آخر الأخبار

سليمان منصور: الفنان الذي وثق فلسطين بالذاكرة البصرية

شارك

د. المتوكل طه: منصور تمكن من جعل الفن التشكيلي مُكوّناً بمنتهى الحيوية والجمالية الإبداعية بعدما كان الأدب يتصدر المشهد الإبداعي في فلسطين
خالد الحوراني: رحيل سليمان منصور يمثل نهاية عصر كامل أسهم فيه بتشكيل هوية فلسطين وصورتها التي تربت عليها أجيال فلسطينية وشاهدها العالم
تحسين يقين: الراحل سليمان منصور واكب الحياة وتحولات فلسطين وعبّر عن ذلك بصورة أصيلة دون تقليد فطوّر الفن الفلسطيني شكلاً ومضموناً
رانية العامودي: الإرث الفني هو ما يجعل الفنان حاضراً بعد رحيله وأعمال سليمان منصور ستظل تقاوم الفناء والموت وتبقيه حاضراً بين الفلسطينيين
عبد الغني سلامة: سليمان منصور منح للأجيال الفلسطينية ذاكرة بصرية استقرت بمخيلاتهم منذ تفتّح وعيهم الأول على فلسطين بوصفها وطناً وفكرة
منذر جوابرة: حضور منصور تجاوز المستوى المحلي وأعماله أصبحت موجودة في متاحف عالمية ما يعكس دوره الكبير بإيصال الفن والرموز الفلسطينية للعالم



رام الله – خاص بـ"القدس" –
برحيل الفنان التشكيلي الكبير سليمان منصور، قبل أيام، تفقد فلسطين واحداً من أبرز الذين لم يكتفوا برسم تفاصيلها، بل منحوا تلك التفاصيل لغة بصرية ظلت حاضرة في الوعي الجمعي، خاصةً لوحة "جمل المحامل" التي علقت بذاكرة وقلب كل فلسطيني، حاملة هموم القدس والوطن.
ويؤكد كتاب ونقاد وأدباء وفنانون تشكيليون، في أحاديث مع "ے"، أن الأرض والقدس والزيتون والمرأة والفلاح والقرية لم تكن في تجربة الراحل منصور موضوعات عابرة، وإنما مكونات لهوية فلسطينية صاغها بالألوان والخامات، وحوّلها إلى صور رافقت أجيالاً وتجاوز حضورها حدود المكان.
على مدى عقود، أخذ الفن التشكيلي الفلسطيني، عبر تجربة منصور وجيله، موقعاً متقدماً في المشهد الثقافي، بعدما كان الأدب والشعر يحتلان المساحة الأوسع من الحضور الإبداعي، وفق الكتاب والأدباء والفنانين.
ويؤكدون أن منصور تمكن من تطوير أسلوب خاص يستند إلى البساطة والعمق في آن، ويواكب تحولات فلسطين السياسية والاجتماعية والإنسانية، من دون أن يحصرها في الخطاب السياسي المباشر.
ويوضحون أن منصور -من لوحته "جمل المحامل" إلى أعماله عن الزيتون والمرأة والقرية والحقل والمقاومة- ظل يبتكر أشكالاً وموضوعات جديدة، مستحضراً الأرض حتى في خامات أعماله، ليصبح الفن لديه امتداداً للمكان والذاكرة.
إلا أنهم يشددون على أن إرث منصور لا يتوقف عند لوحاته، فقد كان حاضراً في بناء الحركة التشكيلية الفلسطينية من خلال التدريس، وتنظيم المعارض، والعمل المؤسسي، ودعم الفنانين، والمشاركة في تأسيس مؤسسات فنية وثقافية، وانتقلت أعماله من الجدران الفلسطينية إلى فضاءات ومتاحف ومؤسسات عالمية، فيما اكتسبت "جمل المحامل" مكانة استثنائية بوصفها إحدى أكثر الصور التصاقاً بالذاكرة الفلسطينية، بما تحمله من رمزية القدس والنكبة والصمود.
ويشددون على أنه بينما يترك رحيل منصور فراغاً يصعب ملؤه، تبقى أعماله شاهدة على تجربة جعلت من الفن وسيلة لحفظ فلسطين من الغياب، ومن اللوحة مساحة لاستمرار الذاكرة والهوية عبر الأجيال.


المبدعون لا يموتون

يؤكد الشاعر والأديب المتوكل طه أن المبدعين من قامة الفنان التشكيلي الراحل سليمان منصور "لا يموتون تماماً"، معتبراً أن موتهم مجازي، لأن رحيل الأجساد لا يعني غياب الإبداع، الذي يبقى حاضراً ويسعى بين الناس، مشدداً على أن منصور سيظل حاضراً بما تركه من ألوان ولوحات وحضور فني وصفه بالمعجز والعبقري.
ويوضح طه أن منصور تمكن من جعل الفن التشكيلي مكوناً واسعاً وعميقاً وأساسياً وجوهرياً، وبمنتهى الحيوية والجمالية الإبداعية، في المشهد الفلسطيني، بعدما كان الأدب يتصدر المشهد الإبداعي في فلسطين.
ويشير طه إلى أن منصور، خصوصاً في الأرض المحتلة بعد النكسة، استطاع، إلى جانب مجموعة من المبدعين، تحويل الفن التشكيلي إلى أحد أشكال الإبداع العظيم، بحيث أصبح منافساً للشعر والرواية في الحضور والتأثير.

الفن التشكيلي الفلسطيني ينازع مدارس عالمية

ويوضح طه أن تجربة منصور أسهمت في تأكيد امتلاك فلسطين فناً تشكيلياً قادراً على منازعة العديد من المدارس الفنية الإقليمية والعالمية، مشيراً إلى أن أهمية تجربته لم تقتصر على حضورها في المشهد الفلسطيني، وإنما امتدت إلى قدرتها على تقديم نموذج فني ذي خصوصية واضحة.
ويلفت طه إلى أن منصور تمكن كذلك من "اختراع أشكال فنية جديدة" غير مطروقة أو مستهلكة من قبل، وأصّل وأسس جمالية فنية خاصة به، انغمست في الهم الفلسطيني، وحملت الحلم الفلسطيني والخلاص الفلسطيني، ما جعل تجربته مرتبطة ارتباطاً عميقاً بالقضية والهوية والذاكرة.

لوحات سليمان منصور.. هوية لفلسطين

ويؤكد طه أن لوحات سليمان منصور أصبحت بمثابة هوية لفلسطين عبر تدرجها وانتقالها من مرحلة إلى أخرى، بدءاً من مرحلة لوحة "جمل المحامل"، وصولاً إلى الأعمال التي خلّد من خلالها القدس والحياة الفلسطينية بمختلف تفاصيلها.
ويشدد طه على أن رحيل منصور يمثل خسارة فادحة للفلسطينيين جميعاً، قائلاً: "إن فلسطين اليوم ناقصة جداً دون سليمان منصور"، في تعبير عن حجم المكانة التي احتلها الفنان في الوجدان والمشهد الثقافي والفني الفلسطيني.
ويؤكد طه أن إرث منصور الإبداعي سيبقى حاضراً رغم غياب جسده، باعتباره واحداً من المبدعين الذين تجاوز أثرهم حدود العمر والزمن، وتركوا وراءهم فناً متصلاً بالهوية الفلسطينية وقادراً على مواصلة الحضور والتأثير.

