أكرم عطا الله: معيار الموقف الأمريكي يبقى مرتبطاً بمقدار تأثير كل جبهة بالمصالح الأمريكية وعلاقاتها الإقليمية وليس بمستوى التصعيد الإسرائيلي فيها
نبهان خريشة: لا يمكن القول إن واشنطن فقدت قدرتها على كبح إسرائيل لكن المشكلة تكمن في محدودية إرادتها لاستخدامها وسوريا قد تصبح الاختبار الحاسم
خليل شاهين: نتنياهو يسعى لإبقاء التوتر الإقليمي قائماً لخدمة مستقبله السياسي لأن خسارة الانتخابات قد تعني انتهاء مستقبله السياسي وربما دخوله السجن
نعمان توفيق العابد: واشنطن قد تسعى لمنع التصعيد الأكبر لكنها لن تصل لفرض انسحابات إسرائيلية أو تنفيذ كامل للمرحلة التالية من الخطط المطروحة
عريب الرنتاوي: تركيا لا تضع الحرب ضمن أولوياتها وعضويتها بحلف الناتو لا تعني تلقائياً وقوف الغرب لجانبها في مواجهة إسرائيل والمرجح منع الاشتباك المباشر
رام الله - خاص بـ"القدس"-
تطرح التطورات المتسارعة والتصعيد الإسرائيلي في غزة ولبنان وسوريا وإمكانية التصعيد ضد تركيا، تساؤلات متزايدة حول حدود النفوذ الأمريكي على حكومة الاحتلال الإسرائيلي، رغم أن واشنطن لا تفتقر إلى أدوات الضغط، لكنها تستخدمها وفقاً لحسابات المصالح الأمريكية وتشابكاتها الإقليمية، بما يجعل قدرتها على التأثير متفاوتة من جبهة إلى أخرى.
وبينما تسعى واشنطن إلى منع توسع المواجهات، فإنها لا تبدو مستعدة، وفق التقديرات، لفرض تراجعات جوهرية على إسرائيل في غزة أو لبنان أو الضفة الغربية، في ظل استمرار التماهي بين مواقف الطرفين في عدد من الملفات.
وتبرز سوريا باعتبارها الاختبار الأكثر حساسية للسياسة الأمريكية، مع تنامي الحضور التركي واحتمال وقوع احتكاك مباشر بين أنقرة وتل أبيب، الأمر الذي قد يدفع واشنطن إلى تشديد تدخلها لمنع اتساع دائرة المواجهة.
الولايات المتحدة لم تفقد قدرتها على كبح إسرائيل
يوضح الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن الولايات المتحدة لم تفقد قدرتها على كبح إسرائيل، لكنها تمارس هذه القدرة بصورة انتقائية، وفقاً للجبهات التي تتضرر فيها مصالحها، مشيراً إلى أن واشنطن قادرة على ضبط إسرائيل عندما تكون معنية بذلك، بينما لا تبذل المستوى ذاته من الجهود في ساحات لا ترى أن مصالحها تتأثر فيها، مثل قطاع غزة، وإلى حد ما الضفة الغربية.
ارتباط الملف الفلسطيني بالانتخابات الإسرائيلية
وفي الملف الفلسطيني، يرى عطا الله أن ارتباط التطورات بالانتخابات الإسرائيلية يجعل الولايات المتحدة أقل رغبة في كبح إسرائيل، موضحاً أن واشنطن قد تسمح لإسرائيل بالتصعيد، لكن ليس إلى درجة تؤثر في علاقاتها ودورها لدى الدول العربية.
ويشير عطا الله إلى أن الضفة الغربية تمثل حالة مختلفة، إذ تتدخل الدول العربية في بعض الملفات، مستشهداً بمواقفها تجاه مسألة الضم ووقف شرعنته في الكنيست الإسرائيلي، ما يجعل مصالح هذه الدول عاملاً مؤثراً في حسابات واشنطن.
أما في قطاع غزة، يوضح عطا الله أن الولايات المتحدة تريد إنهاء الحرب من خلال الاتفاق المتعلق بالمرحلة الثانية، لكنها لا تبدو، بعد زيارة المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر، معنية بمنع إسرائيل من رفع مستوى التصعيد أو اتخاذ خيارات عسكرية أوسع.
ويرى عطا الله أن المشهد قد يتجه نحو صيغة تمنح الحكومة الإسرائيلية هامشاً واسعاً للذهاب إلى الانتخابات، وهي تحمل شعار تحقيق إنجاز في غزة، معتبراً أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في نزع سلاح حماس، بالتوازي مع حرب كبرى أو تصعيد واسع.
ارتباط كل جبهة بالمصالح الأمريكية
وبحسب عطا الله، فإن معيار الموقف الأمريكي في نهاية المطاف يبقى مرتبطاً بمقدار تأثير كل جبهة في المصالح الأمريكية وعلاقات واشنطن الإقليمية، وليس بمجرد مستوى التصعيد الإسرائيلي فيها.
واشنطن وغزة.. من إدارة الحرب لترتيبات ما بعدها
يؤكد الصحفي والكاتب نبهان خريشة أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة نظرياً على الضغط على إسرائيل، بل ما إذا كانت مستعدة فعلاً لاستخدام أدوات الضغط التي تمتلكها، فالمشهد من غزة إلى لبنان وسوريا يكشف اتساع الفجوة بين ما تريده واشنطن وما تفعله حكومة نتنياهو، حتى باتت إسرائيل تتعامل مع الدعم الأمريكي باعتباره شبكة أمان أكثر منه قيداً على حركتها.
ويقول خريشة: "في غزة تحاول واشنطن الانتقال من إدارة الحرب إلى ترتيبات ما بعدها، فيما تصر إسرائيل على أولوية نزع سلاح حماس قبل الانسحاب وإعادة الإعمار، وفي لبنان تسعى الإدارة الأمريكية إلى تثبيت التهدئة وترتيبات أمنية جديدة، بينما تواصل إسرائيل استخدام القوة والاحتفاظ بأوراق ميدانية، بما يجعل الدبلوماسية الأمريكية في كثير من الأحيان تلاحق الوقائع التي تصنعها إسرائيل بدلاً من أن تقودها".
سوريا الساحة الأخطر
لكن سوريا وفق خريشة، تبدو الساحة الأخطر، لأنها أصبحت مجالاً لاحتمال الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا، ومع اتساع الحضور والنفوذ التركي في سوريا، تخشى إسرائيل أن يتحول ذلك إلى واقع استراتيجي دائم على حدودها الشمالية.
ويقول خريشة: "إن أي غارة إسرائيلية على موقع توجد فيه قوات أو مستشارون أتراك قد تؤدي إلى سقوط قتلى أتراك، ثم رد محدود من أنقرة يعقبه رد إسرائيلي، فتبدأ مواجهة لم يكن الطرفان يريدانها".
سيناريوهات محتملة
وبحسب خريشة، فإنه أمام ذلك تبدو ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول، وهو الأرجح، استمرار الوضع الحالي؛ إسرائيل تتحرك عسكرياً، وواشنطن تعترض وتحاول ضبط حدود التصعيد دون الدخول في مواجهة سياسية حقيقية معها.
أما السيناريو الثاني، وفق خريشة، فهو أن تضطر واشنطن إلى فرض قواعد أكثر صرامة إذا شعرت بأن التحركات الإسرائيلية تهدد مصالحها وتحالفاتها، وخصوصاً علاقتها بتركيا العضو في حلف الناتو.
ويشير خريشة إلى أن السيناريو الثالث والأخطر، هو خروج الأحداث عن السيطرة وتزامن احتكاك تركي-إسرائيلي في سوريا مع تصعيد في لبنان وانهيار ترتيبات غزة، بما يحول الجبهات الثلاث إلى أزمة إقليمية واحدة.
