يعكس المشهد السياسي للفلسطينيين في الداخل المحتل، والذين يقدر عددهم بمليون ونصف المليون نسمة، تنوعاً فكرياً وعقائدياً واسعاً يتجاوز محدودية العدد السكاني. فمنذ نكبة عام 1948، مرّ العمل السياسي بمراحل مفصلية بدأت بانحصار النشاط في الحزب الشيوعي الذي سعى لتثبيت البقاء الفلسطيني في ظل سياسات التهجير، وصولاً إلى ظهور تيارات قومية وإسلامية غيرت موازين القوى داخل المجتمع العربي.
يعد الحزب الشيوعي الإسرائيلي، النواة الأولى للعمل البرلماني العربي، حيث شارك في انتخابات الكنيست منذ دورتها الأولى عام 1949 كجزء من استراتيجية الصمود ومواجهة الحكم العسكري. وقد انبثقت عنه لاحقاً 'الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة' عقب هبة يوم الأرض عام 1976، لتشكل إطاراً يجمع الشيوعيين والوطنيين على مبادئ حل الدولتين والمساواة المدنية الكاملة.
في المقابل، برزت حركة 'أبناء البلد' في السبعينيات كتيار وطني شبابي متأثر بالفكر القومي والجبهة الشعبية، متبنيةً موقفاً جذرياً يرفض المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية. وتدعو الحركة تاريخياً إلى حل الدولة الديمقراطية الواحدة على كامل التراب الفلسطيني، ورغم تراجع انتشارها التنظيمي، إلا أنها لا تزال تمثل صوتاً نقدياً قوياً للتحالفات العربية البرلمانية الحالية.
شكل ظهور الحركة الإسلامية في نهاية السبعينيات بقيادة الشيخ عبد الله نمر درويش تحدياً كبيراً لهيمنة اليسار، حيث اعتمدت في بدايتها على العمل الدعوي والاجتماعي. ومع حلول عام 1996، انقسمت الحركة إلى شقين؛ 'الجنوبية' التي قررت دخول البرلمان الإسرائيلي، و'الشمالية' بقيادة الشيخ رائد صلاح التي رفضت الاعتراف بشرعية الكنيست وانتهى بها الأمر محظورة بقرار إسرائيلي عام 2015.
تقود القائمة العربية الموحدة اليوم، برئاسة منصور عباس، توجهاً براغماتياً يثير جدلاً واسعاً في أوساط فلسطينيي الداخل، حيث يركز على 'التأثير' بدلاً من الاكتفاء بـ 'التمثيل'. ويسعى هذا النهج إلى جعل الأحزاب العربية بيضة القبان في الائتلافات الحكومية الإسرائيلية لتحصيل حقوق مدنية وميزانيات، مقللاً من التركيز على البعد القومي للقضية الفلسطينية في الخطاب اليومي.
على الضفة الأخرى، يبرز التجمع الوطني الديمقراطي كقوة ترفض الأسرلة وتتمسك بالهوية القومية، مطالباً بتحويل إسرائيل إلى 'دولة كل مواطنيها'. ويخوض التجمع، الذي أسسه عزمي بشارة ويقوده حالياً سامي أبو شحادة، غمار المنافسة الانتخابية ضمن تحالفات تهدف للحفاظ على الثوابت الوطنية الفلسطينية مع المطالبة بمواطنة متساوية وجوهرية لا تقتصر على الجوانب الخدمية.
أما الحركة العربية للتغيير بقيادة أحمد الطيبي، فتمثل تياراً يجمع بين البراغماتية السياسية والخطاب الوطني القوي، مستفيدة من تجربة رئيسها الطويلة. وتنشط الحركة عادة ضمن قوائم تحالفية مثل 'القائمة المشتركة'، حيث تسعى للموازنة بين الاحتياجات اليومية للمواطنين العرب وبين التعبير عن الانتماء الوطني الفلسطيني، استعداداً للجولات الانتخابية المقبلة في عام 2026.
المصدر:
القدس