آخر الأخبار

السويداء السورية: عام على أحداث يوليو وتحولات الحرس الوطني

شارك

كشف وثائقي استقصائي جديد عن ملامح التحول الجذري الذي شهدته محافظة السويداء السورية خلال العام الماضي، عقب أحداث يوليو 2025 الدامية. وتظهر خريطة النفوذ الحالية انقساماً واضحاً بين مناطق سيطرة الحكومة السورية في الريف الشمالي والغربي، وبين هيمنة القوى المحلية المسلحة على مركز المدينة وأجزاء واسعة من ريفها.

هذا الواقع الجديد أفرز حالة من 'اللا انفصال واللا عودة'، حيث لا تزال المحافظة مرتبطة إدارياً بدمشق لتأمين الرواتب والخدمات الصحية والتعليمية، بينما تخضع أمنياً لسلطة 'الحرس الوطني'. ويشير التقرير إلى أن المسافة بين حواجز الحكومة والقوى المحلية تختصر تحولات سياسية عميقة عصفت بالمنطقة بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024.

وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا حجم المأساة التي خلفتها المواجهات، مؤكدة مقتل ما لا يقل عن 1707 أشخاص في ثلاث موجات من العنف. وأوضح التقرير الأممي الصادر في مارس 2026 أن الضحايا شملوا مدنيين من المجتمع الدرزي والبدو، بالإضافة إلى مئات العناصر من القوات الحكومية، مع نزوح قرابة 200 ألف شخص.

التحقيق البصري الذي أجراه فريق العمل الميداني كشف عن فظائع ارتكبت بدافع طائفي، من بينها إعدام ثمانية رجال من عائلة واحدة في قلب مدينة السويداء. واستخدم المحققون تقنيات مطابقة الصور والمعالم الجغرافية لتحديد موقع الجريمة الذي تبين أنه لا يبعد سوى مئة متر عن ساحة تشرين، مما يضع علامات استفهام حول المحاسبة القضائية.

في المقابل، رصدت شهادات ميدانية انتهاكات طالت عائلات بدوية في منطقة شهبا، حيث نفذ مسلحون محليون عمليات قتل وانتقام طالت نساءً وأطفالاً. وتنسجم هذه الشهادات مع الخلاصات الأممية التي أكدت أن الانتهاكات الجسيمة ارتكبتها أطراف متعددة، وقد ترقى بعضها إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

دخول القوات الحكومية في 14 يوليو لم يفلح في تهدئة الأوضاع، بل أدى إلى تصعيد المواجهة المباشرة مع الفصائل المحلية التي نصبت كمائن للأرتال العسكرية. ورأت المرجعيات الدينية في السويداء، وعلى رأسها حكمت الهجري أن التدخل العسكري كان محاولة لفرض حل قسري على المحافظة التي كانت تطالب بخصوصية إدارية وأمنية.

برز التدخل الإسرائيلي كمتغير استراتيجي في الصراع، حيث شنت تل أبيب ضربات جوية استهدفت مواقع سيادية في دمشق لعرقلة تقدم القوات الحكومية نحو الجنوب. وأعلنت إسرائيل حينها أن تدخلها يأتي لحماية المجتمع الدرزي، وهو ما غير موازين القوى العسكرية على الأرض لصالح الفصائل المحلية في السويداء.

السويداء اليوم تعيش واقعاً معقداً؛ فهي محافظة تمسك فيها قوى محلية بزمام الأمن، بينما يظل نبض حياتها اليومي معتمداً على مؤسسات الدولة في دمشق.

تقارير صحفية دولية، منها ما نشرته واشنطن بوست، كشفت عن صلات سبقت المواجهات بين إسرائيل وقوى درزية، شملت تقديم أسلحة ومساعدات مالية شهرية لآلاف المقاتلين. هذا التحول انعكس علنياً من خلال ظهور مقاتلين يضعون العلم الإسرائيلي على بزاتهم العسكرية، وتصريحات طالبت بالاستقلال التام للمنطقة بضمانات إسرائيلية.

على الصعيد التنظيمي الداخلي، شهدت السويداء اندماج عشرات الفصائل المسلحة، مثل 'رجال الكرامة' وغيرها، تحت مسمى 'الحرس الوطني'. هذا التشكيل الجديد عزز من قبضة المرجعية الدينية على المشهد، لكنه أثار توترات داخلية أدت إلى ملاحقة وتهميش الشخصيات الدرزية المعارضة لهذا التوجه الجديد.

رغم القطيعة الأمنية، تظل دمشق حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للسكان، حيث لا تزال المؤسسات الرسمية هي المسؤولة عن إصدار المعاملات وصرف المعاشات التقاعدية. وقد تجلى هذا التناقض في ملف التعليم، حيث حرمت الأوضاع الأمنية آلاف الطلاب من التقدم للامتحانات الوطنية، مما استدعى تدخلات تشريعية استثنائية.

أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 163 لعام 2026 لمعالجة أزمة الطلاب في السويداء، مانحاً إياهم دورة امتحانية خاصة تبدأ في أواخر أغسطس. وتكشف هذه الخطوة عن محاولات الدولة الحفاظ على خيوط التواصل مع المحافظة عبر البوابة الخدمية والتعليمية، رغم الفجوة السياسية العميقة التي خلفتها الحرب.

بدأ المسار القضائي يأخذ مجراه في دمشق، حيث باشرت محكمة الجنايات العسكرية جلسات علنية لمحاكمة المتهمين في أحداث السويداء منذ يوليو 2026. وتهدف هذه المحاكمات إلى تحديد المسؤوليات عن عمليات القتل والنهب، إلا أن التساؤلات لا تزال قائمة حول مدى شمولية المحاسبة للقيادات العسكرية والميدانية من كافة الأطراف.

شهد ملف المحتجزين اختراقاً محدوداً في فبراير 2026 عبر عملية تبادل شملت العشرات من أفراد القوات الحكومية والمقاتلين المحليين. ومع ذلك، تؤكد تقارير دولية أن خريطة الطريق لاستقرار المحافظة لم تحقق تقدماً ملموساً، مع استمرار حوادث الخطف والتنافس المسلح داخل المجتمع المحلي نفسه.

يبقى امتحان السويداء مفتوحاً على كافة الاحتمالات، فالمحافظة التي لم تنفصل رسمياً ولم تخضع كلياً، تمثل اليوم نموذجاً للصراع على هوية الدولة السورية الجديدة. وبين دعوات الانفصال وضرورات العيش المشترك، تظل عودة النازحين وتحقيق المصالحة الشاملة هي التحديات الأكبر التي تواجه مستقبل الجنوب السوري.

القدس المصدر: القدس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا