آخر الأخبار

الشيخوخة في القدس: تحديات كبار السن بين الاحتلال والرعاية

شارك

القدس - "القدس" دوت كوم - محمد أبو خضير


في دراسة بحثية شاملة حملت عنوان "الشيخوخة في القدس: إلى أين؟ واقع التحديات وآفاق المستقبل"، يكشف الباحثان الدكتور عزمي أبو السعود والأستاذ عزمي أحمد سراج عن واقع مأساوي لكبار السن العرب في مدينة القدس، حيث تتحول الشيخوخة من مرحلة عمرية طبيعية إلى "شيخوخة سياسية وقانونية قسرية" في ظل سياسات الاحتلال والتهميش المنظم. وتعد هذه الدراسة، التي استمرت على مدار العامين 2025-2026، محاولة جادة لقراءة مستقبل فئة مجتمعية توشك أن تصبح من أكثر الفئات هشاشة في مدينة تعاني أساساً من هشاشة وجودية.
انطلق البحث من فرضية أساسية مفادها أن جودة حياة المسنين في القدس المحتلة لا تُحددها فقط قوة نظام الرعاية الصحية أو متانة الدخل التقاعدي، بل تُحددها بشكل جذري هويتهم ورقم هويتهم والحي الذي يقيمون فيه. فالمسنون المقدسيون، كما يوضح الباحثان، يتقاسمون مع كل مسني العالم تحديات التقدم في السن من أمراض ووحدة وحاجة متزايدة للرعاية، لكنهم يحملون فوق أكتافهم عبئاً إضافياً فريداً ناتجاً عن وضع المدينة المحتلة والمقسمة.
وتكمن المشكلة البحثية في التشابك المعقد بين عملية الشيخوخة الطبيعية كمصير بيولوجي، والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تفرضها حالة الاحتلال والصراع في القدس. هذا التشابك يُنتج واقعاً مركباً، حيث يُصبح المسن سجيناً بين مطرقة حاجاته المتزايدة للرعاية وسندان نظام سياسي يمارس التمييز في توزيع الموارد والخدمات، مما يهدد كرامته وأمنه وجودة حياته بشكل عام.
وشمل مجتمع الدراسة كبار السن المقدسيين الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فما فوق، ويعيشون تحت واقع جيوسياسي معقد ناتج عن الاحتلال الإسرائيلي. وقد تم اختيار عينة قوامها 200 مسن من سكان أحياء القدس الشرقية المحتلة، وهي أحياء تُمثل النسيج السكاني المقدسي الأصيل وتتعرض لكثير من الاضطهاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وتم اختيار العينة بطريقة عشوائية طبقية لضمان تمثيل متوازن حسب الجنس والوضع الصحي والمستوى الاقتصادي ونوع السكن.
الخصائص الديموغرافية للمسنين
كشفت النتائج أن الشيخوخة في القدس ليست مجرد ظاهرة ديموغرافية، بل هي متغير سياسي وقانوني بامتياز. فقد أظهرت البيانات أن نسبة الإناث تتجاوز 53% مع تركيز كبير في فئة الأرامل، حيث تعاني المسنة المقدسية من "عزلة مضاعفة" إذ تفتقد للمعين المادي بعد وفاة الزوج وتصطدم ببيئة حضرية من طرق وأدراج لا تراعي خصوصيتها الجسدية.
وفيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي، كشف تقسيم العينة بين "داخل وخلف الجدار" عن ظاهرة "اللاجئ في مدينته". فالمسنون خلف الجدار في مناطق مثل كفر عقب والرام يعيشون في منطقة رمادية، إذ يدفعون الضرائب للبلدية لكنهم محرومون من الخدمات الطبية المهمة والمعقدة التي لا تتواجد إلا في الجانب الغربي من مدينة القدس، مما خلق لديهم شعوراً بالاغتراب والضياع القانوني.
