شهد المدخل الشرقي لبلدة العيزرية شرقي القدس عمليات هدم واسعة طالت عشرات المنشآت التجارية الفلسطينية في مايو 2026، وذلك لشق ما تصفه سلطات الاحتلال بـ 'طريق نسيج الحياة'. ويهدف هذا المشروع ظاهرياً إلى تخفيف الازدحام، لكنه في الجوهر يسعى لإعادة ترتيب حركة المرور بما يخدم التوسع الاستيطاني في منطقة E1 الحساسة.
خصص المجلس الوزاري الإسرائيلي ميزانيات ضخمة تجاوزت 120 مليون دولار لهذا المشروع الذي أطلق عليه نفتالي بينيت سابقاً 'طريق السيادة'. ويسعى المخطط إلى عزل حركة الفلسطينيين تماماً عن محيط مستوطنة 'معاليه أدوميم'، مما يعزز الربط الجغرافي بين المستوطنات الكبرى والقدس المحتلة على حساب التواصل الفلسطيني.
تجاوزت السياسات الإسرائيلية مجرد بناء الوحدات السكنية إلى السيطرة الكاملة على المنطقة (ج) التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية. ومن خلال قيود التخطيط الصارمة، رُفضت آلاف طلبات البناء الفلسطينية، مما حول المدن والقرى إلى ما يشبه 'الأرخبيل' أو الجزر المنعزلة وسط بحر من السيطرة العسكرية والاستيطانية.
أضاف الجدار العازل طبقة معقدة من العزل، حيث يمر معظم مساره داخل أراضي الضفة الغربية وليس على الخط الأخضر. وأدى هذا المسار إلى احتجاز مساحات واسعة من الأراضي خلف بوابات زراعية يتحكم الاحتلال في مواعيد فتحها، مما حول ملكية الأرض إلى حق مشروط بموافقة أمنية وتصاريح مؤقتة.
تشير البيانات الميدانية لعام 2025 إلى تحول جذري في أدوات السيطرة، حيث باتت البوابات الحديدية تشكل 60% من عوائق الحركة. هذه البوابات تمنح جيش الاحتلال القدرة على إغلاق مداخل بلدات كاملة في ثوانٍ معدودة، مما يجعل حياة الفلسطينيين مرتبطة بـ 'توقيت الحاجز' وليس بالمسافات الجغرافية الفعلية.
برزت البؤر الرعوية كأداة استيطانية فعالة للسيطرة على مساحات شاسعة تتجاوز مليون دونم من المراعي والأراضي المفتوحة. وتعتمد هذه البؤر على ترهيب الرعاة الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى مصادر المياه، مما يدفع التجمعات البدوية والقروية نحو النزوح القسري وتفريغ الأرض لصالح التوسع الاستيطاني.
انعكست هذه القيود بشكل كارثي على الاقتصاد الفلسطيني، حيث سجلت الضفة الغربية انكماشاً بنسبة 17% خلال عام 2024. وأدت الحواجز إلى رفع تكاليف النقل والإنتاج، مما جعل الاقتصاد الفلسطيني يوصف دولياً بأنه 'شديد التجزؤ' وغير قادر على تحقيق نمو مستدام في ظل تقطيع أوصال السوق الوطنية.
تتجسد المعاناة الإنسانية في قصص يومية مؤلمة، مثل وفاة رضيع على بوابة 'دير عمار' بسبب تأخير وصول سيارة الإسعاف. إن تحويل رحلة قصيرة إلى مسار طويل ومعقد يمتد لعشرات الكيلومترات يعكس كيف يتحكم الاحتلال في أدق تفاصيل الحياة والموت للفلسطينيين عبر التحكم في المجال الحيوي.
أثرت الإغلاقات المتكررة بشكل مباشر على قطاعي التعليم والصحة، حيث وثقت منظمات دولية مئات الحوادث التي عرقلت وصول الطلاب والمرضى. وأصبح الحصول على الرعاية الطبية المتخصصة في القدس رهناً بنظام تصاريح معقد، يُرفض فيه ثلث الطلبات تقريباً، مما يفاقم الأزمات الصحية في التجمعات المعزولة.
في ظل هذا الواقع، تجد السلطة الفلسطينية نفسها تمارس صلاحيات إدارية وأمنية داخل 'جزر' سكانية محددة، بينما يظل القرار الاستراتيجي بشأن الأرض والحدود بيد الاحتلال. وتجلى هذا التناقض في أحداث جنين مطلع 2025، حيث انكشف سقف القوة الفلسطينية أمام الاقتحامات العسكرية الإسرائيلية المتكررة.
يعتمد ملايين الفلسطينيين على الخدمات التي تقدمها السلطة من تعليم وصحة، مما يجعل بقاءها ضرورة اجتماعية رغم تآكل أفقها السياسي. ومع توقف تحويل أموال المقاصة من قبل إسرائيل، دخلت المؤسسات الفلسطينية في أزمة مالية حادة أدت إلى تراكم الديون وتأخر الرواتب، مما زاد من هشاشة الوضع الداخلي.
أدى غياب الانتخابات العامة لنحو عقدين إلى أزمة تفويض وتآكل في الشرعية السياسية، مما جعل القرارات المصيرية بعيدة عن المحاسبة الشعبية. وأصبح تقييم أداء السلطة مرتبطاً بقدرتها على إدارة الحياة اليومية في ظل تآكل مشروع 'حل الدولتين' وتحوله إلى واقع 'الأرخبيل' الدائم.
تستخدم إسرائيل 'بروتوكول باريس الاقتصادي' كأداة ضغط سياسي عبر التحكم في الموارد المالية الفلسطينية. هذا الارتباط القسري يجعل أي محاولة فلسطينية للانفكاك عن الاحتلال ذات كلفة عالية جداً، مما يعزز من ديمومة نظام السيطرة الذي نشأ بعد اتفاقات أوسلو وتجاوزها فعلياً.
في الختام، يظهر 'طريق نسيج الحياة' كرمز لعملية ضم فعلي للأرض دون الحاجة لإعلان قانوني رسمي. إنها هندسة شاملة تهدف إلى جعل السيطرة على الحركة هي الأداة الأساسية لإعادة تشكيل المجتمع والاقتصاد الفلسطيني، بما يضمن تفوق المشروع الاستيطاني وتفتيت الهوية الجغرافية للضفة الغربية.
المصدر:
القدس