د. مؤيد عفانة: يجب ممارسة ضغوط لإلزام إسرائيل باستقبال دفعة خامسة استثنائية من الشيكل خلال العام الجاري لتخفيف أزمة السيولة والحد من بقاء كتل نقدية خاملة
محمد سلامة: لا توجد استحابة حتى الآن لمطالب زيادة استقبال فائض الشيكل أو تمديد العلاقة ما يعكس وجود أزمة داخلية إسرائيلية تجاه العلاقة مع الجانب الفلسطيني
أيهم أبو غوش: مستقبل العلاقة المصرفية ما زال يكتنفه الغموض ومن المبكر الحديث عن انتهاء العلاقة بشكل نهائي في ظل محاولات إيجاد حلول تضمن استمرارها
د. ثابت أبو الروس: هذه الخطوات قد تعكس في طياتها عودة التعاون بين الجانبين بالمجالات الاقتصادية وإسرائيل أدركت أن الاقتصاد الفلسطيني وصل مرحلة حرجة
مسيف مسيف: تبكير ترحيل فائض الشيكل يمثل عملياً عملية "تنفيس للأزمة قبل انفجارها" بعدما وصلت العلاقات المصرفية والتجارية إلى مرحلة قريبة من الخطر
إخلاص طمليه: يجب تفعيل دور الدبلوماسية الاقتصادية لتثبيت العلاقة المصرفية ضمن إطار قانوني طويل الأجل ووضع آليات دائمة لتحويل أموال المقاصة وترحيل فائض الشيكل
رام الله - خاص بـ"القدس"-
رغم ما وفره تمديد العلاقة المصرفية مع البنوك الإسرائيلية حتى نهاية العام، إلى جانب تبكير تحويل جزء من فائض الشيكل المتراكم لدى المصارف الفلسطينية، من انفراج نسبي مؤقت في الأزمة النقدية، فإن هذه الخطوات لا تبدد المخاوف بشأن مستقبل القطاع المصرفي، في ظل استمرار العوامل التي أنتجت الأزمة منذ بدايتها، وفق تقديرات خبراء اقتصاديين.
ويوضح خبراء اقتصاديون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن الإجراءات الأخيرة بإعلان رئيس الوزراء د.محمد مصطفى تمديد العلاقة مع البنوك الإسرائيلية المراسلة، وكذلك إعلان محافظ سلطة النقد يحيى الشنار موافقة إسرائيل استقبال دفعة مبكرة من فائض النقد المتراكم بالشيكل لدى المصارف الفلسطينية بقيمة 4.5 مليار شيكل، ساعدت على تخفيف الضغط عن السيولة ومنع تفاقم الأزمة في الوقت الراهن، لكنها لم تعالج الاختلالات البنيوية المرتبطة بتكدس الشيكل، واستمرار القيود على العلاقة المصرفية، واحتجاز أموال المقاصة، ما يعني أن احتمالات تجدد الأزمة تبقى قائمة مع انتهاء فترة التمديد إذا لم تُتخذ إجراءات أكثر استدامة.
ويؤكد الخبراء أن المرحلة الحالية تتطلب تحركاً يتجاوز المعالجات الفنية المؤقتة، عبر حشد دعم سياسي ودولي يفضي إلى ترتيبات مصرفية مستقرة، ورفع سقف استقبال فائض الشيكل، وإنهاء حالة عدم اليقين التي تثقل كاهل القطاع المالي والاقتصاد الفلسطيني، بما يضمن استمرارية النشاط الاقتصادي ويعزز الاستقرار المالي على المدى البعيد.
خطوتان مهمتان بهذه المرحلة الحساسة
يؤكد الخبير الاقتصادي والمالي د.مؤيد عفانة أن إعلان رئيس الوزراء محمد مصطفى تمديد العلاقة المصرفية مع البنوك الإسرائيلية حتى نهاية العام، إلى جانب إعلان محافظ سلطة النقد يحيى الشنار موافقة الجانب الإسرائيلي على استقبال دفعة مبكرة من فائض النقد المتراكم بالشيكل لدى المصارف الفلسطينية بقيمة 4.5 مليار شيكل، يمثلان خطوتين مهمتين في هذه المرحلة الحساسة، إلا أنهما لا تعالجان جذور الأزمة، وإنما توفران متنفساً مؤقتاً للقطاع المصرفي والاقتصاد الفلسطيني، الأمر الذي يستدعي العمل على إيجاد حلول دائمة ومستقرة.
ويوضح عفانة أن الموافقة الإسرائيلية على ترحيل نحو 4.5 مليار شيكل بشكل فوري إلى البنك المركزي الإسرائيلي، ضمن شحنة الربع الرابع التي تقرر تبكير تنفيذها، تعد خطوة إيجابية تسهم في التخفيف من أزمة تكدس الشيكل التي باتت تشكل أحد أبرز التحديات أمام الاقتصاد الفلسطيني، لافتاً إلى أن هذه الكتلة النقدية المتراكمة تعيق حركة السوق، وتحد من كفاءة التداول، وتفرض أعباء مالية إضافية على البنوك العاملة في فلسطين، فضلاً عن تأثيرها على المواطنين والتجار.
فجوة كبيرة
ويشير عفانة إلى أن هذه المعالجة تبقى محدودة، موضحاً أن إسرائيل تستقبل سنوياً نحو 18 مليار شيكل من خلال أربع دفعات ربع سنوية، في حين يتراوح حجم الشيكل المتداول داخل الاقتصاد الفلسطيني بين 30 و35 مليار شيكل، ما يعني وجود فجوة كبيرة تستدعي رفع قيمة المبالغ التي تستقبلها إسرائيل بما يتناسب مع حجم النقد المتداول، داعياً إلى ممارسة ضغوط دولية من قبل الحكومات والمؤسسات المالية والنقدية لإلزام إسرائيل باستقبال دفعة خامسة استثنائية خلال العام الجاري، بما يخفف من أزمة السيولة ويحد من بقاء كتل نقدية خاملة لا يستفيد منها الاقتصاد الفلسطيني.
تمديد العلاقة مع البنوك لا يلغي المخاوف
وفيما يتعلق بالعلاقة المصرفية مع البنوك الإسرائيلية، يؤكد عفانة أن إعلان تمديدها حتى نهاية العام الجاري، يمثل تطوراً مهماً، لكنه لا يلغي المخاوف القائمة، في ظل إعلان البنكين المراسلين الإسرائيليين نيتهما إنهاء العلاقة مع البنوك الفلسطينية خلال شهري أيلول وتشرين الأول المقبلين، وسعيهما للحصول على ضمانات إضافية من الحكومة الإسرائيلية.
ويشدد عفانة على أن استمرار العلاقة حتى نهاية العام، حتى في حال التزام البنوك الإسرائيلية بالقرار، لا يكفي لضمان استقرار القطاع المصرفي الفلسطيني، ما يفرض ضرورة التوصل إلى آلية دائمة للعلاقة البنكية بعيداً عن التمديدات المؤقتة التي تكرس حالة من عدم اليقين وتؤثر سلباً في الاستقرار المالي.
ويؤكد عفانة أن الخطوتين تمثلان استجابة ضرورية في هذا الظرف الحرج، إلا أنهما تبقيان علاجاً مرحلياً لا ينهي الأزمتين المتمثلتين في تكدس الشيكل وتهديد العلاقة المصرفية، داعياً إلى تحرك دولي واسع لإيجاد حلول مستدامة، تشمل رفع قيمة تحويلات الشيكل إلى نحو 30 مليار شيكل، وإرساء إطار دائم ومستقر للعلاقة المصرفية، بما يعزز استقرار القطاع المالي، ويخفف الضغوط المستمرة التي يتعرض لها الاقتصاد الفلسطيني.
الخطوة لم تحظَ بموافقة البنوك المراسلة الإسرائيلية
يؤكد الخبير المصرفي والمستشار المالي محمد سلامة أن إعلان تمديد العلاقة المصرفية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية حتى نهاية العام جاء بناءً على ضمانات أصدرتها وزارة المالية الإسرائيلية للبنوك الإسرائيلية، إلا أن هذه الخطوة لم تحظَ بموافقة البنوك المراسلة الإسرائيلية التي اعتبرت تلك الضمانات غير كافية، ما أبقى مستقبل العلاقة المصرفية مفتوحاً على احتمالات متعددة.
ويوضح سلامة أن وزارة المالية الإسرائيلية وجهت كتب ضمان للبنوك الإسرائيلية بتمديد العلاقة حتى نهاية العام، عقب قرار حكومي إسرائيلي بهذا الخصوص، إلا أن بنكي "ديسكونت" و"هبوعليم" أرسلا رسائل إلى البنوك الفلسطينية تفيد بأنهما لا يعترفان بهذه الضمانات، حيث أعلن بنك "ديسكونت" نيته إنهاء العلاقة في الأول من سبتمبر/ أيلول المقبل، فيما حدد بنك "هبوعليم" الأول من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل موعداً لذلك.
مطالبة البنوك الإسرائيلية بشروط جديدة
ويشير سلامة إلى أن البنوك الإسرائيلية تطالب بشروط جديدة للاستمرار في العلاقة، من بينها إنشاء بنك وسيط يتولى إدارة العلاقة بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية، أو الحصول على ضمانات وتشريعات من الكنيست الإسرائيلي تتيح إنشاء هذا البنك، موضحاً أن تنفيذ هذا الخيار يبدو صعباً في ظل عطلة الكنيست واقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
الضغوط من التجار الإسرائيليين
ويبيّن سلامة أن الواقع الاقتصادي والتجاري قد يفرض تمديد العلاقة حتى نهاية العام، نتيجة الضغوط من التجار الإسرائيليين الذين يخشون تداعيات قطع العلاقات المصرفية، إلا أن البنوك الإسرائيلية لا تبدو راغبة في استمرار النموذج الحالي، وتسعى إلى تغيير شكل العلاقة مستقبلاً.
وفيما يتعلق بقرار تبكير ترحيل دفعة الربع الرابع من فائض الشيكل بقيمة 4.5 مليار شيكل، يوضح سلامة أن الخطوة ستوفر سيولة لدى البنوك الفلسطينية، وتعزز أرصدتها لدى البنوك المراسلة بالشيكل الإسرائيلي، ما يساهم في دعم الاستقرار النقدي على المدى القصير.
تقديم موعد دفعة كانت مقررة أساساً
ويشدد سلامة على أن الأمر لا يتعلق بشحنة إضافية، وإنما بتقديم موعد دفعة كانت مقررة أساساً بداية شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
ويحذر سلامة من أن استمرار تدفق الإيداعات النقدية بالشيكل قد يؤدي إلى عودة أزمة التراكم نهاية العام، مشيراً إلى أن البنوك الفلسطينية مطالبة بترشيد استقبال الإيداعات النقدية بالشيكل حتى لا تعود إلى تجاوز السقوف المتاحة.
تسهيلات مؤقتة
ويؤكد سلامة أن الإجراءات الأخيرة لا تعكس حلاً جذرياً، بل تسهيلات مؤقتة، موضحاً أن القطاع المصرفي الإسرائيلي لم يستجب حتى الآن لمطالب زيادة استقبال فائض الشيكل أو تمديد العلاقة بالشكل المطلوب، ما يعكس وجود أزمة داخلية إسرائيلية تجاه طبيعة العلاقة مع الجانب الفلسطيني.
ويشدد سلامة على ضرورة تكثيف الجهود المحلية والدولية للضغط على إسرائيل لإيجاد ترتيبات قانونية ومستدامة للعلاقة المصرفية، مؤكداً أن البنك المركزي الإسرائيلي مطالب باستقبال عملته المتداولة في السوق الفلسطيني وفق القواعد المصرفية الدولية، وإنهاء حالة المماطلة وعدم اليقين التي تهدد استقرار القطاع المصرفي الفلسطيني.
أزمة اقتصادية أن تكون مصرفية
يؤكد الكاتب والصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن القطاع المصرفي الفلسطيني يواجه ضغوطاً كبيرة نتيجة استمرار أزمة تكدس السيولة النقدية بالشيكل، موضحاً أن هذه الأزمة اقتصادية بالدرجة الأولى قبل أن تكون مصرفية، بسبب اختلال التدفقات النقدية وحجم الأموال التي تدخل إلى البنوك من مختلف القطاعات الاقتصادية.
ويوضح أبو غوش أن الجانب الإسرائيلي يرفض رفع سقف استقبال فائض الشيكل من سلطة النقد الفلسطينية، حيث يقتصر السقف الحالي على نحو 18 مليار شيكل سنوياً، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار تراكم العملة داخل المصارف الفلسطينية ويفرض ضغوطاً تشغيلية ومالية على الجهاز المصرفي والاقتصاد بشكل عام.
خطوة غير كافية لضمان استمرار العلاقة
وفيما يتعلق بتمديد العلاقة المصرفية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية حتى نهاية العام، يوضح أبو غوش أن هذه الخطوة جاءت بناءً على قرار من الحكومة ووزارة المالية الإسرائيلية، لكنها لا تعتبر كافية لضمان استمرار العلاقة، مشيراً إلى أن البنكين المراسلين الإسرائيليين أبلغا البنوك العاملة في فلسطين بتوجههما نحو إنهاء العلاقة، حيث حدد أحدهما بداية شهر سبتمبر/ أيلول المقبل، والآخر بداية شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، موعداً لذلك.
ويؤكد أبو غوش أن مستقبل العلاقة المصرفية ما زال يكتنفه الغموض، رغم استمرار الاتصالات والمباحثات للبحث عن ترتيبات بديلة، مشدداً على أنه من المبكر الحديث عن انتهاء العلاقة بشكل نهائي، في ظل استمرار المساعي لإيجاد حلول تضمن استمرارها.
وحول قرار تبكير شحنة الربع الرابع من فائض الشيكل بقيمة 4.5 مليار شيكل، يعتبر أبو غوش أن الخطوة إيجابية وتساهم في تخفيف جزء من الأزمة، لكنها لا تنهي المشكلة، كونها لا تمثل شحنة إضافية وإنما تقديم موعد دفعة دورية كانت مقررة سابقاً.
الاكتفاء بالدفعة سيجدد أزمة التكدس
ويؤكد أبو غوش أن السؤال الأساسي يتمثل في مدى استعداد إسرائيل للموافقة على استقبال كميات إضافية من الشيكل خلال العام الجاري، موضحاً أن استمرار الاكتفاء بهذه الدفعة فقط سيؤدي إلى تجدد أزمة التكدس خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، مع استمرار تدفق السيولة من السوق إلى البنوك الفلسطينية.
ويشير أبو غوش إلى أن معالجة أزمة فائض الشيكل والعلاقة المصرفية تحتاج إلى تدخلات سياسية تقود إلى حلول فنية مستدامة، لافتاً إلى أن سلطة النقد ترى ضرورة رفع حجم الشحنات السنوية إلى نحو 30 مليار شيكل بدلاً من 18 ملياراً حالياً، إلا أن الجانب الإسرائيلي لا يزال يرفض ذلك.
إجراءً مؤقت يخفف حدة الضغوط ويرحل المشكلة
يعتبر الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن تمديد العلاقة المصرفية مع البنوك الإسرائيلية، إلى جانب قرار تبكير ترحيل 4.5 مليار شيكل من فائض النقد المتراكم لدى المصارف الفلسطينية، يحمل ثلاث دلالات رئيسية سياسية وعسكرية واقتصادية، لكنه لا يشكل حلاً نهائياً للأزمة المالية والنقدية، بل يمثل إجراءً مؤقتاً يخفف من حدة الضغوط ويرحل المشكلة إلى مراحل لاحقة.
ويوضح أبو الروس أن الدلالة السياسية تتمثل في أن هذه الخطوات قد تعكس عودة التعاون الرسمي بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بين الجانبين منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مشيراً إلى أن الإعلان عن قبول إسرائيل شحن دفعات الشيكل جاء عبر رئيس سلطة النقد، فيما تم الإعلان عن تمديد العلاقة المصرفية من قبل رئيس الوزراء الفلسطيني، ما قد يعكس عودة قنوات التنسيق في هذا الجانب الحيوي.
وصول الاقتصاد الفلسطيني لمرحلة حرجة
ويشير أبو الروس إلى أن الدلالة الثانية ترتبط بالجانب العسكري والأمني، موضحاً أن إسرائيل أدركت أن الاقتصاد الفلسطيني وصل إلى مرحلة حرجة قد تؤدي إلى تداعيات سياسية وأمنية لا تخدم مصالحها، الأمر الذي دفعها إلى اتخاذ هذه الخطوات باعتبارها محاولة لتخفيف الضغط ومنح الاقتصاد الفلسطيني مساحة للتنفس، وتجنب الوصول إلى مرحلة أكثر خطورة.
ويبيّن أبو الروس أن الدلالة الاقتصادية هي الأهم، نظراً لحجم الترابط بين الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي، حيث تصل قيمة التبادلات المالية والتجارية السنوية بين الجانبين إلى نحو 55 مليار شيكل، إضافة إلى اعتماد السوق الفلسطيني على توريد السلع الأساسية، ومنها المحروقات والطاقة والمواد التموينية، عبر الجانب الإسرائيلي، ما يجعل أي تعطيل في التدفقات المالية يؤثر على سلاسل الإمداد ويرفع الطلب مقابل انخفاض العرض في السوق المحلية.
أهمية رفع إسرائيل حجم استقبال فائض الشيكل
ويؤكد أبو الروس أن تبكير ترحيل 4.5 مليار شيكل يمثل تخفيفاً للأزمة، لكنه لا ينهيها، موضحاً أن المشكلة ستتجدد إذا لم ترفع إسرائيل حجم استقبال فائض الشيكل، خاصة أن الحصة السنوية الحالية تبلغ نحو 18 مليار شيكل، بواقع 4.5 مليار شيكل كل ربع عام، وأن الترحيل الأخير جرى على حساب الربع الرابع من العام.
ويلفت أبو الروس إلى أن حجم الشيكل المتراكم لدى الجهاز المصرفي الفلسطيني يبلغ نحو 17 مليار شيكل، وأن ترحيل 4.5 مليار يبقي قرابة 12.5 مليار شيكل، في وقت لا تتجاوز القدرة الاستيعابية للمصارف بين 6 و7 مليارات شيكل، ما يعني استمرار المشكلة.
ويشدد أبو الروس على ضرورة مواصلة الضغط على إسرائيل لاستقبال كميات إضافية من الشيكل، بالتوازي مع تعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، مؤكداً أن الحل الحقيقي يكمن في ترحيل كامل فائض الشيكل المتوفر لدى المصارف الفلسطينية، باعتبار أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من عملتها المتداولة في السوق الفلسطيني.
استمرار حالة عدم اليقين
يؤكد الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" مسيف مسيف أن تمديد العلاقة المصرفية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية حتى نهاية العام، إلى جانب تبكير تنفيذ شحنة الربع الرابع من فائض النقد بالشيكل، تمثلان خطوتان مهمتان لتخفيف الضغوط القائمة، لكنهما لا تغيران طبيعة الأزمة الأساسية القائمة منذ سنوات، والمتمثلة باستمرار حالة عدم اليقين والاعتماد الكبير على الاقتصاد الإسرائيلي.
ويوضح مسيف أن المشهد الاقتصادي الفلسطيني خلال السنوات الثلاث الماضية بقي محكوماً بسيناريو استمرار العلاقات القائمة مع إسرائيل، مع بقاء حالة عدم الاستقرار والتهديدات المتكررة، مشيراً إلى أن الخطوتين الأخيرتين لم تغيرا حقيقة الوضع، وإنما قللتا مؤقتاً من احتمالية الوصول إلى مرحلة القطيعة الجزئية في العلاقات المصرفية الفلسطينية الإسرائيلية حتى نهاية العام فقط.
تنفيس للأزمة قبل انفجارها
ويشير مسيف إلى أن تبكير ترحيل فائض الشيكل يمثل عملياً عملية "تنفيس للأزمة قبل انفجارها"، بعدما وصلت العلاقات المصرفية والتجارية إلى مرحلة قريبة من الخطر، موضحاً أن هذه الخطوة خففت بشكل محدود من مخاطر السيناريو الأصعب، لكنها لم تمنح القطاع الخاص أو الحكومة الفلسطينية أو الجهاز المصرفي حالة من الاطمئنان بشأن عودة العلاقة إلى طبيعتها.
ويؤكد مسيف أن المشكلة الأساسية لم تُحل، سواء فيما يتعلق بوظيفة المصارف في ترحيل الشيكل أو استمرار الحاجة إلى ضمانات العلاقة المصرفية، لافتاً إلى أن قطاعات إنتاجية واقتصادية ما زالت تواجه صعوبات، إضافة إلى استمرار أزمة الإيداعات النقدية وملف المحروقات نتيجة نقص الكميات وتأخر دفع المستحقات للجانب الإسرائيلي.
المعالجة الحقيقية للأزمة ليست إجراءات جزئية
ويوضح مسيف أن أي معالجة حقيقية للأزمة لا يمكن أن تقتصر على إجراءات جزئية، لأن العلاقة الاقتصادية والمصرفية مع إسرائيل مترابطة في قنوات متعددة، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من التسهيلات المصرفية والودائع مرتبطة بالشيكل، كما أن الصادرات الفلسطينية إلى إسرائيل تشكل نسبة مرتفعة، بينما تعتمد الواردات الفلسطينية بشكل كبير على السوق الإسرائيلية، إلى جانب الاعتماد في تسويات الشيكات والمعاملات المالية.
ويؤكد مسيف أن إسرائيل قادرة على فتح أو إغلاق أو تضييق بعض القنوات الاقتصادية وفق الظروف، معتبراً أن ما حدث أخيراً هو توسيع محدود لقناة واحدة وليس حلاً جذرياً للأزمة.
ويشدد مسيف على أن الحل الحقيقي يتمثل في تقليل التبعية للاقتصاد الإسرائيلي وتعزيز السيادة الاقتصادية الفلسطينية، مؤكداً أن الأزمة وإن كانت اقتصادية في ظاهرها، فإن معالجتها النهائية تحتاج إلى قرار سياسي يغيّر طبيعة العلاقة القائمة.
المساهمة بإبقاء قنوات التسويات المالية مفتوحة
تؤكد الباحثة الاقتصادية إخلاص طمليه أن تمديد العلاقة المصرفية مع البنوك الإسرائيلية، إلى جانب تبكير ترحيل نحو 4.5 مليار شيكل من فائض النقد المتراكم لدى المصارف الفلسطينية، يمثلان خطوتين مهمتين في احتواء الأزمة الحالية، إلا أنهما لا يشكلان حلاً جذرياً، بل إجراءات مؤقتة تمنح الاقتصاد الفلسطيني مساحة للتنفس، فيما تبقى أسباب الأزمة المرتبطة بالتبعية المالية والنقدية قائمة.
وتوضح طمليه أن تمديد العلاقة المصرفية مع الجانب الإسرائيلي يساهم في إبقاء قنوات التسويات المالية بين الجهاز المصرفي الفلسطيني ونظيره الإسرائيلي مفتوحة خلال الفترة المقبلة، بما يسمح باستمرار المدفوعات التجارية وتسوية أثمان المحروقات والكهرباء والمياه والسلع، مشيرة إلى أن توقف هذه العلاقة كان سيهدد انتظام النشاط الاقتصادي وحركة الاستيراد وقدرة الشركات الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها.
ضرورة إلزام البنوك الإسرائيلية
وتشدد طمليه على أن أهمية التمديد ترتبط بضرورة أن يكون ملزماً للبنوك الإسرائيلية، وأن تلتزم به بنوك "هبوعليم" و"ديسكونت"، موضحة أن التمديدات القصيرة والمتكررة، تبقي الاقتصاد الفلسطيني والمصارف والمستثمرين والمستوردين في حالة عدم يقين وترقب دائم، ما يتطلب ضمانات عملية تحول القرار إلى واقع فعلي.
وفيما يتعلق بتبكير ترحيل 4.5 مليار شيكل، تؤكد طمليه أن هذه الخطوة تمثل تخفيفاً للضغط الناتج عن تراكم النقد الإسرائيلي لدى المصارف الفلسطينية، والذي يفوق احتياجات السوق المحلية، موضحة أنه سيسهم في تقليل الأعباء التشغيلية وكلف التأمين والتخزين، وتعزيز قدرة البنوك على استقبال إيداعات جديدة من التجار والشركات، وتحسين إدارة السيولة وانتظام عمليات السحب والإيداع.
تعزيز قدرة البنوك على استقبال إيداعات جديدة
وتؤكد طمليه أن ترحيل جزء من فائض الشيكل يعيد الأرصدة لدى البنوك الإسرائيلية ويساعد في تسوية المدفوعات ويحافظ على ثقة الجمهور بالجهاز المصرفي، لكنه يبقى معالجة للمخزون الحالي فقط، ولا ينهي مشكلة تراكم النقد مستقبلاً.
وترى طمليه أن الخطوتين تمنعان السيناريو الأسوأ، لكنهما لا تعالجان جوهر الأزمة المالية والنقدية، المتمثل في احتجاز أموال المقاصة والاقتطاعات المتزايدة، مشيرة إلى أن استمرار العلاقة المصرفية لن يحل مشكلة عجز الحكومة عن الوفاء الكامل بالتزاماتها ما دامت محرومة من جزء كبير من إيراداتها.
تفعيل دور الدبلوماسية الاقتصادية
وتلفت طمليه إلى أن التوسع في الدفع الإلكتروني خطوة مهمة، لكنه لا ينهي الاعتماد على الشيكل ولا يعالج مشكلة التسويات مع الجانب الإسرائيلي، داعية إلى تفعيل دور الدبلوماسية الاقتصادية عبر تحرك دولي يضم الدول الراعية لاتفاق باريس الاقتصادي والمؤسسات المالية الدولية، بهدف تثبيت العلاقة المصرفية ضمن إطار قانوني طويل الأجل، ووضع آليات دائمة لتحويل أموال المقاصة وترحيل فائض الشيكل، بما ينهي حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد الفلسطيني.
المصدر:
القدس