أما توزيع الفئات العمرية فأظهر أن الفئة العمرية 65-75 هي الأكثر تمثيلاً، وهي فئة "الشيخوخة النشطة" التي لا تزال تحاول الانخراط في الحياة العامة على الرغم من المعيقات. وفيما يخص التركيبة الأسرية، رغم التحولات العصرية لا يزال 65% من عينة الدراسة يعيشون ضمن أسر ممتدة، لكن المقابلات كشفت عن "شرخ صامت" حيث يعيش المسن مع عائلته جسدياً لكنه يعاني من عزلة عاطفية بسبب انشغال الأبناء بضغوطات العمل والحياة.
الواقع الصحي والخدمي
كشفت النتائج عن خارطة وبائية مقلقة، حيث يعاني 88% من مجتمع العينة من أمراض مزمنة مثل السكري وهشاشة العظام وأمراض القلب.
وبالتحليل المعمق تبين أن ذلك يرتبط بـ"التوتر السياسي المستمر" وصعوبة السيطرة على هذه الأمراض. فالمسن المقدسي يعيش في حالة استنفار فيزيولوجي دائم بسبب الملاحقات الضريبية أو الخوف على الأبناء، مما يعطل استجابة جسده للعلاجات التقليدية.
وبارزت الحواجز العسكرية كأداة تعذيب بيولوجي، فالمسن الذي يحتاج إلى جلسة علاج كيماوي في مشافي القدس يضطر للانتظار لساعات، مما يؤدي إلى تدهور حالته قبل وصوله للسرير الطبي. هذا الواقع دفع بالعديد من المسنين إلى "تطبيع الألم" والسكوت عن المرض لتجنب رحلة العذاب عبر الحواجز.
وقد أظهرت النتائج أن المسن الذي يقيم خلف الجدار يمر بعملية فرز سياسي بشكل يومي حال مروره عبر الحواجز، وما يتعرض له من ظروف بيئية قاسية من حرارة شديدة أو برد قارس انتظاراً للسماح له بالعبور والوصول إلى وجهته داخل مدينة القدس .
كما كشفت الدراسة عن ظاهرة "الخوف القانوني" التي تجبر المسنين المقدسيين على البقاء في بيوتهم المتهالكة وغير الصحية داخل البلدة القديمة أو في الأحياء خارج أسوار القدس كالعيساوية وسلوان والطور، والتي تفتقر إلى أهم الخدمات كالمصاعد وتكثر فيها الرطوبة، مما يؤدي إلى تفاقم الأمراض التنفسية والروماتيزم، وهو ما أطلقت عليه الدراسة "الاعتلال الجسدي الناتج عن التثبيت المكاني القسري" .
الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية
أظهرت النتائج أن متوسط مخصصات الشيخوخة لا يتجاوز 3500 شيكل، بينما يحتاج المسن المقدسي العربي إلى 6000 شيكل كحد أدنى للعيش بكرامة. وهذه الفجوة يتم سدها من خلال الاقتطاع من الغذاء والدواء أو الاعتماد على الأبناء المنهكين أصلاً.
وكشفت النتائج أن 56.5% من العينة يعانون من عدم كفاية الدخل، مما يعكس غياب شبكة أمان اقتصادية حقيقية تحمي المسن من تقلبات الأسعار في مدينة هي الأغلى في المنطقة.
وتكشف الدراسة عن "سياسة الإفقار الهيكلي" حيث يُحاصر المسن المقدسي بين منظومة ضريبية إسرائيلية باهظة (أرنونا) ومخصصات تأمين وطني مصممة للحد الأدنى من البقاء. وقد كشفت المقابلات عن تحول المسن من "المركزية الأبوية" إلى "التبعية للأبناء"، وهذا الانقلاب في الأدوار الاجتماعية يؤدي إلى ما يُسمى "الوفاة الاجتماعية المبكرة"، حيث يشعر المسن بفقدان قيمته ودوره، مما يفسر ارتفاع مؤشرات الاكتئاب والقلق.
وفيما يخص شبكات الدعم الاجتماعي، أثبتت النتائج أن الأسرة هي العمود الفقري للصمود، لكنها شبكة تنوء تحت الحمل، فالأبناء أنفسهم يعانون من ضغوط اقتصادية، مما يخلق شعوراً بالذنب لدى المسن بأنه عبء على عائلته، وهو ما يفسر ارتفاع مؤشرات القلق النفسي في المقابلات النوعية. كما بينت النتائج أن الدعم المؤسساتي هو إغاثي تجميلي، فالجمعيات المجتمعية التي من واجبها تقديم الخدمات التي لا تقدمها الحكومة الإسرائيلية لا تقوم إلا بالتنظير دون تقديم الخدمات الضرورية للمسن .

العوامل السياسية والقانونية
يعيش المسن المقدسي تحت وطأة نظام قانوني فريد يُعرف "بالإقامة الدائمة"، وهو وضع قانوني قلق يجعل حقه في العيش بمدينته مشروطاً بإثبات أن "مركز" حياته يقع داخل حدود بلدية القدس الإسرائيلية. وكشفت المقابلات المعمقة أن الكثيرين من المسنين يرفضون الانتقال للعيش مع أبنائهم في مناطق الضفة الغربية أو حتى في الأحياء المقدسية خلف الجدار التي قد تتوفر فيها ظروف سكنية أفضل، خوفاً من سحب الهوية الزرقاء.
ويواجه المسنون المقدسيون تحديات قانونية متعددة، منها البيروقراطية القانونية التي تمنح القانون الإسرائيلي بموجبها مخصصات تمريض للمسنين ممن يحتاجون لمساعدة يومية، إلا أن النتائج بينت وجود فجوة كبيرة في الحصول على مثل هذه الحقوق للمسن المقدسي. كما يعانون من "الأمية القانونية" باللغة العبرية، مما يجعلهم غير قادرين على ملء الاستمارات للمطالبة بالحقوق أو فهم قرارات اللجان الطبية التابعة للتأمين الوطني. وتشير الدراسة إلى أن معايير استحقاق المسن المقدسي للخدمات التي تقدمها مؤسسات الخدمات المجتمعية الإسرائيلية تعتمد تحقيقات صارمة في "إثبات" مكان الإقامة كوسيلة لتعطيل أو حرمان المسن من تلقي هذه الخدمات، في مقابل تقديمها بكل يسر وسهولة لنظيره المسن اليهودي .
مقارنة أوضاع كبار السن المقدسيين مع المجتمعات العالمية
وتخلص الدراسة إلى أن واقع مجتمع كبار السن في القدس الشرقية المحتلة يتميز بضعف البنية التحتية الصحية والتمييز في تلقي الخدمات ونسبة عالية من حالات الفقر وعزلة اجتماعية بسبب التوتر السياسي .

قراءة في آفاق المستقبل
ترسم الدراسة مسارين محتملين لمستقبل الشيخوخة في القدس. المسار الأول هو الاستمرار في الوضع الراهن، وهو مسار يُنذر بكارثة إنسانية حيث سيؤدي استمرار التهميش وارتفاع تكاليف المعيشة وتشديد الخناق الجغرافي إلى تحويل مجتمع المسنين في مدينة القدس إلى مجتمع منسي يعاني من نسب مرتفعة من الوفيات المبكرة وانتشار الخرف الناتج عن العزلة والفقر المدقع، مما يعني خسارة المدينة المقدسة لأهم صمامات أمان هويتها وتاريخها.

أما المسار الثاني فهو مسار الرؤية والتمكين الذي تدعو إليه الدراسة، وذلك بالانتقال من الإغاثة الموسمية إلى الحماية الهيكلية. وتتلخص هذه الرؤية في عدة محاور استراتيجية: رؤية لمجتمع صديق للمسن من خلال إعادة تأهيل شاملة لجميع المرافق الحياتية من أبنية وأرصفة وشوارع وخدمات ونقل تساعد المسن المقدسي في حياته اليومية وتمكنه من التنقل الحر وغير المقيد بالتعقيدات الأمنية العسكرية، ورؤية لنظام صحي عابر للحدود السياسية من خلال تحقيق الاستحقاق الصحي التلقائي حتى لا يضطر المسن المقدسي لخوض معارك بيروقراطية لإثبات حاجته للتمريض أو الدواء، ورؤية للتمكين القانوني والأمان الهوياتي من خلال وضع قانوني مستقر يحمي المسن من سحب الهوية مهما كان مكان سكنه أو مدة غيابه لتلقي العلاج، ورؤية للعدالة الاقتصادية والاستقلال المادي من خلال إقرار مدخول يكفي المسن المقدسي ويحفظ ماء وجهه، ورؤية للتلاحم الاجتماعي من خلال استعادة المسن المقدسي للمركزية الاجتماعية في الثقافة المقدسية .

التوصيات والاقتراحات
بناءً على النتائج التي تم التوصل إليها، تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات الاستراتيجية والإجرائية، منها: العمل على الضغط على الحكومة الإسرائيلية لانتزاع بروتوكول خاص يمنح كبار السن المقدسيين أولوية المرور عبر الحواجز العسكرية دون الخضوع لإجراءات التفتيش الطويلة، وتحويل جزء من الميزانيات الصحية لتمويل وحدات علاجية منزلية يمكنها الوصول للمسن في بيته، وإنشاء صندوق تكافلي لتمويل تكاليف الأدوية للأمراض المزمنة، وإنشاء وحدة قانونية متخصصة لمساعدة المسنين المقدسيين في معاركهم ضد الحكومة الإسرائيلية حول إثبات الإقامة وتحصيل حقوق التمريض، والتحرك القانوني الجماعي لفرض إعفاء تلقائي وكامل من ضريبة الأرنونا وضرائب الأملاك لكل مقدسي تجاوز سنه السبعين، وإنشاء مراكز نهارية تدمج بين العلاج الوظيفي ونقل الذاكرة، وتدريب كوادر من لجان الأحياء والشباب المتطوعين على مهارات الإسعاف النفسي الأولي للمسن .

خلاصة الدراسة
ينتهي البحث إلى أن الشيخوخة في القدس هي شيخوخة تحت الحصار، وأن القوانين والأنظمة المعمول بها لا تهدف إلى رعاية المسن كقيمة إنسانية، وإنما تُستخدم كأدوات هندسة ديموغرافية. وتخلص الدراسة إلى أن أي تدخل صحي أو اجتماعي لن ينجح ما لم يُصاحبه تمكين حقوقي وقانوني يحمي وجود المسن في مدينته ويضمن له الوصول الحر وغير المشروط لحقوقه الطبيعية.
وكما ورد في خاتمة البحث: "إن حماية كبار السن في المدينة المقدسة ليست مجرد التزام اجتماعي، بل هي صيانة للذاكرة التاريخية والهوية الصامدة للمدينة. كبار السن في المدينة المقدسة هم الجذور الضاربة في عمق الأرض، والذين دفعوا أثماناً باهظة عبر عقود من الصراع للحفاظ على عروبة مدينتهم. إن هذه الدراسة تخلص إلى أن الوفاء لهذه الفئة ليس منة ولا عملاً خيرياً، بل هو واجب وجودي، فبقدر ما نُكرم شيبتهم نحفظ مستقبل مدينتنا. لقد أثبت البحث أن القدس التي نريد هي المدينة التي يجد فيها المسن رصيفاً يسيراً وطبيباً قريباً ودخلاً كافياً واحتراماً لا ينقطع. إن الشيخوخة في القدس يجب أن تتوقف عن كونها نضالاً للبقاء لتُصبح راحة مستحقة في كنف مدينة تستحق منهم الأفضل ويستحقون هم منها الوفاء" .


القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا