لم يعد معهد قلنديا للتدريب المهني مجرد منشأة تعليمية تابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا». ففي غضون أيام قليلة، انتقل المعهد، الذي ظل لأكثر من سبعة عقود مركزًا لتدريب آلاف اللاجئين الفلسطينيين، إلى قلب مواجهة سياسية وقانونية بين إسرائيل والأمم المتحدة، بعدما اقتحمه وزير الأمن القومي الاسرائيلي إيتمار بن غفير بحماية جيش الاحتلال وشرطته ومخابراته، وتم إخلاء موظفي الأونروا منه، قبل أن تبدأ بلدية الاحتلال في القدس في اليوم التالي أعمالًا داخل المجمع تمهيدًا، بحسب مصادر فلسطينية وإسرائيلية، لإعادة استخدام الموقع ضمن مشروع تعليمي وبلدي إسرائيلي. جاء ذلك في تقرير اعدته الدائرة الاعلامية في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس.
وفي 25 آب/أغسطس، اقتحمت القوات الإسرائيلية المجمع وأخرجت موظفي الوكالة، فيما شارك بن غفير شخصيًا في الاقتحام. اقتحام بالقوة ورفع العلم الإسرائيلي.. شهد يوم الثلاثاء 25 آب/أغسطس الجاري التصعيد الأكبر منذ بدء سلسلة الاقتحامات الإسرائيلية للمعهد خلال العام الحالي. ووفق الأونروا، فقد تعرض مركز التدريب خلال عام 2026 لست عمليات دخول غير مصرح بها من السلطات الإسرائيلية قبل التطورات الأخيرة، فيما قالت الوكالة إن القوات الإسرائيلية دخلت المعهد في مناسبتين خلال شهر تموز/يوليو الماضي، إحداهما أثناء وجود الطلبة والمدرسين داخل القاعات. لكن الاقتحام الأخير اتخذ طابعًا مختلفًا؛ إذ لم يكن مجرد دخول أمني مؤقت، بل انتهى بإخلاء المجمع من موظفي الأونروا وإغلاقه أمام الوكالة.
وتقول الأونروا في أحدث بياناتها إن المركز يدرب نحو 340 شابًا فلسطينيًا سنويًا، ويوفر 16 تخصصًا مهنيًا، من بينها الكهروميكانيك، وميكانيك المركبات، والنجارة، والبناء، والاتصالات والتصميم الداخلي. كما تقول إن نحو 90% من خريجي المركز يجدون عملًا بعد التخرج. وتكمن أهمية هذه الأرقام في أن استهداف المعهد لا يعني إغلاق مبنى إداري تابع للأمم المتحدة فحسب، بل يعني تعطيل مؤسسة تعليمية متخصصة تخدم لاجئين فلسطينيين منذ أكثر من 70 عامًا. وتقول الأونروا إن المركز يضم ورشًا وقاعات تدريب ومساكن ومباني إدارية، وإن قيمة الأصول الموجودة في المجمع تتجاوز خمسة ملايين دولار، فضلًا عن استثمارات كبيرة قدمتها الوكالة والجهات المانحة لترميمه وتطويره. ماذا عن الأرض؟ هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية في القضية. وتقول الأونروا بوضوح إن حكومة الأردن قدمت الأرض للوكالة بموجب اتفاق أُبرم في 16 تشرين الأول/أكتوبر 1952، بغرض إقامة مركز للتدريب التقني والمهني للاجئين الفلسطينيين، وإن الاتفاق ما زال نافذًا. وتؤكد هذه الرواية أن الأرض كانت تحت الإدارة الأردنية في ذلك الوقت، وأن إنشاء المركز جاء في إطار ترتيبات رسمية بين الأردن والأونروا، وليس باعتباره منشأة إسرائيلية. لكن الرواية الإسرائيلية مختلفة جذريًا.
وهذا يجعل قضية معهد قلنديا أكثر تعقيدًا من نزاع عقاري محلي؛ فالسؤال المطروح هو: هل تستطيع سلطة الاحتلال أن تدخل بالقوة إلى منشأة أممية تعمل بموجب تفويض من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتخرج موظفيها، ثم تعيد تخصيص الموقع لاستخدام بلدي إسرائيلي؟ من الإغلاق إلى إعادة الاستخدام.. المسار الذي شهدته القضية خلال الأشهر الأخيرة يوحي بأن ما يجري ليس حادثة منفردة. ففي 27 تموز/يوليو 2026، أعلنت الأونروا أن القوات الإسرائيلية ومسؤولين من بلدية القدس دخلوا المعهد للمرة الثانية خلال أقل من شهر، في وقت كان فيه الطلبة وأعضاء الهيئة التعليمية داخل المنشأة. وقالت الوكالة إن نحو 80 طالبًا و45 موظفًا كانوا موجودين أثناء إحدى العمليات، وإن العاملين والطلبة جرى جمعهم داخل الموقع خلال العملية، فيما قام المسؤولون بتصوير المباني والمكاتب والمنشآت التدريبية. وفي بيانها الصادر في 9 آب/أغسطس، كشفت الأونروا أيضًا عن وجود خطة أعدتها بلدية القدس في نيسان/أبريل 2026، تتضمن، وفق ما علمت به الوكالة، تخصيص الأرض التي يشغلها المركز لإقامة منشآت تعليمية ومجتمعية ورفاهية وطبية، إضافة إلى محور للنقل، مع احتمال هدم معظم منشآت المركز القائمة.
وبذلك يبدو أن اقتحام 25 آب/أغسطس لا يأتي في فراغ، بل ضمن مسار سبقته اقتحامات وخطط بلدية. من «مركز لاجئين» إلى «مجمع بلدي».. التحول المقترح يحمل بعدًا رمزيًا.فمعهد قلنديا ليس مدرسة عادية. إنه مؤسسة أنشئت خصيصًا لخدمة اللاجئين الفلسطينيين، ويحمل منذ عام 1952 هوية الأونروا ودورها الدولي في قضية اللاجئين. وبالتالي فإن إخراج الوكالة منه وإعادة استخدام أرضه ومنشآته ضمن منظومة بلدية إسرائيلية يمكن أن يُقرأ باعتباره محاولة لتغيير وظيفة المكان ورمزيته، وليس فقط تغيير الجهة التي تدير المبنى. وتقول مصادر إسرائيلية إن المشروع البلدي المزمع تطويره في الموقع يهدف إلى إقامة مؤسسات تعليمية وخدمات مجتمعية للسكان العرب في المنطقة، بما فيها مدرسة ثانوية، مع مشاريع مستقبلية تتضمن مرافق رياضية وصحية ومجتمعية. وتقول السلطات الإسرائيلية إن المشروع ممول بعشرات ملايين الشواكل.
وقد أدانت وزارة الخارجية الأردنية في 25 آب/أغسطس اقتحام المعهد وإخلاءه، معتبرة الإجراء انتهاكًا للقانون الدولي وللحصانات والامتيازات الممنوحة للأمم المتحدة ووكالاتها. وربطت عمّان الخطوة الإسرائيلية بالسياسة الأوسع الرامية إلى تقييد عمل الأونروا وتقويض دورها في القدس والأرض الفلسطينية المحتلة. ماذا تقول الأونروا الآن؟ .. الأونروا أكدت في 9 آب/أغسطس، قبل عملية الإخلاء الأخيرة، أن المركز ليس مبنى مهجورًا وأن أبوابه مفتوحة، وأن التسجيل للعام الدراسي الجديد كان جاريًا، وأن المركز يخدم مئات الشباب الفلسطينيين سنويًا. لكن التطورات في 25 و26 آب/أغسطس غيّرت المشهد على الأرض.فبعد إخراج موظفي الوكالة، بقيت القوات الإسرائيلية داخل الموقع، ثم بدأت البلدية أعمالًا قالت إنها صيانة وترميم تمهيدًا لاستقبال طلاب ضمن مشروعها التعليمي. وهذا يعني أن الخلاف لم يعد نظريًا حول مستقبل الموقع؛ بل دخل مرحلة تغيير السيطرة الفعلية والاستخدام الفعلي للمكان. البعد القانوني الدولي .. من منظور القانون الدولي، هناك ثلاثة مستويات يجب الفصل بينها: أولًا: وضع القدس الشرقية. تعتبر الأمم المتحدة القدس الشرقية جزءًا من الأرض الفلسطينية المحتلة، وترفض الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية التي فُرضت عليها بعد عام 1967. ثانيًا: وضع الأونروا. الأونروا وكالة أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومركز قلنديا أحد منشآتها التي تؤدي وظيفة تدخل ضمن ولايتها. ثالثًا: حصانة مقار الأمم المتحدة. الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في أكتوبر 2025 شدد على حماية مقار الأمم المتحدة وأصولها عندما تؤدي وظائف تندرج ضمن ولاية المنظمة أو وكالاتها.
كما أكد أن إسرائيل لا تملك، بصفتها قوة احتلال، سيادة على الأرض الفلسطينية المحتلة. وعليه، فإن السؤال القانوني لا ينحصر في ملكية الأرض، بل يمتد إلى صلاحية السلطة القائمة بالاحتلال في التدخل بالقوة في منشأة أممية وإعادة تخصيصها. معركة على أكثر من 80 دونمًا .. الأرقام وحدها لا تفسر أهمية الموقع.فالمجمع الذي تبلغ مساحته وفق الأونروا نحو 80 دونمًا يقع في موقع جغرافي حساس بين القدس ورام الله، وبالقرب من مخيم قلنديا وكفر عقب، أي في منطقة تتقاطع فيها قضايا القدس والاستيطان واللاجئين والحركة بين شمال القدس والضفة الغربية. ولذلك فإن السيطرة عليه تمنح الجهة التي تديره مساحة كبيرة يمكن إعادة توظيفها في مشاريع تعليمية وخدمية وبنية تحتية. لكن الأهم هو الرمز: الموقع الذي حمل اسم الأونروا منذ 1952، ودرب أجيالًا من اللاجئين الفلسطينيين، يتحول إلى ساحة اختبار لمدى قدرة إسرائيل على إنهاء حضور الوكالة في القدس. ماذا يعني ذلك لقضية اللاجئين؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الأمر يتعلق بمركز تدريب مهني، لكن قضية الأونروا مرتبطة مباشرة بتاريخ اللاجئين الفلسطينيين. فالأونروا ليست مجرد مقدم خدمات؛ فقد أصبحت على مدار أكثر من سبعة عقود مؤسسة دولية مرتبطة بقضية اللاجئين الفلسطينيين، من خلال التعليم والصحة والإغاثة والتشغيل والخدمات الاجتماعية. ولهذا فإن إغلاق منشأة رئيسية لها أو استبدالها بمؤسسة إسرائيلية يحمل دلالة سياسية تتجاوز الخدمات نفسها. وقالت وزارة الخارجية الأردنية إن استهداف منشآت الأونروا يمس دورها المرتبط بقضية اللاجئين وحقوقهم، بينما تؤكد الأونروا أن استمرار عملها جزء من التفويض الذي منحته إياها الجمعية العامة للأمم المتحدة. هل جرى «تحويل» المعهد بالفعل؟ .. حتى 26 آب/أغسطس 2026، الأدق صحفيًا ألا يقال إن المعهد أصبح نهائيًا «مؤسسة إسرائيلية» مكتملة الأركان، لأن العملية لا تزال في بدايتها، ولأن الأونروا لم تعلن التخلي عن حقوقها في الموقع. لكن الوقائع الميدانية تشير بوضوح إلى تغيير فعلي في السيطرة على المنشأة: اقتحام القوات الإسرائيلية إلى المعهد. مشاركة بن غفير في عملية الاقتحام. إخلاء موظفي الأونروا. استمرار الوجود والسيطرة الإسرائيلية داخل المجمع. بدء طواقم بلدية القدس أعمالًا في الموقع. وجود خطة بلدية سابقة لإعادة تطوير الأرض والمنشآت. طرح مشروع تعليمي وخدماتي إسرائيلي بديل عن الاستخدام الذي كانت تؤديه الأونروا. لذلك يمكن وصف ما جرى بأنه انتقال قسري للسيطرة على منشأة أممية تمهيدًا لإعادة استخدامها من قبل مؤسسات إسرائيلية، لا باعتباره مجرد «صيانة» أو إجراء إداري عابر. أما مسألة الملكية العقارية، فتظل بحاجة إلى تدقيق وثائقي مستقل في سجلات الأرض والاتفاق الأردني لعام 1952 والوثائق التي تستند إليها إسرائيل بشأن ملكية الصندوق القومي اليهودي منذ 1937. وفي كل الأحوال، فإن جوهر القضية لا يتوقف على الحسم العقاري وحده: فحتى في حال وجود نزاع على الملكية، يبقى السؤال الدولي الأوسع متعلقًا بحماية منشأة أممية تعمل منذ أكثر من سبعة عقود، وبمدى قانونية اقتحامها وإخلائها وإعادة تخصيصها في القدس الشرقية المحتلة. وهنا يتحول معهد قلنديا من مركز للتدريب المهني إلى عنوان لمعركة أكبر: معركة على الوجود الأممي في القدس، وعلى مستقبل الأونروا، وعلى الرمزية السياسية للمؤسسات التي ارتبطت تاريخيًا بقضية اللاجئين الفلسطينيين.
المصدر:
القدس