- مهمتنا الأولى منع استمرار هذه الحكومة، لأن بقاءها يعني الانتقال إلى مرحلة الحسم في مختلف مناحي الحياة
- رفع نسبة تصويت فلسطينيي الـ48 هو الوسيلة الأفضل والأقل كلفة لمنع استمرار هذه الحكومة
- إذا أصبحت لنا حاجة ملموسة بعد الانتخابات، فسنقوم بكل خطوة تخدم هدف عدم بقاء نتنياهو في الحكم
- ما انفجر في وجه نتنياهو هو حقيقة أنه لا يمكن تجاوز القضية الفلسطينية، وفشل نظرية إدارة الصراع
- لن أترشح للانتخابات المقبلة، وسأكرس جهدي بعدها لبناء جبهة عربية يهودية لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية
رام الله- مهند ياسين- "القدس" دوت كوم - وضع رئيس قائمة تحالف الجبهة والعربية للتغيير في الكنيست أيمن عودة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في إطار يتجاوز المنافسة التقليدية على المقاعد وتشكيل الائتلافات، معتبراً أنها محطة مفصلية ستحدد ما إذا كانت إسرائيل ستواصل مسارها الحالي بقيادة اليمين، بما يحمله من مخاطر الانتقال إلى مرحلة "الحسم" في الضفة الغربية والقضية الفلسطينية، أم ستفتح نتائجها الباب أمام تغيير سياسي يمكن البناء عليه. وحذر بصورة خاصة من الأشهر التي تسبق الانتخابات، في ظل ما وصفه بمساع داخل اليمين الإسرائيلي لاستهداف الكيانية الفلسطينية، داعياً إلى الحفاظ عليها باعتبارها "نواة الدولة الفلسطينية"، رغم مشروعية النقد الموجه إلى السلطة وأدائها.
انتخابات لحظة حسم
وفي تفصيله لرهانات الانتخابات المقبلة، رأى عودة أن خطورتها لا تتوقف عند تحديد هوية الحكومة المقبلة، بل تمتد إلى طبيعة المشروع السياسي الذي ستسعى إلى تنفيذه. فنجاح الائتلاف الحالي في إعادة إنتاج نفسه، وفق تقديره، قد يمنحه فرصة للانتقال من إدارة الملفات والصراعات القائمة إلى محاولة "حسمها"، سواء داخل إسرائيل أو في الأراضي الفلسطينية، وفي الضفة الغربية على وجه الخصوص.
واعتبر أن خطورة المرحلة تزداد لأن الحكومة الإسرائيلية قد تبحث، قبل الانتخابات، عن ساحات تحقق فيها إنجازاً سياسياً أو عسكرياً يمكن تسويقه انتخابياً، خصوصاً إذا تعذر فتح مواجهة واسعة جديدة مع إيران. وفي هذا السياق، وضع الضفة الغربية في دائرة الخطر المباشر، مستشهداً بتصريحات داخل الليكود تتحدث عن إسقاط السلطة الفلسطينية، ومعتبراً أن المقصود يتجاوز الخلاف مع أدائها إلى استهداف "نواة الدولة الفلسطينية".
ومن هنا، فصل عودة بين الحق في نقد السلطة ومؤسساتها وقياداتها، وبين ما وصفه بالواجب الوطني في حماية الكيانية الفلسطينية في هذه المرحلة. وبرأيه، فإن الأولوية في الأشهر السابقة للانتخابات تتمثل في إدراك اتجاهات الحكومة الإسرائيلية ومحاولاتها إضعاف البنية السياسية الفلسطينية، تمهيداً لإعادة إطلاق المشروع الوطني بعد الانتخابات باتجاه إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة.
القضية الفلسطينية في المركز
وعلى خلاف القراءات التي تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً هامشياً في الانتخابات الإسرائيلية، ذهب عودة إلى أنها العامل الأكثر تأثيراً في السياسة الإسرائيلية، ليس فقط بسبب حرب السنوات الثلاث الأخيرة، وإنما لأنها تتداخل مع ملفات الأمن والميزانية والعلاقات بين العلمانيين والمتدينين ومكانة فلسطينيي الـ48.
واستعاد تجربة التسعينيات ليشير إلى أن تحسن المناخ السياسي الفلسطيني الإسرائيلي انعكس مباشرة على واقع فلسطينيي الـ48، فيما شكّلت السنوات الثلاث الأخيرة النقيض الكامل لذلك. وربط حتى الصراعات الكبرى داخل المجتمع الإسرائيلي، بما فيها اغتيال رئيس الوزراء إسحق رابين، بجذرها الفلسطيني، معتبراً أن الصراع على مستقبل الأراضي الفلسطينية ظل واحداً من أكثر عناصر الانقسام عمقاً داخل إسرائيل.
وفي السياق نفسه، ربط عودة بين خطة الحكومة لإضعاف القضاء وبين مشروعها في الضفة الغربية، معتبراً أن معركة اليمين مع المحكمة العليا لا تنفصل عن رغبته في إزالة القيود القانونية التي قد تعرقل السيطرة على مزيد من الأراضي الفلسطينية، ولا سيما الأراضي الخاصة في المناطق المصنفة "ج". وبرأيه، فإن عودة الائتلاف الحالي بعد الانتخابات ستمنحه قدرة أوسع على استكمال هذه التحولات.
التصويت مفتاح التغيير
ووضع عودة رفع نسبة التصويت بين فلسطينيي الـ48، في صدارة أدوات مواجهة عودة الحكومة الحالية، معتبراً أنها الوسيلة "الأفضل والأقل كلفة" لتحقيق ذلك. فالمعادلة، كما عرضها، لا تبدأ بالسؤال عن دخول حكومة أو البقاء خارجها، بل بزيادة الوزن البرلماني العربي بما يكفي لحرمان معسكر نتنياهو من الأغلبية.
وبدا واضحاً في حديثه أن موقفه من مرحلة ما بعد الانتخابات سيكون محكوماً بهذا الهدف. فإذا أصبحت أصوات الأحزاب العربية ضرورية في التوصية أمام رئيس الدولة أو في خطوات برلمانية لاحقة، فإنه يؤيد اتخاذ كل خطوة تخدم منع نتنياهو من الاستمرار في الحكم. لكنه وضع في المقابل حداً فاصلاً بين التكتيك الانتخابي وبين التنازل عن الهوية السياسية والرواية الوطنية الفلسطينية.
وتوقف عند الوزن الانتخابي الفعلي للعرب، موضحاً أن فلسطينيي الـ48 يشكلون، وفق حسابه الوطني، نحو 19% من المواطنين، لكن نسبتهم بين أصحاب حق الاقتراع أقل بسبب التركيبة العمرية، إضافة إلى أن جزءاً واسعاً من الناخبين الدروز لا يصوت للأحزاب العربية الوطنية. ومن هنا رأى أن بلوغ القائمة المشتركة سابقاً 15 مقعداً مثّل سقفاً مهماً، وأن ارتفاع المشاركة يمكن أن يعيد للأحزاب العربية قدرة أكبر على التأثير في تشكيل الحكومة المقبلة.
وحدة أمام اليمين
وفي تحول لافت عن موقفه السابق، أعلن عودة تأييده لتحالف عربي شامل يضم الحركة الإسلامية، موضحاً أنه قبل أربعة أعوام لم يكن يتبنى هذا الخيار، لكن تطورات السنوات الثلاث الأخيرة جعلته أكثر براغماتية في هذه المسألة.
وحدد جوهر المسألة بسؤال "التناقض الرئيسي"، أي هل الأولوية للخلافات بين القوى العربية نفسها، أم لمواجهة الحكومة اليمينية الحالية؟ وانتهى إلى أن مواجهة اليمين هي التناقض الأساسي في هذه المرحلة، وأن الوحدة يمكن أن ترفع نسبة التصويت وتمنع الحكومة الحالية من الحصول على الأغلبية.
غير أن هذا الانفتاح على الوحدة لا يعني، وفق طرحه، تجاوز الخلاف الفكري مع الحركة الإسلامية أو مع التيارات التي تعطي الأولوية للمطالب المدنية والاقتصادية. فهو طرح مجدداً سؤالاً عن طبيعة الوجود العربي داخل إسرائيل، وهل يقتصر على تحسين شروط الحياة اليومية أم يرتبط أيضاً بقضية وطنية وحقوق جماعية وهوية فلسطينية.
براغماتية بلا تنازل
وفي هذا السياق، رسم عودة حدوداً واضحة لأي تعاون مع القوى اليهودية المعارضة لنتنياهو. فهو يرفض، من جهة، المساواة بين معسكر سياسي يقبل مبدأ الدولتين وقوى يمينية تتبنى السيادة اليهودية الكاملة بين البحر والنهر، لكنه يرفض، من جهة أخرى، أن يتحول إسقاط نتنياهو إلى مبرر لقبول شروط تمس الرواية الفلسطينية أو الهوية الوطنية.
وفي المقابل، رفض عودة شروطاً تنطلق من مطالبة العرب بالاعتراف بالرواية الصهيونية أو بشرعية وعد بلفور أو بالتخلي عن روايتهم التاريخية مقابل القبول بهم شركاء سياسيين، مختصراً موقفه بعبارة "لا نبيع الشروش بالقروش". وبرأيه، فإن الاختبار الحقيقي لأي مشاركة هو ما إذا كان العرب سيؤثرون في الحكومة أكثر مما ستؤثر الحكومة في هويتهم وبرنامجهم.
حرب غير حاسمة
أما على مستوى نتائج السنوات الثلاث الأخيرة، فقدم عودة قراءة متعددة المستويات لما أنتجته الحرب. وانطلق من موقف أخلاقي واضح تجاه الكلفة البشرية التي دفعها الفلسطينيون، مؤكداً أنه لو كان يستطيع العودة بالزمن إلى ما قبل السنوات الثلاث لفعل، لأن حياة الإنسان وكرامته يجب ألا تتحولا إلى مجرد كلفة في حساب سياسي أكبر.
لكن، بعد وقوع ما وقع، رأى أن الحرب أنتجت تحولات استراتيجية لا يمكن تجاهلها. أولها، في تقديره، انهيار فكرة إمكان تجاوز القضية الفلسطينية التي شكلت أساساً في مشروع نتنياهو، سواء عبر "السلام الاقتصادي" أو التطبيع الإقليمي واتفاقيات أبراهام. وثانيها، انهيار نظرية "إدارة الصراع". وثالثها، بدء اختبار نظرية "الحسم المطلق" نفسها، إذ يرى أن السنوات الأخيرة أظهرت أن أياً من الشعبين لا يستطيع إنهاء وجود الآخر بالقوة.
ولفت كذلك إلى اختلاف الحرب الحالية عن محطات 1948 و1967 من زاوية الوعي الإسرائيلي، إذ يرى أنه لا يوجد هذه المرة مجتمع يخرج من الحرب وهو يشعر بنصر كامل. وبحسب قراءته، فإذا كان اليمين استثمر إخفاق عملية السلام لضرب فكرة التسوية، فإن فشل الحرب في إنهاء القضية الفلسطينية يفتح بدوره المجال لمساءلة أيديولوجيا القوة والحسم.
غزة تعود جغرافياً
ومن أبرز التحولات التي توقف عندها عودة عودة قطاع غزة إلى "المخيال الإسرائيلي" باعتباره جزءاً لا يمكن شطبه من المعادلة الديموغرافية بين البحر والنهر.
فبعد الانسحاب الإسرائيلي من القطاع عام 2005، رأى أن غزة خرجت طوال نحو عقدين من الحساب الذهني الإسرائيلي المباشر للسكان الخاضعين للصراع، لكن الحرب أعادتها بقوة إلى المعادلة، ليصبح الإسرائيلي، وفق طرحه، أمام حقيقة وجود نحو 7.5 مليون فلسطيني و7.5 مليون يهودي بين البحر والنهر. ويعتقد عودة أن هذا التوازن الديموغرافي يعيد طرح السؤال السياسي الذي حاول اليمين تجاوزه، أي ما هي الصيغة التي يمكن أن تنظم العلاقة بين الشعبين؟
الإقليم يعيد فلسطين
وعلى المستوى الإقليمي، رأى عودة أن فلسطين بقيت حاضرة في مشاريع القوى الرئيسية في المنطقة، سواء إسرائيل أو تركيا أو إيران، بصرف النظر عن الموقف الفلسطيني من سياسات كل طرف. وأولى أهمية خاصة للتحرك السعودي والجهود العربية والدولية المتعلقة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، باعتبارها فرصة لإعادة بناء وزن عربي فاعل حول القضية.
إلا أنه حذر من المبالغة في الرهان على التضامن الدولي وحده. فحتى إذا اتسعت دائرة التأييد الشعبي العالمي للفلسطينيين، فإن القيمة الاستراتيجية لذلك، وفق عودة، تقاس بقدرته على حماية وجود الفلسطينيين في وطنهم وتحقيق أهدافهم السياسية. ولذلك وضع العامل الداخلي الفلسطيني والصمود على الأرض في المرتبة الأولى.
اليمين وحكم ذاتي
وحول تصور اليمين الإسرائيلي لمستقبل الفلسطينيين، فرّق عودة بين تيارات متعددة. فجزء من اليمين، بحسب معرفته، نظر إلى 7 أكتوبر باعتباره "فرصة تاريخية" لمحاولة تصفية القضية الفلسطينية وتهجير أكبر عدد ممكن من سكان غزة، فيما ظل الطرح الرسمي الأوسع تاريخياً داخل اليمين يقوم على إبقاء الفلسطينيين في صيغة حكم ذاتي في الضفة وغزة.
وأوضح أن الصياغات تتدرج من "الحكم الذاتي" إلى "أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة"، لكن الجامع بينها هو رفض السيادة الفلسطينية الكاملة. في المقابل، يرى أن قطاعات من الوسط الإسرائيلي تدرك في الحوارات المغلقة أن حل الدولتين هو الحل الوحيد الممكن، إلا أن هناك فجوة كبيرة بين هذا الإدراك النظري وبين الاستعداد السياسي لمواجهة المستوطنين وتحمل كلفة الانتقال إلى تسوية فعلية.
معسكر عربي يهودي
وفي أكثر إعلاناته السياسية وضوحاً، كشف عودة أنه لن يترشح للانتخابات المقبلة، لكنه سيعمل خلال الحملة على رفع نسبة التصويت، ثم سيكرس جهده بعد الانتخابات لبناء "أكبر جبهة عريضة عربية يهودية مشتركة" من أجل إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية والسلام.
وبرأيه، لا يشترط أن ينطلق المشاركون في هذا المعسكر من المرجعية الأيديولوجية نفسها، فالأساس هو الاتفاق على النتيجة السياسية، إنهاء الاحتلال والوصول إلى دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل على أساس حدود 1967. واعتبر أن الاحتلال عندما يصبح مكلفاً للمجتمع الإسرائيلي تتولد داخله التناقضات التي يمكن أن تدفع شرائح جديدة إلى البحث عن تسوية، مشدداً على أن انتظار تحول أخلاقي شامل داخل المجتمع الإسرائيلي قبل إنهاء الاحتلال ليس قراءة واقعية لطبيعة الصراعات التاريخية.
واستعاد في هذا الإطار مرحلة التسعينيات، عندما كانت عملية السلام عنصراً حقيقياً في الفرز الإسرائيلي، وصولاً إلى انتخابات 1999، ثم تراجع اليمين بعد الانسحاب من غزة. لكنه رأى أن عوامل متراكمة خلال العقدين الأخيرين، بينها استمرار حكم نتنياهو، والربيع العربي، والانقسام الفلسطيني، والحرب الأخيرة والتطبيع العربي، دفعت القضية الفلسطينية إلى الخلف في الوعي الإسرائيلي قبل أن تعيدها الحرب الحالية إلى مركز الاهتمام، وإن رافق ذلك ارتفاع كبير في مشاعر العداء.
أمريكا تضيق الهامش
وتوقف عودة أيضاً عند العامل الأمريكي وتأثير الرئيس دونالد ترمب في الانتخابات الإسرائيلية، معتبراً أن ازدياد عزلة إسرائيل الدولية رفع مستوى اعتمادها على الولايات المتحدة، وضيّق قدرة نتنياهو على المناورة بين عواصم وحلفاء آخرين.
ويرى أن وجود اليمين الجمهوري في الحكم يجعل موقع نتنياهو أكثر حساسية تجاه الموقف الأمريكي، إذ لم يعد بإمكانه الرهان على انتظار تغير الإدارة في واشنطن كما فعل في مراحل سابقة. لذلك، وفق تقديره، أصبح موقف ترمب عاملاً ذا تأثير مباشر في صورة نتنياهو أمام الناخب الإسرائيلي وفي قدرته على تسويق علاقته بواشنطن بوصفها أحد عناصر قوته الانتخابية.
مشروع بعد التضحيات
وفي الخلاصة، أعاد عودة النقاش من حسابات المقاعد والائتلافات إلى السؤال الذي اعتبره الأكثر أخلاقية وسياسية في المرحلة المقبلة، كيف يمكن تحويل التضحيات الفلسطينية الهائلة إلى مشروع سياسي يجدد هدف تقرير المصير، بدلاً من أن تنتهي السنوات الأخيرة من دون إنجاز وطني.
وبين التحرك داخل المجتمع الإسرائيلي، ورفع المشاركة العربية، والحفاظ على الكيانية الفلسطينية، واستعادة القضية إلى قلب الإقليم والمجتمع الدولي، طرح عودة معادلة تقوم على الجمع بين العمل التكتيكي العاجل لإسقاط الحكومة الحالية، وبين عدم فقدان البوصلة الاستراتيجية المتمثلة في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
المصدر:
القدس