ويرى خريشة أنه لذلك، لا يمكن القول إن واشنطن فقدت قدرتها على كبح إسرائيل؛ فهي لا تزال تملك أدوات عسكرية وسياسية واقتصادية مؤثرة، لكن المشكلة تكمن في محدودية إرادتها لاستخدامها، لكن سوريا قد تصبح الاختبار الحاسم: هل تستطيع واشنطن رسم حدود للحركة الإسرائيلية، أم تكتفي باحتواء نتائجها بعد وقوعها؟
واشنطن والتدخل حين تباين مصالحها مع إسرائيل
يعتقد الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن الولايات المتحدة لا تفتقر إلى القدرة على ممارسة نفوذها على إسرائيل في الملفات المفتوحة بالمنطقة، من غزة ولبنان وسوريا إلى إيران والضفة الغربية، معتبراً أن السؤال الأساسي يتعلق بالرغبة السياسية الأمريكية في استخدام هذه القدرة، وليس بغيابها، مشيراً إلى أن واشنطن تدخلت في محطات سابقة عندما تباينت مصالحها مع إسرائيل بصورة كبيرة.
ويوضح شاهين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سبق أن أجبر إسرائيل على وقف حربها مع إيران والالتزام بوقف إطلاق النار، بل أعاد المقاتلات الإسرائيلية إلى إسرائيل من دون إكمال مهمتها، مشيراً إلى أن واشنطن لعبت دوراً في وقف إطلاق النار في لبنان، رغم استمرار إسرائيل في تنفيذ ضربات هناك.
الموقف الأمريكي لم يتغير في غزة
وفي ما يتعلق بقطاع غزة، يرى شاهين أن الموقف الأمريكي لم يتغير جوهرياً، رغم تشكيل "مجلس السلام" وطرح خطة من 15 نقطة عُرفت باسم خارطة الطريق، مشيراً، استناداً إلى معلومات من فصائل فلسطينية شاركت في المفاوضات، إلى أن الإدارة الأمريكية لا تزال تنظر إلى مستقبل غزة من زاوية استثمارية وعقارية، وأن فكرة "ريفييرا غزة" وإعادة تشكيل القطاع ديموغرافياً وعمرانياً وتحويله إلى منطقة نفوذ واستثمار أمريكي ما زالت حاضرة.
ويؤكد شاهين أن الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة لقادة وكوادر حركة حماس، وللموظفين والمسؤولين الحكوميين وأفراد الشرطة في غزة، تعكس استمرار الرؤية الإسرائيلية والأمريكية التي تعتبر سلاح المقاومة وحركة حماس العقبة الأساسية أمام ترتيبات ما بعد الحرب.
ويشير شاهين إلى أن نتنياهو لا يطالب فقط بنزع السلاح الثقيل، بل الخفيف أيضاً، وبالقضاء على حركة حماس، بما يعني إقصاءها عن الحياة السياسية الفلسطينية.
وبحسب شاهين، فإن هناك معلومات متوفرة تشير إلى أن الجانب الأمريكي سأل الفلسطينيين عما إذا كانت حماس ستشارك في الانتخابات، وعندما تلقى إجابة بالإيجاب أبدى رفضه لذلك، معتبراً أن رهان حماس على أن إبداء مرونة في ملف السلاح قد يفتح الطريق أمام قبولها لاعباً سياسياً لا يبدو مرجحاً في المدى المنظور.
إبقاء التوتر الإقليمي لخدمة مستقبل نتنياهو السياسي
ويعتبر شاهين أن نتنياهو يسعى إلى إبقاء التوتر الإقليمي قائماً لخدمة مستقبله السياسي، خصوصاً أن خسارة الانتخابات قد تعني انتهاء مستقبله السياسي وربما دخوله السجن.
ويشير شاهين إلى تحذيرات أطلقها رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك من إمكانية ذهاب نتنياهو بعيداً، بما في ذلك شن حروب جديدة أو تصعيد قد يؤدي إلى تأجيل الانتخابات.
ويرى شاهين أن الضربة الإسرائيلية لمطار أبو الظهور في شمال سوريا تحمل رسائل إلى دمشق وتركيا، في ظل مخاوف إسرائيلية من تنامي النفوذ التركي في سوريا.
المحور السني يثير مخاوف إسرائيل
ويلفت شاهين إلى أن نتنياهو يحاول إقناع ترمب بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يشكل خطراً على المصالح الأمريكية، في وقت قطعت فيه تركيا شوطاً في دعم سوريا الجديدة عسكرياً وحكومياً واقتصادياً.
ويشير شاهين إلى أن التحالف التركي السعودي الباكستاني يزيد المخاوف الإسرائيلية من تنامي ما تسميه إسرائيل "المحور السني"، ولا سيما مع احتمال انضمام مصر وسوريا إليه.
ورغم إشادة ترمب بالتحالف، يرجّح شاهين أن يتغير الموقف الأمريكي إذا أصبح هذا المحور عاملاً في إضعاف النفوذ الإسرائيلي.
ويرجّح شاهين أن تشهد المرحلة المقبلة توتراً إسرائيلياً تركياً متصاعداً لكن تحت السيطرة، عبر ضربات إسرائيلية محدودة في سوريا تحمل رسائل لأنقرة، مع استبعاد حرب شاملة في هذه المرحلة، وإن ظل خطر الاحتكاك العسكري المباشر قائماً.
استمرار الضربات في لبنان ضمن ضوء أخضر أمريكي
ويتوقع شاهين استمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان ضمن ضوء أخضر أمريكي، فيما تبقى إيران الملف الأصعب، إذ لا تستطيع إسرائيل خوض حرب منفردة معها من دون ضمان الإسناد الأمريكي.
العلاقة الأمريكية الإسرائيلية معقدة
يوضح الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية معقدة إلى درجة يصعب معها توصيفها باعتبار أن إسرائيل تنقاد خلف الولايات المتحدة أو أنها هي التي تحدد لواشنطن سياساتها، موضحاً أن الأمر يتعلق بتحالف استراتيجي تشكل على مدى عقود، وارتبط بطابع كولونيالي للدولتين، قبل أن تتم أَدلجته عبر بُعد ديني مسيحاني.
ويشير المشني إلى أن هذا المسار جعل حماية إسرائيل جزءاً من السياسة الأمريكية فوق الحزبية، وموضوعاً يحظى بإجماع واسع وغير خاضع بصورة مباشرة للتغيرات السياسية والسجالات الحزبية، الأمر الذي ترجم سياسياً على مدى سنوات من خلال التعامل مع السياسات الإسرائيلية باعتبارها منسجمة مع المصلحة الأمريكية، بغض النظر عن طبيعة تلك السياسات.
الولايات المتحدة أمام أسئلة مختلفة
ويرى المشني أن الحرب الأخيرة وتداعياتها أحدثت تحولاً نوعياً في هذا المفهوم، ووضعت الولايات المتحدة أمام أسئلة مختلفة، وربما للمرة الأولى في تاريخ العلاقة، بشأن حالات تتصادم فيها المصالح الأمريكية مع السياسات الإسرائيلية، وخصوصاً السؤال المتعلق باللحظة التي يمكن أن تقول فيها واشنطن لإسرائيل: "كفى، هذا يضر بمصلحة أمريكا".
ويشير المشني إلى أن سياسات أمريكية واضحة وكافية للتعامل مع هذه التحولات لم تتبلور حتى الآن، في ظل صراع بين المفهوم التقليدي للعلاقة والتحولات الطارئة عليها، ما يجعل حدود قدرة واشنطن على استخدام أدواتها للجم السياسات الإسرائيلية غير واضحة.
الموقف المتردد للولايات المتحدة
ويؤكد المشني أن الولايات المتحدة قادرة بالتأكيد على كبح بعض المسلكيات الإسرائيلية، لكنها تبدو حتى الآن مترددة ومركبة في استخدام إمكانياتها، متوقعاً استمرار هذا الوضع ما لم تصل التحولات في العلاقة إلى مستوى يُحدث تأثيراً نوعياً وعميقاً.
ويلفت المشني إلى أن الأمر لا يرتبط بإرادة الإدارة الأمريكية وحدها، إذ أنتجت عشرات السنوات من العلاقة مسلمات راسخة، بدأ تغييرها يتأثر بعوامل عدة، بينها المواقف العربية وتعارض المصالح، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح لواشنطن بفرض رؤيتها، فيما لا تزال مؤسسات الدولة العميقة الأمريكية، إلى حد واسع، أسيرة مفاهيم العلاقة التقليدية.
