانت تدار بسرية تامة وتحت رقابة عسكرية مشددة، مشيراً إلى أنه أصدر تعليمات مباشرة بمواصلة العمل في التلة. وتعتبر إسرائيل هذه المرتفعات امتداداً جغرافياً لمرتفعات الشقيف التي سيطرت عليها سابقاً، وتصنفها كموقع استراتيجي حيوي كان يستخدمه حزب الله لإدارة عملياته.
في سياق متصل، ادعى جيش الاحتلال تحقيق 'سيطرة عملياتية' كاملة فوق الأرض وتحتها في منطقة علي الطاهر، معلناً استكمال ما سماه عمليات تطهير الأنفاق. وزعمت التقارير العسكرية الإسرائيلية العثور على مسارين تحت الأرض يضمان غرف عمليات ومخازن للأسلحة ومرافق معيشية متكاملة تتيح البقاء لفترات طويلة.
ورغم هذه الادعاءات العريضة، أشارت مصادر إعلامية إلى غياب الأدلة البصرية والمقاطع المصورة التي تثبت وجود هذه المنشآت الضخمة تحت الأرض حتى اللحظة. ويثير هذا التكتم تساؤلات جدية حول دقة الرواية الإسرائيلية وحجم الإنجاز الميداني الفعلي الذي تم تحقيقه في تلك المنطقة الوعرة.
وتشير التقديرات الأمنية الإسرائيلية إلى أن مرتفعات علي الطاهر لا تكمن أهميتها في موقعها الجغرافي المطل على الجليل الأعلى والمطلة فحسب، بل في كونها مركز قيادة مفترض. وتدعي هذه المصادر أن الموقع كان يضم مقر قيادة 'وحدة بدر' التابعة لحزب الله، وهي إحدى الوحدات الأساسية في هيكلية الحزب العسكرية بجنوب لبنان.
وعلى الجانب اللبناني، يسود صمت رسمي تجاه التطورات الأخيرة في مرتفعات علي الطاهر، حيث لم تصدر الحكومة اللبنانية أي بيان يؤكد أو ينفي المزاعم الإسرائيلية. ونقلت مصادر مقربة من حزب الله أن الحديث الإسرائيلي عن وجود 'مسارين' فقط في الأنفاق قد يشير إلى فشل الاحتلال في فرض سيطرة كاملة على الشبكة التحتية.
وتعتبر مراسلة ميدانية أن التصعيد الأخير في محافظة النبطية هو الأكبر من نوعه منذ بدء المواجهات، خاصة مع استخدام أساليب تدميرية جديدة. وأوضحت أن الصور التي نشرها الجيش الإسرائيلي لا تظهر المنشآت الضخمة أو مخازن الذهب والأموال التي روجت لها الماكينة الإعلامية الإسرائيلية في وقت سابق.
وتأتي هذه التطورات في ظل حالة من الغموض السياسي، حيث تتضارب الأنباء حول مدى التزام الأطراف بوقف إطلاق النار في ظل التهديدات المتبادلة. وكانت تقارير إسرائيلية قد نقلت عن مسؤولين إقليميين تحذيرات من أن سقوط تلة علي الطاهر قد يؤدي إلى ردود فعل عسكرية غير مسبوقة تتجاوز الحدود اللبنانية.
ميدانياً، لا تزال الأسئلة مطروحة حول حقيقة الوضع في المرتفعات، بانتظار ردود فعل ميدانية أو سياسية واضحة من جانب المقاومة في لبنان. ويرى مراقبون أن المبالغة الإسرائيلية في توصيف أهمية الموقع قد تكون محاولة لتحقيق نصر معنوي في ظل استمرار الاستنزاف العسكري على الجبهة الشمالية.
ويواصل الاحتلال سياسته القائمة على الأرض المحروقة في القرى الحدودية، حيث تهدف التفجيرات المستمرة إلى مسح المعالم الجغرافية ومنع أي عودة قريبة للسكان. وتتزامن هذه العمليات مع تحليق مكثف للطيران الاستطلاعي الذي لا يغادر أجواء الجنوب، مما يشير إلى نية الاحتلال توسيع نطاق عملياته.
يُذكر أن العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان منذ مطلع مارس 2026 قد أدى إلى كارثة إنسانية كبرى، مع تجاوز عدد الشهداء حاجز الأربعة آلاف. كما تسبب القصف العنيف في تدمير آلاف الوحدات السكنية ونزوح أكثر من مليون لبناني من قراهم ومدنهم في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى مرتفعات علي الطاهر نقطة ارتكاز للصراع الحالي، حيث يسعى كل طرف لفرض سرديته الخاصة حول السيطرة الميدانية. ومع استمرار الغموض، تظل الأعين شاخصة نحو الميدان الذي سيكون الحكم النهائي في تحديد موازين القوى على الأرض اللبنانية.
المصدر:
القدس