نهاية عصر كامل

يؤكد الفنان التشكيلي والكاتب خالد الحوراني أن فلسطين فقدت برحيل الفنان التشكيلي الراحل سليمان منصور واحداً من أعلامها الكبار، معتبراً أن رحيله يمثل نهاية عصر كامل أسهم به في تشكيل صورة فلسطين وهويتها التي تربت عليها أجيال فلسطينية، وشاهدها العالم.
ويوضح الحوراني أن منصور، الذي أمضى أكثر من 50 عاماً في الفن، لم يكتفِ برسم فلسطين، بل أسهم في تشكيل صورتها وصورة الفلسطينيين عن أنفسهم، من خلال إنتاجه الفني وعمله الإداري والتعليمي، وكفاحه المتواصل لإيصال صورة فلسطين والفلسطينيين إلى العالم.
وبحسب الحوراني، فإن فناناً بمستوى منصور، وبحجم عطائه وإبداعه، يكاد "يمر كل ألف سنة"، مشيراً إلى أن أثره سيبقى في الذاكرة ولن يزول، إلى جانب مبدعين مثل محمود درويش وإميل حبيبي وغسان كنفاني.

الفلسطينيون يفقدون جزءاً منهم

ويشير الحوراني إلى أن التفاعل الواسع مع رحيل منصور خلال اليومين الماضيين، وخصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، يعكس شعور الفلسطينيين بأنهم فقدوا عزيزاً وجزءاً من ذاكرتهم، لافتاً إلى أن منصور لم يكن صاحب سلطة سوى فنه ولوحاته وألوانه. ويؤكد الحوراني أن دور الراحل منصور تجاوز الإنتاج الفني إلى دعم الفنانين ومساعدتهم وتنظيم المعارض، والمساهمة في تشكيل رابطة الفنانين التشكيليين، والأكاديمية الدولية للفنون، ومركز الواسطي للقدس، مؤكداً أنه ظل حتى رمقه الأخير نشيطاً وفاعلاً إلى جانب عمله في الاستوديو والرسم.

البحث عن جمل المحامل

ويتحدث الحوراني عن علاقته الشخصية بمنصور، موضحاً أنه أجرى معه مقابلات عديدة خلال إعداده كتاب "البحث عن جمل المحامل"، الذي تناول فيه الحوراني قصة تلك اللوحة الأيقونية، وكيف بيعت للرئيس الليبي العقيد معمر القذافي، وما آلت إليه بعد أحداث الربيع العربي التي شهدتها ليبيا، إلى جانب البحث في تاريخ رسمها وكل القصص المرتبطة بها.
ويؤكد الحوراني أن لوحة "جمل المحامل" دخلت، ببساطة، إلى كل بيت فلسطيني، رغم أن منصور أنجزها في سن الرابعة والعشرين، وظلت أبرز أعماله، رغم إنتاجه لاحقاً مئات الأعمال الجميلة.

سليمان منصور.. الزوج والأب

ويبيّن الحوراني أن منصور وُلد في بيرزيت، وعاش وتربى في القدس، حيث درس في مدرسة الأيتام بعد رحيل والده المبكر، وتأثر في فنه ببيئة بيرزيت من الكروم والسنابل والأرض والطين وشجر الزيتون والسهول، كما درس الفن في كلية "بتسلئيل" في القدس، لكنه لم يكمل تعليمه فيها بسبب شعوره بالتمييز، قبل أن يواصل تعليمه ذاتياً، ويعمل مدرساً في أكاديمية الفنون وكلية مجتمع المرأة في رام الله، ويواصل تعليم الطلاب حتى بصورة فردية.
ويشير الحوراني إلى أن منصور كان زوجاً للسيدة حنان، وأباً لفارس، وباسل، وسحر، وعبير، وعاش في القدس إلى حين رحيله عن عمر 79 عاماً، ودفن في مسقط رأسه ببلدة بيرزيت شمال رام الله، معرباً عن حزنه لفقدانه، في ظرف فلسطيني صعب، قائلاً: "إن رحيله أضاف إلى فلسطين حزناً وأسى كبيراً".

كبير فناني الأرض المحتلة

يؤكد الناقد الأدبي والفني تحسين يقين أن الفنان التشكيلي الفلسطيني الراحل سليمان منصور كان يُلقَّب بـ"كبير فناني الأرض المحتلة"، حيث أن هذا اللقب جاء استحقاقاً وكفاءة، نظراً إلى تجربته الفنية الممتدة وقدرته على رسم فلسطين بمكوناتها الطبيعية والوطنية والسياسية والإنسانية، بعيداً عن اختزال تجربته في الشعار السياسي وحده.

فنان انتمى للمكان وعبر عنه بكل تنوعاته

ويوضح يقين أن منصور كان فناناً أصيلاً انتمى إلى المكان وعبر عنه بكل تنوعاته، بحيث لم تكن لوحاته مجرد رسومات، وإنما صورة لوطن فلسطين بكل تفاصيله ومكوناته.
ويستعيد تجربة الكاتب الفلسطيني محمود شقير، مشيراً إلى أن القارئ الفلسطيني حين كان يقرأ في طفولته الأدب العالمي، ثم يقرأ قصص شقير، كان يشعر بأن ما يقرأه يخص بلاده ومكانه؛ وهو الإحساس ذاته الذي كانت تمنحه لوحات منصور، التي جعلت فلسطين حاضرة بوصفها وطناً لا مجرد موضوع فني.

مفكر بطريقة تناوله للقضايا والرموز

ويشير يقين إلى أن منصور كان، إلى جانب كونه فناناً، مفكراً في طريقة تناوله للقضايا والرموز، لافتاً إلى أن بساطته الشخصية كانت تترافق مع عمق واضح في التفكير والتعبير.
ويستشهد يقين بتناول منصور لشجرة الزيتون عبر مراحل التحولات التي مرت بها فلسطين خلال نحو نصف قرن؛ إذ رسمها بأشكال مختلفة خلال الاحتلال، ثم أعاد النظر في بعض أعماله مع إقامة جدار الفصل العنصري، وصولاً إلى استعادة لوحاته الأولى وإزالة شجرة الزيتون منها، في تعبير عن واقع لم يعد فيه الفلسطيني قادراً على الوصول إلى شجرته وقطف ثمارها.
ويتوقف يقين عند لوحة "المهاجرة"، التي أنجزها منصور قبل نحو تسع سنوات، وتصور سيدة تحمل كوز الزيتون الفلسطيني والبرتقال في نيويورك، معتبراً أنها تحمل دلالة واضحة على أن الهوية لا تذوب، وأن الفنان كان قادراً على مواكبة العصر وتقديم أعمال غير نمطية، مع التطوير المستمر لأفكاره وعدم تكرار نفسه في لوحاته.

تأثير منصور امتد إلى أجيال فنية مختلفة

ويؤكد يقين أن تأثير منصور امتد إلى أجيال فنية مختلفة، مشيراً إلى أنه امتلك صوته الخاص منذ بداياته، ولم يكن مقلداً للآخرين. ويلفت يقين إلى اهتمام منصور الدائم بالخامات، وعدم اكتفائه برسم فلسطين، بل استخدام موادها في إنتاجه الفني، مستذكراً معرضه "عشر سنوات من الطين"، الذي قدم فيه أعمالاً أقرب إلى الجداريات باستخدام الطين، بما عكس مدى انتمائه إلى الأرض، حتى أصبح طين فلسطين بالنسبة إليه مادة للفن.
ويشدد يقين على أن الراحل منصور "واكب الحياة وتحولات فلسطين"، ولا سيما خلال العقود الثلاثة الأخيرة بعد اتفاق أوسلو، وعبر عنها بصورة أصيلة من حيث الشكل والمادة الخام والمضمون الإنساني للوحات.
ويؤكد يقين أن منصور كان قريباً من الأرض والناس، وبسيطاً في حياته الشخصية، معتبراً أن الفنان العظيم هو الإنسان البسيط غير المتكلف.