وفي السياق الإقليمي، يوضح المشني أن الدور الأمريكي لا يزال متردداً بين التدخل الواسع والانسحاب العميق من التدخل المباشر، مشيراً إلى أن مظاهر الانخراط العسكري تتزامن مع إعلانات متكررة عن الرغبة في الحد من التدخلات، وهو تردد ينعكس على حدود قدرة واشنطن ورغبتها في كبح إسرائيل.
زلزال بين واشنطن وتل أبيب
ويؤكد المشني أن أزمة عميقة تتفاعل داخل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ومن المبكر حسم مآلاتها، لكنه يعتبر أن ما يجري بين واشنطن وتل أبيب يشبه "زلزالاً" لم تنته ارتداداته وقد تتعاظم، فاتحاً فصلاً جديداً ومختلفاً في العلاقة، سينعكس مع الوقت على السياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
الولايات المتحدة والتماهي مع حكومة نتنياهو
يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن الولايات المتحدة لم تفقد القدرة على كبح جماح دولة الاحتلال الإسرائيلي، لكنها أصبحت متماهية إلى حد كبير مع سياسات حكومة بنيامين نتنياهو، خصوصاً في ملفات غزة ولبنان وسوريا، معتبراً أن الإدارة الأمريكية الحالية تتبنى رؤى قريبة من الرؤية الإسرائيلية بشأن استخدام القوة العسكرية وتوسيع نطاق الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.
ويوضح العابد أن الحديث عن السلام الحقيقي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، بما في ذلك إقامة الدولة الفلسطينية، لم يعد من أبجديات السياسة الأمريكية في عهد دونالد ترمب، ولذلك لا تبدو واشنطن راغبة في ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل ما دامت سياساتها لا تلحق ضرراً بالمصالح الأمريكية.
التعامل مع الملف الإيراني
ويشير العابد إلى أن المعادلة تتغير عندما تتعارض المصالح الأمريكية والإسرائيلية بصورة مباشرة، مستشهداً بالملف الإيراني، حيث جرى كبح نتنياهو عندما حاول تجاوز الإدارة الأمريكية، وتصاعد الخطاب الأمريكي الرسمي ضده وصولاً إلى لجم تحركاته في هذا الملف.
واشنطن والمراهنة على النظام السوري الجديد
وفي سوريا، يرى العابد أن واشنطن راهنت على النظام الجديد وإمكان توظيفه بما يخدم مصالحها، لكن محدودية قدرته أو رغبته في تنفيذ بعض المطالب الأمريكية قد تدفعها إلى إعادة النظر في موقفها منه، بما يتيح لإسرائيل مساحة أوسع لتنفيذ مخططاتها، شرط ألا تتعارض مع المصالح التركية.
وبحسب العابد، فإن واشنطن تريد من أنقرة وتل أبيب ترتيب الوضع السوري ومنع الوصول إلى مواجهة مباشرة، رغم أن الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية قد تدفع إسرائيل أحياناً إلى تحركات تكتيكية تتجاوز الرغبة الأمريكية، وإن كانت لا تملك، استراتيجياً، القدرة على الخروج عن الإدارة الأمريكية في جميع الملفات.
غياب لغة المصالح بملف غزة
وفي الشأن الفلسطيني، يؤكد العابد غياب ضغوط حقيقية بلغة المصالح تدفع واشنطن إلى إجبار إسرائيل على تغيير سياساتها، مشيراً إلى أن الدبلوماسية الأمريكية والموفدين الأمريكيين يمهدون الطريق أمام نتنياهو لتنفيذ مخططاته في غزة بأقل قدر من الأعباء السياسية.
منطقة رمادية
ويرجح العابد استمرار الوضع الحالي في غزة ولبنان والضفة الغربية وسوريا، مع إبقاء المنطقة في "منطقة رمادية" بين التصعيد والهدوء، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن قد تسعى لمنع التصعيد الأكبر، لكنها لن تصل، على الأرجح، إلى فرض انسحابات إسرائيلية أو تنفيذ كامل للمرحلة التالية من الخطط المطروحة.
ويؤكد العابد أن الملف اللبناني سيبقى بدوره في إطار إدارة الوضع القائم إلى حين اتضاح نتائج الاستحقاقات الانتخابية، فيما سيستمر الملف الإيراني ضمن سياسة التبرير والإدارة، دون حلول نهائية أو تصعيد واسع يضر بالمصالح الأمريكية أو يفاقم الضغوط الدولية على واشنطن وإسرائيل.
قدرة إسرائيل على فرض مواقفها في بعض الجبهات
يؤكد مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن قدرة إسرائيل على فرض مواقفها وأولوياتها تبدو أعلى بكثير في غزة ولبنان وسوريا مقارنة بقدرتها على فعل ذلك عندما يتعلق الأمر بإيران أو تركيا، مشيراً إلى أن إسرائيل تتذرع في الساحات الثلاث الأولى بالأمن القومي والتهديد الوشيك أو الكامن، وتتحرك بهامش واسع من حرية الحركة.
ويوضح الرنتاوي أن التطورات في سوريا كشفت أن إسرائيل لا تريد الاكتفاء بمنطقة أمنية عازلة في الجنوب السوري، وفق استراتيجية "الأحزمة الأمنية" التي طورتها بعد السابع من أكتوبر 2023، وإنما تريد أن تتحول سوريا بأكملها إلى منطقة أمنية عازلة، مؤكداً أنها ستعمل على منع الجيش السوري من إعادة بناء قدراته، بما في ذلك الدفاعات الأرضية وسلاح الجو والقدرات الصاروخية.
ويشير الرنتاوي إلى أن الولايات المتحدة لا تمانع في هذا التوجه، لأنها لا تريد سوريا قوية عسكرياً وقادرة على تشكيل تهديد استراتيجي لإسرائيل، بل تفضل دولة ذات قدرة أمنية وشرطية تحفظ الحدود والسلم الأهلي.
ويعتبر الرنتاوي أن تحفظ واشنطن أحياناً على بعض السلوك الإسرائيلي في سوريا يرتبط بالزاوية السياسية، وعدم إحراج النظام السوري الجديد الذي تراهن عليه، وليس برفض جوهري للهدف الإسرائيلي.
موقف واشنطن من "حق إسرائيل بإطفاء التهديدات"
وفي غزة ولبنان، يوضح الرنتاوي أن الولايات المتحدة قبلت سابقاً وما تزال تقبل بمبدأ حرية الحركة الإسرائيلية تحت عنوان "حق الجيش الإسرائيلي في إطفاء التهديدات" فور ظهورها أو قبل وقوعها، وهو ما يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للمناورة.
أما إيران، فيرى الرنتاوي أن المعادلة مختلفة، إذ لا تتردد إسرائيل في الذهاب إلى مواجهة مفتوحة معها حتى دون ضمان سند أمريكي قوي، بينما تمثل تركيا ملفاً مختلفاً، مع تزايد أهمية سوريا في الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
المواجهة المباشرة التركية الإسرائيلية مستبعدة
ويرجح الرنتاوي استمرار التصعيد التركي الإسرائيلي، لكنه يستبعد وصوله إلى مواجهة مباشرة بين الجيشين، معتبراً أن الحديث عن صدام وشيك أو مؤكد ينطوي على قدر من المبالغة.
ويؤكد الرنتاوي أن تركيا لا تضع الحرب ضمن أولوياتها، كما أن عضويتها في حلف الناتو لا تعني تلقائياً وقوف الغرب إلى جانبها في مواجهة إسرائيل، مستبعداً اللجوء إلى المادة الخامسة من المعاهدة في هذا السياق.
ويرجح الرنتاوي تحرك الأطراف المعنية لمنع الاشتباك المباشر بين إسرائيل وتركيا، مشيراً إلى تداول أفكار ومبادرات لإنشاء آلية ثلاثية تضم سوريا وتركيا وإسرائيل، بحضور أمريكي، لمعالجة النزاعات ومنع التدهور.
احتمال اللجوء إلى حروب وكالة
ويشير الرنتاوي إلى أن التوتر سيظل قائماً، مع احتمال اللجوء إلى حروب وكالة وتصعيد سياسي وتحركات دبلوماسية وتحالفات وأدوات اقتصادية، في محاولة للردع وتعويض المواجهة المباشرة غير المرغوبة بين دولتين قويتين.
المصدر:
القدس