أطلق أكاديمي فلسطيني متخصص في العلوم البيئية صرخة تحذير من تنامي مخاطر بيئية غير مسبوقة تواجه النازحين في قطاع غزة، حيث بدأت الأفاعي والعقارب بالظهور بكثافة في محيط الخيام ومراكز الإيواء. وأوضح الخبير أن الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية والأراضي الزراعية أدى إلى اضطراب الموائل الطبيعية لهذه الكائنات، مما دفعها للبحث عن ملاذات جديدة وسط تجمعات النازحين.
وأكد عبد الفتاح عبد ربه، أستاذ العلوم البيئية في الجامعة الإسلامية بغزة أن معاناة النازحين لم تعد تقتصر على القصف المستمر ونقص الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء، بل امتدت لتشمل تهديدات حيوية ناتجة عن التغيرات الجذرية في البيئة. وأشار إلى أن هذه الكائنات السامة باتت تشكل خطراً داهماً على حياة العائلات التي تعيش في ظروف قاسية للغاية.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن تراكم كميات ضخمة من الركام، والتي قدرتها الأمم المتحدة بنحو 61 مليون طن، وفر بيئة خصبة لاختباء وتكاثر الزواحف والحشرات. هذه الأنقاض الناتجة عن تدمير الأحياء السكنية أصبحت تشكل بؤراً بيئية خطيرة تهدد المناطق المأهولة التي لجأ إليها المواطنون هرباً من العمليات العسكرية.
وفي ظل تحول أكثر من مليوني فلسطيني إلى نازحين، يعيش مئات الآلاف منهم في خيام متهالكة تفتقر لأدنى مقومات الحماية الأرضية، مما يسهل تسلل العقارب والأفاعي إلى داخل أماكن النوم. وتتفاقم هذه الأزمة مع نوم الكثير من الأطفال والنساء على الأرض مباشرة أو فوق أفرشة رقيقة لا تحميهم من اللدغات القاتلة.
وأفادت مصادر دولية بأن سوء خدمات الصرف الصحي وتراكم النفايات الصلبة قرب الخيام ساهم بشكل مباشر في جذب القوارض، التي تعد المصدر الغذائي الرئيسي للأفاعي. وأوضح تقرير أممي أن نحو 43% من الأسر النازحة تعيش في محيط يقل عن عشرة أمتار من مياه الصرف المكشوفة، مما يعزز من فرص انتشار هذه الآفات.
ويلعب الارتفاع الحاد في درجات الحرارة خلال فصل الصيف دوراً محورياً في زيادة النشاط الحيوي لهذه الكائنات السامة، حيث تخرج من جحورها بحثاً عن الرطوبة والمياه. هذا النشاط المتزايد يرفع من احتمالات الاحتكاك المباشر بين النازحين وهذه الزواحف، خاصة في المناطق المفتوحة التي كانت سابقاً أراضٍ زراعية.
وحذر الخبراء من أن الأطفال وكبار السن هم الفئات الأكثر عرضة للخطر نتيجة ضعف مناعتهم وصعوبة اكتشافهم لهذه الكائنات في الوقت المناسب وسط الاكتظاظ الشديد. وتزداد المخاوف في ظل انعدام الإضاءة الليلية في المخيمات، مما يجعل التنقل أو النوم محفوفاً بالمخاطر الدائمة.
وتواجه المنظومة الصحية في قطاع غزة تحدياً هائلاً في التعامل مع حالات اللدغ واللسع، حيث تعاني المستشفيات والنقاط الطبية من استنزاف كامل لمواردها. وأكدت مصادر طبية وجود نقص حاد في مضادات السموم والأدوية الضرورية لإنقاذ حياة المصابين، مما قد يحول أي إصابة بسيطة إلى مأساة حقيقية.
وأشارت وكالة الأونروا في تقاريرها الأخيرة إلى أن المرافق الصحية لا تعمل بكامل طاقتها، وتعاني من نقص مزمن في الكوادر والوقود اللازم لتشغيل غرف الطوارئ. هذا العجز الصحي يجعل من مواجهة خطر الأفاعي والعقارب مهمة شبه مستحيلة في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها القطاع.
ودعا الأكاديمي عبد ربه إلى ضرورة إطلاق حملات تنظيف دورية وشاملة لمحيط مخيمات النزوح، مع التركيز على إزالة النفايات والمخلفات الصلبة بشكل فوري. كما شدد على أهمية توعية الأهالي بكيفية التعامل الآمن مع هذه الكائنات وتوفير حواجز أرضية محكمة للخيام لتقليل فرص التسلل.
إن استمرار وجود الركام والنفايات بالقرب من التجمعات السكانية المؤقتة ينذر بكارثة بيئية وصحية طويلة الأمد، تتجاوز آثارها المباشرة للحرب. ويتطلب الأمر تدخلاً دولياً عاجلاً لتوفير المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض وتحسين ظروف الإيواء بما يضمن سلامة النازحين من التهديدات البيئية.
ويعكس انتشار هذه الكائنات السامة جانباً مظلماً آخر من تداعيات الحرب الإسرائيلية، حيث تحولت البيئة الطبيعية التي كانت متوازنة إلى مصدر للتهديد والموت. إن اختلال النظم الطبيعية في غزة يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل البيئي المتخصص لاستعادة التوازن وحماية السكان من هذه المخاطر.
وفي ظل استمرار النزوح المتكرر، يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين بين مطرقة القصف وسندان الأوبئة والزواحف السامة التي تلاحقهم في ملاجئهم الأخيرة. وتظل الحاجة ماسة لتوفير مستلزمات النظافة الشخصية والعامة للحد من انتشار القوارض التي تجذب هذه المفترسات إلى خيام الأطفال.
ختاماً، يبقى خطر الأفاعي والعقارب شاهداً على حجم الدمار الذي طال كل مناحي الحياة في غزة، حيث لم تسلم حتى الطبيعة من آثار الإبادة. إن حماية النازحين تتطلب رؤية شاملة تبدأ بوقف إطلاق النار وتنتهي بإعادة تأهيل البيئة المدمرة لضمان حياة كريمة وآمنة للسكان.
المصدر:
القدس