خسارة لقامة فنية فلسطينية كبيرة

تؤكد الفنانة التشكيلية رانية العامودي أن رحيل الفنان سليمان منصور يمثل خسارة لقامة فنية فلسطينية كبيرة، مشددة على أن أعماله تجاوزت حدود الفن التشكيلي لتصبح جزءاً من الذاكرة والوجدان الفلسطينيين، لما حملته من تعبير مباشر عن الحياة اليومية الفلسطينية وهموم الناس وتفاصيلها.
وتوضح العامودي أن منصور قدّم خلال مسيرته أعمالاً تناولت فلسطين في مستويات متعددة، من الحقل والمرأة والشجر والقرية، إلى المقاومة وبعض الأحداث التي عاشها الفلسطينيون، كما عبّر عن حياة الفلسطينيين في الوطن والشتات.

سليمان منصور.. السهل الممتنع

وترى العامودي أن ما ميّز تجربة منصور قدرته على التعبير عن الشارع الفلسطيني بأسلوب "السهل الممتنع"، إذ لم تكن لوحاته تحتاج بالضرورة إلى حدث كبير، فقد تكفي فيها صورة المرأة الفلسطينية أو الحقل أو شجرة، لتقول الكثير عن نبض الشارع والهم الفلسطيني.
وتؤكد العامودي أن أثر منصور لم يقتصر على الفنانين، بل وصل إلى الطلاب والناس العاديين، مشيرة إلى أن وزارة التربية والتعليم تناولت أعماله ضمن الأنشطة الطلابية، وأن الطلاب اشتغلوا على عدد من أعماله وتأثروا بأسلوبه والعناصر والموضوعات التي تناولها، ما أسهم في انطباع تجربته في ذاكرتهم، لكن يجب العمل على خطة وطنية للحفاظ على أعماله وترسيخها.
وتستحضر العامودي تجربة شخصية، قائلة: إن والدها، رحمه الله، كان يطبع أعمال منصور ويعلّقها في صالون المنزل أثناء إقامتهم في الغربة، بما يعكس مدى قرب أعماله من المشاعر الفلسطينية لدى المغتربين والمقيمين في الوطن على حد سواء.

أهمية ترسيخ فنه

وتؤكد العامودي أن وزارة التربية والتعليم تعمل على إنشاء منصة للقراءات الفنية في الفن التشكيلي الفلسطيني، على أن تبدأ، وفق الخطة، بأعمال سليمان منصور من خلال قراءة لوحاته وتذوقها والبحث في تفاصيلها.
وتشير العامودي إلى أن الوزارة تتجه أيضاً إلى توثيق أعمال منصور وأرشفتها بصورة رسمية، لافتة إلى أن هذه الخطوات تأتي انطلاقاً من كون منصور أحد مؤسسي الفن الفلسطيني، وليس مجرد فنان ضمن المشهد التشكيلي.
وتؤكد العامودي أن منصور شكّل، إلى جانب مجموعة من الفنانين، جزءاً من جيل حاول تأسيس تجربة فنية فلسطينية ونجح في وضع أسس واضحة لها.
وتشير العامودي إلى أن مسيرة سليمان منصور واكبت مراحل سياسية واجتماعية مختلفة، ومنها فترة مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، كما واصل إنتاج أعماله التي تناولت الفلاحين والمرأة الفلسطينية والقرية والحقل والمقاومة، ووثقت أحداثاً مختلفة، معتبرة أن طريقته في تحويل الأحداث إلى أعمال فنية اتسمت بالذكاء والقدرة على التوثيق بأسلوب غير تقليدي.
وتؤكد العامودي أن رحيل منصور، رغم معاناته الصحية في الفترة الأخيرة، جاء مفاجئاً ومؤلماً، مشيرة إلى أن الفنان الذي أسس وأثر في الفن الفلسطيني محلياً وعالمياً يصعب تقبّل غيابه. وتشدد العامودي على أن الإرث الفني هو ما يجعل الفنان حاضراً بعد رحيله، ولذا فإن أعمال منصور ستظل تقاوم الفناء والموت وتبقيه حاضراً بين الفلسطينيين.

ارتباط وجداني بلوحاته منذ الطفولة

يؤكد الكاتب والباحث القصصي عبد الغني سلامة أن سليمان منصور ترك إرثاً فنياً ووجدانياً سيبقى حاضراً في الذاكرة الفلسطينية ولدى أجيال قادمة، مشيراً إلى أنه، رغم عدم وجود علاقة شخصية تجمعه به، لكنه ارتبط بتجربته الفنية وجدانياً منذ طفولته.
ويوضح سلامة أن أول لوحة فنية شاهدها لمنصور كانت لوحة الشهيدة لينا النابلسي، التي ظهرت فيها بمريولها الأخضر مضجرة بدمائها بعد استشهادها برصاص جنود الاحتلال، مشيراً إلى أن الفنان أبقاها طفلة في ذاكرة الفلسطينيين رغم مرور عقود طويلة على استشهادها.
ويؤكد سلامة أنه ظل يعود مراراً إلى لوحة منصور الأشهر "جمل المحامل"، التي شاهدها مئات المرات، والتي زينت جدران بيوت اللاجئين في أماكن مختلفة، وقدم فيها منصور صورة مسن فلسطيني يحمل القدس على كاهله.
ويؤكد سلامة أن لوحة "جمل المحامل" تحولت إلى أيقونة ترمز إلى نكبة فلسطين، وظلم الاحتلال، وصبر الشعب الفلسطيني وإصراره على البقاء ومواصلة الكفاح، ضمن سردية وطنية تتناقلها الأجيال.

سليمان منصور وتعزيز الذاكرة البصرية

ويشير سلامة إلى أن أهمية منصور بالنسبة إليه وبالنسبة إلى أجيال فلسطينية عديدة تتمثل في أنه منحهم "ذاكرة بصرية" استقرت في مخيلاتهم منذ تفتح وعيهم الأول على فلسطين، بوصفها وطناً وفكرة.
ويلفت سلامة إلى تجربة شخصية جمعته بالفنان قبل سنوات قليلة، حين تواصل معه لاستئذانه في استخدام إحدى لوحاته غلافاً لكتابه "فتح، من نفق عيلبون حتى أفق الحرية"، موضحاً أن منصور وافق دون تردد، وبكلمات طيبة ومشجعة، كما فعل مع مؤلفين ومنتجين آخرين، لافتاً إلى أنه لم يكن من الفنانين الذين يتكسبون من فنهم.

رائد الفن التشكيلي الفلسطيني الحديث

ويصف سلامة منصور بأنه أحد أهم رواد الفن التشكيلي الفلسطيني الحديث، معتبراً أن لوحاته تحولت إلى حكاية فلسطين، إذ جعل الفلسطينيين يرون بلادهم بأجمل صورة، ورسم ملامحها الواضحة وظلالها المخفية.
ويشدد سلامة على أن أعمال منصور لم تكن إبداعاً فنياً فحسب، بل شكلت حارسة للذاكرة كلما حاول الغياب إقصاءها، وحملت رسائل وطنية تؤكد "لن ننسى" وتقول للعالم "هنا باقون".
ويؤكد سلامة أن سليمان منصور لم يمت، بل عاد إلى أرض ذاكرته الأولى وجغرافيا روحه، لكن رحيله أسقط "نجمة" من سماء فلسطين، بعدما نقش اسمه في تاريخ البلاد المثقلة بالأحزان، وترك وراءه حكاية فنية ووطنية طويلة.

علم بارز في المشهد البصري

يؤكد الفنان التشكيلي منذر جوابرة أن رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور يمثل "خسارة ثقافية كبرى"، ولا سيما للمشهد التشكيلي الفلسطيني، مشيراً إلى أن منصور كان علماً بارزاً في المشهد البصري، وأسهم في إيصال عدد من الرموز والعناصر الفلسطينية إلى العالم، من بينها البطيخة وشجرة الزيتون والمرأة، وغيرها من العناصر التي حملت التراث والهوية الفلسطينية إلى خارج فلسطين.
ويشير جوابرة إلى أن مكانة منصور لم تقتصر على حضوره الفني، بل امتدت إلى المجتمع الفلسطيني، إذ كان فناناً رائداً ومتقدماً على المستويين الفني والاجتماعي.
ويوضح جوابرة أن عامة الناس عرفوا منصور وأعماله، خصوصاً من خلال لوحة "جمل المحامل"، التي كانت حاضرة في معظم البيوت الفلسطينية، ولا سيما خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عبر الملصق الذي جعل اسم الفنان وشخصيته معروفين لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
ويشير جوابرة إلى أن حضور سليمان منصور تجاوز المستوى المحلي إلى العربي والدولي، موضحاً أن أعماله أصبحت موجودة في متاحف عالمية ومؤسسات ثقافية، وهو ما يعكس الدور الكبير الذي أداه في إيصال الفن والرموز الفلسطينية إلى العالم.

إعادة رسم مشهد العتّال

وحول لوحة "جمل المحامل"، يوضح جوابرة أن منصور أعاد رسم مشهد للعتّال (الحمال) الفلسطيني في القدس خلال سبعينيات القرن الماضي، لكنه بدلاً من أن يظهر الرجل حاملاً بضائع أو أغراضاً للبيع أو النقل، وضع مدينة القدس بأكملها بوصفها حملاً ثقيلاً على كتف الرجل المسن، وبذلك تحولت اللوحة إلى تعبير عن العبء الفلسطيني الذي يحمله كل فلسطيني، بما تمثله القدس والوطن والمكان من قضية حاضرة دائماً في القلب والوجدان.
ويلفت جوابرة إلى أن قرب الشخصية من الناس، وكونها تمثل فلسطينياً مسناً، إلى جانب حضور القدس والأقصى وقبة الصخرة، جعل العمل قريباً من المجتمع وقادراً على توظيف عناصر بسيطة ورموز واضحة للتعبير عن قضية كبرى.

حكاية اللوحة مع الرئيس معمر القذافي

ويؤكد جوابرة أن اللوحة اكتسبت لاحقاً مساراً خاصاً، بعدما اشتراها الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، ثم أُعيد إنتاجها عقب الحديث عن تعرض العمل للتلف خلال قصف بعض المقرات في ليبيا في ثمانينيات القرن الماضي، حيث أعيد انتاجها لاحقاً، لتشارك في مزاد "كريستيز" الدولي وتصل إلى قيمة معنوية ومالية كبيرة، لتستمر منذ ولادتها حتى اليوم بوصفها عملاً أيقونياً ورمزاً فلسطينياً.
ويشير جوابرة إلى أن منصور قدم للفن التشكيلي الفلسطيني عناصر التراث والقرية والبيت والمرأة والزيتون والبرتقال والبطيخ وغيرها، وربط من خلالها الفلسطيني بالمكان والزراعة والذاكرة.
ويلفت جوابرة إلى أدوار منصور في إدارة مركز الواسطي، ورئاسة رابطة الفنانين التشكيليين، والمشاركة في اللجان والمسابقات، إضافة إلى التدريس في الجامعات، معتبراً أن هذه الأدوار أسهمت في تقديم المشهد الفلسطيني للمجتمعين المحلي والخارجي.
ويؤكد جوابرة أن رحيل منصور ترك فراغاً كبيراً في الثقافة والفن الفلسطينيين، متمنياً أن يواصل الفنانون التشكيليون الفلسطينيون ما أسسه وأنجزه منصور خلال مسيرته الطويلة.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا