د. أحمد رفيق عوض: تهجير سكان المخيمات يمثل محاولة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني ديموغرافياً وجغرافياً عبر دفع الفلسطينيين إلى مناطق محاصرة ومكتظة
نعمان توفيق العابد: إسرائيل تسعى لتغيير طبيعة المخيمات عبر دمجها بالمناطق المحيطة لإنهاء اسم المخيم وطمس الذاكرة المرتبطة باللجوء والقضية الفلسطينية
محمد أبو علان دراغمة: الحديث عن تأجيل الخطة ضد بقية المخيمات لا يعني أنها مجرد مناورة بل هي فكر إسرائيلي استراتيجي قائم على إنهاء حق العودة
د. سهيل دياب: الحديث عن تأجيل العمليات الإسرائيلية لا يعني تراجعاً بل خطوة تكتيكية لتهدئة الرأي العام الدولي ومنح إسرائيل هامشاً أمام الضغوط المطالبة بوقف التصعيد
هاني أبو السباع: خطط تغيير معالم المخيمات ما زالت مطروحة وعودة الحكومة الإسرائيلية اليمينية بعد الانتخابات قد تدفع نحو تصعيد أكبر يستهدف وجود المخيمات
رام الله - خاص بـ"ے"-
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن استهداف المخيمات يندرج ضمن مسار أوسع يهدف إلى إعادة رسم الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية، من خلال إضعاف رمزية المخيمات المرتبطة بقضية اللجوء وحق العودة، وتغيير طبيعتها العمرانية والسكانية، بما قد ينعكس على مستقبل القضية الفلسطينية ويزيد من تعقيد المشهد الميداني.
تداعيات واسعة وخطيرة
يوضح الكاتب والمحلل السياسي أحمد رفيق عوض أن تنفيذ تهديدات وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشن هجمات على مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية المحتلة ستكون له تداعيات واسعة وخطيرة على المستويات الاجتماعية والسياسية والأمنية، محذراً من أن ذلك قد يقود إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة.
ويؤكد عوض أن مثل هذه الإجراءات ستضع السلطة الفلسطينية أمام أزمات مالية وأمنية وسياسية متفاقمة، وقد تؤدي إلى إضعاف شرعيتها، مشيراً إلى أن تهجير سكان المخيمات يمثل محاولة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني ديموغرافياً وجغرافياً عبر دفع الفلسطينيين إلى مناطق محاصرة ومكتظة تفتقر إلى القدرة على توفير الخدمات الأساسية.
الضغط نحو التفكير بالهجرة
ويشير عوض إلى أن استمرار هذه السياسات قد يدفع أعداداً من الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى التفكير بالهجرة نتيجة التنافس المتزايد على فرص العمل والسكن والخدمات وحرية الحركة، مستشهداً بالأوضاع الصعبة التي يعيشها سكان مخيمات شمال الضفة بعد عمليات تهجيرهم الأخيرة، حيث تواجه المؤسسات الرسمية والأهلية صعوبة في تلبية احتياجاتهم.
إمكانية انفجار الأوضاع في الضفة
ويحذر عوض من أن استهداف المخيمات قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع في الضفة الغربية، بسبب شعور الفلسطينيين بأنهم مهددون حتى داخل منازلهم، وأن الاستيلاء على البيوت وتهجير أصحابها أصبح أمراً ممكناً، معتبراً أن ذلك قد يقود إلى مرحلة جديدة من المواجهة مع الاحتلال ربما تأخذ شكل انتفاضة ثالثة مختلفة عن سابقاتها.
أزمة حقيقية داخل المؤسسة الإسرائيلية
وحول ما إذا كانت الخطط الإسرائيلية قد تأجلت أم أنها مجرد مناورة، يرى عوض أن الخلافات العلنية بين وزير الجيش ورئيس أركان جيش الاحتلال، والاتهامات بأن الخطوات تحمل أهدافاً انتخابية، تشير إلى وجود أزمة حقيقية داخل المؤسسة الإسرائيلية.
ويوضح أن كاتس يسعى إلى إخضاع قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي لأجندته السياسية، على غرار ما فعله إيتمار بن غفير مع الشرطة الإسرائيلية، بهدف تحويل المؤسسات الأمنية والعسكرية إلى أدوات تخدم توجهات الحكومة اليمينية.
ويؤكد عوض أن ما يجري يعكس تراجعاً داخل جيش الاحتلال وتحوله من مؤسسة تخدم الدولة إلى مؤسسة مرتبطة بفئة سياسية محددة، ما يشير إلى حالة تآكل وتفكك داخلي.
خطة شاملة تستهدف القضية الفلسطينية
يرى الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن حكومة بنيامين نتنياهو تنفذ خطة شاملة تستهدف القضية الفلسطينية والأراضي والسكان الفلسطينيين، تقوم على السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، وتوسيع المستوطنات، وتفكيك الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية عبر تحويل التجمعات الفلسطينية إلى مناطق منفصلة وبعضها معزول عن بعض.
قلب الحقائق ليصبح المستوطن صاحب حق
ويوضح العابد أن هذه السياسة تهدف إلى إدخال المستوطنين داخل هذه التجمعات وإظهارهم باعتبارهم أصحاب الأرض الأصليين، مع العمل على زيادة أعدادهم وصولاً إلى محاولة موازنة عددهم مع الفلسطينيين، بحيث يتحول الفلسطيني، وفق هذا المخطط، إلى شخص موجود على أرضه دون مكانة صاحب الأرض وحقوقه السياسية.
ويشير العابد إلى أن الضغط على الفلسطينيين وغياب الأفق السياسي يهدفان أيضاً إلى دفع جزء منهم نحو الهجرة، ضمن سياسة تقوم على إحلال المستوطنين مكان السكان الفلسطينيين، معتبراً أن استهداف المخيمات الفلسطينية يأتي في إطار هذه الخطة الشاملة.
المخيمات مصدر قلق في العقلية الإسرائيلية
ويلفت العابد إلى أن المخيمات شكلت على الدوام مصدر قلق في العقلية الإسرائيلية لسببين رئيسيين؛ أولهما أنها تمثل مراكز للهوية الوطنية والنضال الفلسطيني، وثانيهما أنها تبقي قضية النكبة واللاجئين حاضرة، وتذكر العالم بوجود فلسطينيين هُجروا من أراضيهم عام 1948 ويطالبون بحق العودة.
ويبيّن العابد أن هذا ما يفسر الحرب الإسرائيلية على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، ومن ثم استهداف المخيمات، موضحاً أن العمليات العسكرية في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس جرى تقديمها تحت عنوان أمني، لكنها تحمل أهدافاً استراتيجية تتعلق بتفكيك هذه المخيمات وإنهاء رمزيتها.
محاولة تغيير طبيعة المخيمات
ويوضح العابد أن إسرائيل تسعى إلى تغيير طبيعة المخيمات عبر دمجها بالمدن أو المناطق المحيطة بها، وتوزيع سكانها جغرافياً، بهدف إنهاء اسم المخيم وطمس الذاكرة المرتبطة باللجوء والقضية الفلسطينية، في إطار محاولة تغيير وعي الأجيال القادمة تجاه الاحتلال والاستيطان وحقوق الفلسطينيين.
وبحسب العابد، فإن الخطة الإسرائيلية تضع الفلسطيني أمام ثلاثة خيارات: القبول بواقع الاحتلال والاستيطان دون حقوق سياسية، أو الهجرة، أو مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تستخدم الاعتقال أو القتل.
خطة ممنهجة لحسم الصراع
ويؤكد العابد أن ما يجري يمثل خطة ممنهجة لحسم الصراع، وأن تأجيل التوسع في استهداف المخيمات لا يعني تغييراً في النهج الإسرائيلي، مشيراً إلى أنه في حال توفرت الظروف المناسبة ستسعى الحكومة الإسرائيلية إلى استكمال خطتها تجاه بقية مخيمات الضفة الغربية، على غرار ما حدث في قطاع غزة وشمال الضفة الغربية من عمليات هدم واسعة للمخيمات والتجمعات السكانية.
المخيمات والرمزية المرتبطة بالنكبة وحق العودة
يرى الباحث السياسي والأكاديمي د.أسامة عبد الله أن تنفيذ أي خطة إسرائيلية تستهدف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية لن تقتصر تداعياتها على الجانب الأمني، بل ستمتد إلى أبعاد سياسية وقانونية وإنسانية واقتصادية، باعتبار أن المخيمات تمثل إحدى أكثر القضايا حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويوضح عبد الله أن المخيمات الفلسطينية ليست مجرد تجمعات سكنية، وإنما تحمل رمزية مرتبطة بالنكبة الفلسطينية وحق العودة، مشيراً إلى أن أي استهداف واسع أو تهجير للسكان قد يُنظر إليه فلسطينياً باعتباره محاولة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي وإضعاف الرمزية السياسية للمخيمات، الأمر الذي قد يزيد من التوتر ويعمق حالة فقدان الثقة بأي مسار سياسي.
زيادة أعداد النازحين
ويشير عبد الله إلى أن أي عمليات تهجير واسعة ستؤدي إلى زيادة أعداد النازحين داخلياً في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة تعيشها الضفة الغربية أصلاً، ما سيرفع الضغط على البلديات والمؤسسات الصحية والتعليمية والإغاثية، ويزيد معدلات الفقر والبطالة ويضعف قدرة المجتمع المحلي على استيعاب موجات نزوح جديدة.
المخيمات جزء مهم من الدورة الاقتصادية
ويلفت عبد الله إلى أن المخيمات تشكل جزءاً مهماً من الدورة الاقتصادية في المدن المحيطة بها، وأن أي عمليات عسكرية واسعة قد تؤدي إلى تعطيل الأسواق والحركة التجارية وإغلاق المنشآت وتراجع الاستثمار، إضافة إلى ارتفاع كلفة إعادة الإعمار في حال وقوع دمار كبير.
ويرى أن التجارب السابقة تشير إلى أن العمليات العسكرية واسعة النطاق قد تؤدي إلى اتساع دائرة التوتر والمواجهات بدلاً من احتوائها، وأن التهجير القسري أو التدمير الواسع قد يغذي مزيداً من عدم الاستقرار.
إعادة تشكيل الواقع الميداني
ويشدد عبد الله على أن أي تهجير للسكان المدنيين باستخدام القوة ودون مبررات يقرها القانون الدولي الإنساني قد يثير اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة، مشيراً إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في تحول التهجير إلى أداة متكررة لإعادة تشكيل الواقع الميداني والتأثير على مستقبل المخيمات وقضية اللاجئين.
تأجيل أم مجرد مناورة
وحول ما إذا كانت الخطط الإسرائيلية قد تم تأجيلها أم أنها مجرد مناورة، يوضح عبد الله أنه لا يمكن الجزم بتنفيذ ذلك، لكنه يشير إلى ثلاثة احتمالات، أولها أن يكون التأجيل مرتبطاً باعتبارات عسكرية وعملياتية تتعلق بتوفر القوات وتعدد الجبهات، وليس تراجعاً عن الفكرة.
ويلفت عبد الله إلى أن الاحتمال الثاني يتمثل في استخدام التسريبات كأداة ضغط نفسي وإعلامي لاختبار ردود الفعل، بينما يبقى الاحتمال الثالث مرتبطاً بالتطورات السياسية والأمنية التي قد تحدد مسار التنفيذ أو التعديل أو التأجيل.
التعامل بحذر مع التقارير الإعلامية
ويشدد عبد الله على ضرورة التعامل بحذر مع التقارير الإعلامية خلال فترات الصراع، باعتبار أن إدارة الرواية والمعلومات أصبحت جزءاً من إدارة المواجهة، داعياً إلى الجمع بين الجدية في الاستعداد لأي تطورات محتملة وعدم التعامل مع كل تسريب باعتباره قراراً نهائياً مؤكداً.
محاولة محو المخيمات من الخارطة الجغرافية
يؤكد الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن الإجراءات العسكرية الإسرائيلية ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية تستهدف، بالدرجة الأولى، محو هذه المخيمات من الخارطة الجغرافية وإنهاء حضور قضية اللاجئين ليس فقط على الأرض، وإنما أيضاً في الوعي والذاكرة الفلسطينية.
ويوضح دراغمة أن الاحتلال يسعى إلى تدمير بعض المخيمات، بينما يعمل في حالات أخرى على إلحاقها بالمدن المجاورة لها، بحيث تتحول مسميات مثل مخيم جنين ومخيم طولكرم ومخيم نور شمس إلى مجرد أحياء داخل المدن، بما يؤدي إلى إنهاء الرمزية السياسية والتاريخية التي تمثلها المخيمات باعتبارها شاهداً على قضية اللجوء الفلسطيني.
إزالة قضية اللجوء من الذاكرة الفلسطينية
ويشير دراغمة إلى أن نجاح الاحتلال في تكريس هذه الفكرة داخل المخيمات التي استهدفها، قد يدفعه إلى استكمال مخططه باتجاه بقية مخيمات الضفة الغربية، بهدف إزالة قضية اللجوء من الذاكرة الفلسطينية وإنهائها من التاريخ والجغرافيا وأي مفاوضات مستقبلية.
ويلفت إلى أن هذا التوجه الإسرائيلي ينسجم، وفق رؤيته، مع المعركة التي خاضتها إسرائيل على المستوى الدولي ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، باعتبار أن وجودها يساهم في تثبيت قضية اللاجئين والرواية الفلسطينية المرتبطة بها، موضحاً أن استهداف الوكالة والمخيمات يأتي ضمن مسار واحد يهدف إلى إنهاء أي حضور لقضية اللجوء.
فكر إسرائيلي استراتيجي
ويؤكد دراغمة أن الحديث عن تأجيل الخطة الإسرائيلية ضد بقية المخيمات لا يعني أنها مجرد مناورة، بل هي "فكر إسرائيلي استراتيجي" قائم على إنهاء قضية المخيمات واللجوء وحق العودة بشكل كامل، مشيراً إلى أن الاحتلال سيواصل تنفيذ هذا المخطط متى توفرت الظروف المناسبة.
حرب الجبهات قد يؤجل التنفيذ فقط
ويلفت دراغمة إلى ما كشفته صحيفة "يديعوت أحرونوت" حول إعداد جيش الاحتلال وقيادة المنطقة الوسطى خطة منذ بداية عام 2026 لتنفيذ عمليات عسكرية مشابهة لما جرى في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، تستهدف مخيمات قلنديا والجلزون وبلاطة.
ويوضح دراغمة أن استمرار الحرب الإسرائيلية في أكثر من جبهة، بما فيها غزة ولبنان وإيران، قد يؤجل التنفيذ، لكنه لا يلغي الخطة، التي قد تعود إلى الواجهة في حال وقوع أحداث أمنية تعتبرها إسرائيل خطيرة أو تصاعدت ضغوط المستوطنين لتنفيذ عمليات واسعة في الضفة.
مخيم بلاطة المرشح الأول
ويبيّن دراغمة أن مخيم بلاطة كان المرشح الأول في حال تنفيذ عمليات جديدة، إذ ترى أوساط إسرائيلية أن موقعه داخل مدينة نابلس، ووجود سيطرة عملياتية إسرائيلية على المنطقة أمر مهم، فيما يشير إلى وجود سبب آخر لأن يكون مخيم بلاطة المستهدف الأول بسبب قربه من قبر يوسف الذي يشهد اقتحامات متكررة، وفي ظل مطالبات إسرائيلية بعودة المستوطنين إلى المكان بشكل دائم، مؤكداً أن خطة الاحتلال ضد المخيمات ما زالت قائمة، وتنتظر فقط اللحظة المناسبة لتنفيذها.
أهداف تتجاوز البعد الأمني المباشر
يوضح أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د.سهيل دياب أن استهداف الاحتلال الإسرائيلي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية يأتي ضمن ثلاثة أهداف مركزية، تتجاوز البعد الأمني المباشر، وترتبط برؤية سياسية واستراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى التأثير على قضية اللاجئين والواقع الفلسطيني برمته.
ويوضح دياب أن الهدف الأول يتمثل في البعد السياسي طويل المدى، عبر محاولة القضاء على الشواهد التي تؤكد استمرار القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها المخيمات التي تمثل رمزاً للنكبة واللجوء، إلى جانب ملفات أُخرى مثل الحركة الأسيرة وأهالي الشهداء.
ويؤكد دياب أن هذه القضايا تشكل دليلاً على أن القضية الفلسطينية ما زالت حية ومرتبطة بشرائح واسعة داخل المجتمع الفلسطيني، وأن تفكيك المخيمات يهدف إلى ضرب إرادة الفلسطينيين في البقاء والصمود في مواجهة الاحتلال.
ويشير دياب إلى أن الهجوم الإسرائيلي على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" يأتي في السياق ذاته، باعتباره محاولة لتفكيك الرؤية الدولية المرتبطة بقضية اللجوء الفلسطيني، التي تمثل تعبيراً أساسياً عن جوهر القضية الفلسطينية، مؤكداً أن هذا الملف لا يمكن التعامل معه كقضية ثانوية في حسابات اليمين الإسرائيلي المتطرف.
إعادة تشكيل توزيع السكان والجغرافيا
ويبيّن دياب أن الهدف الثاني يتمثل في البرنامج الاستراتيجي الإسرائيلي المرتبط بـ"العلاج الديموغرافي"، موضحاً أن الخطة تقوم على إعادة تشكيل توزيع السكان والجغرافيا في الضفة الغربية، عبر حشر نسبة كبيرة من الفلسطينيين في مناطق محدودة مقابل السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من الأرض، بما قد يفتح الباب لاحقاً أمام خطوات ضم هذه المناطق.
ويرى دياب أن هذا المسار يعني تكريس واقع الفصل العنصري والتطهير العرقي والعلاج الجغرافي والديموغرافي بهدف تصفية القضية الفلسطينية وإنهاء مقوماتها السياسية.
الأمن الاستراتيجي
أما الهدف الثالث، وفق دياب، فإنه يرتبط بالأمن الاستراتيجي، معتبراً أن استهداف المخيمات يمثل إعلاناً عملياً بأن التقسيمات السابقة للضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج) لم تعد معترفاً بها من قبل إسرائيل، وأنها تتصرف باعتبار المجال مفتوحاً أمامها لتجاوز الاتفاقيات الموقعة والقرارات الدولية.
التأجيل خطوة تكتيكية لتهدئة الرأي العام الدولي
ويؤكد دياب أن الحديث عن تأجيل العمليات الإسرائيلية لا يعني تراجعاً عن المخطط، بل يمثل خطوة تكتيكية لتهدئة الرأي العام الدولي، وخاصة في الولايات المتحدة، ومنح إسرائيل هامشاً أمام الضغوط العربية والإسلامية المطالبة بوقف التصعيد.
وبحسب دياب، فإن إسرائيل تعتبر عدم تنفيذ التهجير والإبادة في الوقت الحالي نوعاً من "المرونة"، فيما تستمر على الأرض بإجراءاتها المختلفة.
عوامل مهمة في تأجيل اجتياح مخيمات جديدة
ويؤكد دياب أن الحديث عن نقص القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي ليس العامل الأساسي في تأجيل اجتياح مخيمات جديدة، مشيراً إلى أن الحسابات الإسرائيلية ترتبط بثلاثة عوامل رئيسية: أولها ما يخدم فرص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقبلة، وثانيها مدى قدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمل ممارسات المستوطنين في الضفة الغربية، وثالثها كيفية إدارة الملفات الإسرائيلية المتعددة، ومنها إيران ولبنان وغزة والضفة الغربية.
ويعتقد دياب أن إسرائيل تتعامل مع هذه الملفات كأوراق على طاولة شطرنج، تنتقل فيها بين التصعيد والتهدئة وفق حسابات سياسية وأمنية داخلية ودولية، مؤكداً أن استهداف المخيمات يمثل جزءاً من رؤية استراتيجية مدروسة وليس مجرد إجراء مرتبط بظرف مؤقت.
محاولات إنهاء المخيمات كشاهد على حق العودة
يشدد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع على أن المخيمات الفلسطينية تمثل رمزاً للمقاومة ومحطة أساسية في تاريخ الثورة الفلسطينية، كما تشكل شاهداً حياً على قضية اللجوء ومعاناة الشعب الفلسطيني المستمرة منذ عام 1948، معتبراً أن الإجراءات الإسرائيلية تجاهها تهدف إلى إنهاء هذا الرمز والتخلص من ملف اللاجئين ومطالبات حق العودة على المستوى الدولي.
ويوضح أبو السباع أن إسرائيل لم تقدم حتى الآن إجابة واضحة حول كيفية تعاملها مع قضية اللاجئين، مشيراً إلى أن السؤال الأساسي منذ أكثر من ألف يوم يتمحور حول كيفية محاولة إسرائيل تفريغ الضفة الغربية وقطاع غزة من سكانهما الأصليين عبر سياسات التهجير.
تهجير بالضفة بعد غزة
ويشير أبو السباع إلى أن محاولة تهجير أهالي قطاع غزة فشلت بفعل الرفض المصري والعربي لفكرة التوطين في سيناء، لذلك اتجهت إسرائيل إلى الضفة الغربية عبر استهداف المخيمات.
ويلفت أبو السباع إلى أن الاحتلال بدأ عملياً بتفريغ مخيم جنين من سكانه والسيطرة على أجزاء واسعة منه وتحويله إلى منطقة غير صالحة للحياة، ثم اتبع الأسلوب ذاته في مخيمي طولكرم ونور شمس، عبر عمليات الهدم وإخراج السكان، بهدف قطع الطريق أمام استمرار حضور قضية اللاجئين في المحافل الدولية.
تضييق إسرائيلي على عمل المؤسسات الدولية
ويبيّن أبو السباع أن هذه الإجراءات تترافق مع تضييق إسرائيلي على عمل المؤسسات الدولية، خاصة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، من خلال سحب تراخيص بعض العاملين وتقليص وجودها، خصوصاً في القدس الشرقية، في محاولة لشطب الملف من الوجود الفعلي.
إعادة تشكيل المخيمات بالقوة
ويوضح أبو السباع أن تصريحات وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن اعتبار المخيمات "معاقل للإرهاب" وتغيير معالمها، تعكس توجهاً لإعادة تشكيل هذه المناطق بالقوة، كما حدث في بعض مخيمات قطاع غزة، بهدف طمس رمزيتها السياسية والتاريخية.
ويلفت إلى أن هذه الخطط تواجه عقبات ميدانية بسبب النقص العددي والإرهاق الذي يعاني منه الجيش الإسرائيلي بعد أكثر من ألف يوم من الحرب، مشيراً إلى أن إسرائيل خاضت حروباً سابقة وحسمتها خلال فترات قصيرة، بينما لم تتمكن حتى الآن من حسم جبهاتها الحالية.
ويوضح أبو السباع أن الجيش الإسرائيلي اضطر بعد أحداث قرية تل جنوب غرب نابلس إلى سحب كتيبتين من قطاع غزة لتعزيز قواته في الضفة الغربية، ما يعكس وجود أزمة في توزيع القوات وقدرته على تنفيذ عمليات واسعة ضد المخيمات.
تأجيل لأسباب عملياتية وانتخابية
ويؤكد أبو السباع أن خطط تغيير معالم مخيمات مثل قلنديا والأمعري وبلاطة ما زالت مطروحة، لكنها مؤجلة لأسباب عملياتية وانتخابية، مشدداً على أن عودة الحكومة الإسرائيلية اليمينية بعد الانتخابات قد تدفع نحو تصعيد أكبر يستهدف وجود المخيمات باعتبارها رمزاً لقضية اللاجئين وحق العودة.
المخيم سيبقى شاهداً على اللجوء الفلسطيني
ويشدد أبو السباع على أن المخيم سيبقى شاهداً على اللجوء الفلسطيني وعنواناً للمعاناة والثورة، وأن محاولات طمس هذه الرمزية لن تنهي القضية، رغم استمرار الحصار والظروف الصعبة التي يعيشها سكان المخيمات.
المصدر:
القدس