آخر الأخبار

ذكرى استقلال ناميبيا: 60 عاماً على انطلاق الكفاح المسلح ضد ا

شارك

يصادف اليوم السادس والعشرون من أغسطس مرور ستين عاماً على انطلاق الشرارة الأولى للكفاح المسلح في ناميبيا، حين شهدت منطقة أوموغولوغومباشي شمال البلاد أول مواجهة مباشرة بين مقاتلي حركة 'سوابو' وقوات جنوب إفريقيا. ورغم أن تلك المعركة لم تكن حاسمة عسكرياً بمقاييس الحروب الكبرى، إلا أنها تحولت إلى رمز وطني يؤرخ لبداية رحلة شاقة نحو الحرية استمرت لأكثر من عقدين.

بدأت جذور المأساة الناميبية منذ أواخر القرن التاسع عشر حين خضع الإقليم للاستعمار الألماني، قبل أن ينتقل إلى إدارة جنوب إفريقيا عقب الحرب العالمية الأولى بموجب انتداب من عصبة الأمم. ومع وصول الحزب الوطني إلى السلطة في بريتوريا عام 1948، تم تصدير نظام 'الأبارتهايد' البغيض إلى ناميبيا، مما أدى إلى تكريس سياسات التمييز العنصري وتقسيم البلاد إلى معازل عرقية.

أمام انسداد الأفق السياسي وفشل العرائض الدولية، تأسست منظمة شعب جنوب غرب إفريقيا (سوابو) عام 1960 بقيادة سام نوجوما، لتكون المحرك الرئيس للمطالبة بالاستقلال. وقد شكلت واقعة إطلاق النار على المحتجين في ويندهوك عام 1959 نقطة تحول دفعت الحركة الوطنية نحو الإيمان بضرورة العمل المسلح لمواجهة تعنت الاحتلال.

شهد عام 1966 تطورات دراماتيكية، فبينما كانت المروحيات الجنوب إفريقية تهاجم معسكرات المقاومة، كانت أروقة الأمم المتحدة تشهد حراكاً قانونياً غير مسبوق. فقد أصدرت الجمعية العامة قراراً تاريخياً بإنهاء انتداب جنوب إفريقيا، معتبرة وجودها على الأراضي الناميبية غير شرعي، وهو ما وضع بريتوريا في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي.

لم تكتفِ المنظومة الدولية بالقرارات السياسية، بل عززت محكمة العدل الدولية هذا التوجه في عام 1971 برأي استشاري أكد بطلان الإدارة الجنوب إفريقية لناميبيا. هذا الغطاء القانوني منح 'سوابو' اعترافاً دولياً واسعاً، وحولها من مجرد حركة تمرد إلى ممثل شرعي لشعب يرزح تحت نير احتلال غير قانوني في نظر القانون الدولي.

تأثر مسار التحرير بالتحولات الجيوسياسية في القارة السمراء، خاصة بعد استقلال أنغولا عام 1975، مما وفر عمقاً استراتيجياً لمقاتلي جيش التحرير الشعبي لناميبيا. وأصبحت الحدود الشمالية ساحة لحرب عصابات استنزفت قدرات جيش جنوب إفريقيا، في ظل تداخل الصراع مع تجاذبات الحرب الباردة وتواجد القوات الكوبية في المنطقة.

رغم القوة العسكرية المتفوقة لجنوب إفريقيا، إلا أن تكلفة الاحتلال بدأت تتصاعد سياسياً واقتصادياً، مما دفع الأطراف الدولية لصياغة الخطة الأممية رقم 435. هذه الخطة التي بقيت حبيسة الأدراج لسنوات بسبب اشتراطات 'الربط' بانسحاب الكوبيين من أنغولا، وجدت طريقها للتنفيذ مع تراجع حدة الاستقطاب العالمي في نهاية الثمانينيات.

إن قصة ناميبيا تكشف أن إنهاء واحد من آخر أشكال السيطرة الاستعمارية في إفريقيا احتاج إلى السلاح والقانون والدبلوماسية والاقتراع معاً.

أثمرت المفاوضات الشاقة برعاية أمريكية وسوفيتية عن توقيع الاتفاق الثلاثي عام 1988، والذي مهد الطريق لبدء المرحلة الانتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة. وبدأت بعثة 'أونتاج' الدولية مهامها في مراقبة وقف إطلاق النار وضمان عودة اللاجئين الناميبيين للمشاركة في صياغة مستقبل بلادهم بعيداً عن فوهات البنادق.

في نوفمبر 1989، سطر الشعب الناميبي ملحمة ديمقراطية بمشاركة قياسية وصلت إلى 97% في أول انتخابات حرة تشهدها البلاد لاختيار جمعية تأسيسية. ورغم فوز 'سوابو' بالأغلبية، إلا أنها لم تنفرد بالسلطة، بل اضطرت للتوافق مع القوى السياسية الأخرى لصياغة دستور عصري يضمن حقوق الجميع في دولة ما بعد الأبارتهايد.

توجت هذه الجهود في الحادي والعشرين من مارس 1990، حين رُفع علم ناميبيا المستقلة في سماء ويندهوك، معلناً نهاية حقبة استعمارية مريرة. وأدى سام نوجوما اليمين الدستورية كأول رئيس للجمهورية الوليدة، وسط احتفاء دولي بانضمام العضو رقم 160 إلى أسرة الأمم المتحدة، واستعادة السيادة الكاملة على كافة الأراضي بما فيها ميناء والفيس باي لاحقاً.

إن التجربة الناميبية تقدم نموذجاً فريداً في التحرر الوطني، حيث أثبتت أن البندقية وحدها قد لا تكفي لإسقاط الأنظمة العنصرية دون إسناد قانوني ودبلوماسي متين. فقد نجحت المقاومة في جعل الاحتلال مكلفاً، بينما نجحت الدبلوماسية في نزع الشرعية عنه، وأتم صندوق الاقتراع مهمة بناء الدولة الوطنية.

اليوم، وبعد ستين عاماً على تلك الرصاصات الأولى في أوموغولوغومباشي، يحيي الناميبيون 'يوم الأبطال' اعتزازاً بتضحيات الرعيل الأول. وتظل قصة نضالهم مصدر إلهام للشعوب التي لا تزال تكافح ضد أنظمة الفصل العنصري والاحتلال العسكري في مناطق مختلفة من العالم، مؤكدة أن إرادة الشعوب لا تقهر مهما طال الزمن.

لقد استطاعت ناميبيا تجاوز إرث 'الأبارتهايد' الثقيل من خلال تبني سياسات المصالحة الوطنية والبناء المؤسسي، رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها عقود التمييز. ويقف الدستور الناميبي اليوم كشاهد على قدرة الحركات التحررية على التحول إلى قوى سياسية مدنية قادرة على إدارة الدولة وحماية التعددية.

ختاماً، فإن الدروس المستفادة من المسار الناميبي تؤكد أن النصر هو محصلة لتراكم النضالات في ميادين مختلفة، تبدأ من الميدان العسكري وتمر عبر أروقة المحاكم الدولية وتنتهي بمنصات التوافق السياسي. إنها رحلة شعب رفض الانكسار أمام آلة الحرب العنصرية، واختار أن يكتب تاريخه بمداد من الصمود والأمل.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا