تشهد مدينة سبتة أزمة هجرة غير مسبوقة بعد تدفق آلاف المغاربة نحو المدينة في غضون أيام قليلة، حيث تشير التقديرات الأولية لوزارة الداخلية الإسبانية إلى دخول نحو 49 ألف شخص. وقد تركزت موجات النزوح الكبرى يوم الخميس الماضي، مما دفع السلطات الإسبانية إلى حالة استنفار قصوى لمواجهة هذا التدفق البشري الهائل عبر السواحل.
بدأت ملامح الأزمة تتشكل منتصف الأسبوع الماضي حينما شرع مئات الشباب المغاربة في عبور المسافة الفاصلة نحو سبتة سباحة، قبل أن تتحول العملية إلى تدفق جماعي عبر الشواطئ. وتؤكد تقارير ميدانية أن عشرات الآلاف من الشباب لا يزالون يتوافدون من مختلف المناطق المغربية باتجاه إقليم تطوان الحدودي، مدفوعين بآمال الحصول على حق الإقامة الدائمة.
على الصعيد الإنساني، أسفرت محاولات العبور المحفوفة بالمخاطر عن انتشال 19 جثة من مياه سبتة حتى الآن، وسط مخاوف من وجود أعداد أكبر من الضحايا في المياه الإقليمية المغربية. وتأتي هذه المأساة في وقت تزداد فيه الضغوط على المرافق الإغاثية والأمنية داخل المدينة التي باتت تعاني من ضغط ديموغرافي مفاجئ يفوق قدراتها الاستيعابية.
دخلت إسرائيل بشكل مباشر على خط الأزمة عبر سفيرها في الأمم المتحدة، داني دانون، الذي شن هجوماً لاذعاً على حكومة بيدرو سانشيز وسياساتها المتعلقة بالهجرة. ولم يكتفِ الدبلوماسي الإسرائيلي بانتقاد الإجراءات الأمنية، بل ذهب إلى حد المطالبة بتوضيح أسباب استمرار إسبانيا في الاحتفاظ بما وصفها بـ 'المناطق الاستعمارية' في أفريقيا، في إشارة صريحة لمدينتي سبتة ومليلية.
يرى مراقبون أن الموقف الإسرائيلي التصعيدي لا يمكن فصله عن التوترات الدبلوماسية الأخيرة بين مدريد وتل أبيب بسبب مواقف سانشيز الداعمة للقضية الفلسطينية. ويبدو أن إسرائيل تسعى لاستغلال ملف الهجرة الحساس للضغط على الحكومة الإسبانية وإحراجها دولياً من خلال إثارة ملفات السيادة التاريخية على المدينتين الواقعتين شمال المغرب.
من جانبه، دخل البيت الأبيض على خط الأزمة عبر تصريحات للمتحدثة آنا كيلي، التي نقلت انتقادات الرئيس ترامب للسياسات الأوروبية التي وصفتها بـ 'اليسارية المتطرفة'. وحذرت واشنطن من أن تسهيل الهجرة الجماعية سيؤدي إلى عواقب وخيمة على استقرار الدول الأوروبية، مطالبة إسبانيا بتصحيح مسارها فوراً لتجنب ما وصفته بـ 'خطر الزوال'.
الأزمة أحدثت تصدعاً داخل الاتحاد الأوروبي أيضاً، حيث طالبت الحكومة الإيطالية باستبعاد إسبانيا من فضاء 'شنغن' لمنع تسلل المهاجرين إلى بقية الدول الأوروبية. هذا الموقف دفع وزارة الخارجية الإسبانية إلى استدعاء السفير الإيطالي وتقديم احتجاج رسمي، معتبرة أن التصريحات الإيطالية تفتقر إلى روح التضامن الأوروبي في مواجهة الأزمات المشتركة.
في غضون ذلك، طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بضرورة ضمان الاحترام الكامل لحقوق المهاجرين الذين تمكنوا من دخول سبتة. وشدد غوتيريش على أهمية التعامل مع الأزمة من منظور إنساني وقانوني يضمن كرامة الأفراد، بعيداً عن التجاذبات السياسية التي بدأت تأخذ طابعاً دولياً متزايداً.
ميدانياً، قامت الحكومة الإسبانية بنشر وحدات من الجيش على طول الحدود البرية والبحرية مع المغرب في محاولة للسيطرة على تدفقات المهاجرين المستمرة حتى فجر اليوم. وتأتي هذه التحركات العسكرية في ظل استمرار عمليات التسلل، حيث يرى المهاجرون في الوصول إلى سبتة فرصة ذهبية لا تتكرر للعبور نحو القارة الأوروبية والبحث عن فرص عمل.
تستند آمال المهاجرين في البقاء بسبتة إلى قرار قانوني صدر مؤخراً عن المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو الجاري، والذي يقضي بمنع طرد المهاجرين الذين يدخلون المدينتين بشكل غير قانوني. هذا القرار القضائي شكل حافزاً إضافياً لآلاف الشباب الذين يعتقدون أن وصولهم إلى اليابسة الإسبانية يمنحهم حماية قانونية ضد الترحيل الفوري.
في المقابل، بدأ اليمين القومي المتطرف في عدة دول أوروبية، منها ألمانيا وبريطانيا، في استغلال المشاهد القادمة من سبتة للتحذير مما وصفوه بـ 'الغزو القادم من الجنوب'. وتتصاعد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعزيز الخطاب المعادي للمهاجرين في أوروبا، مما يضع حكومة سانشيز في مأزق بين الالتزامات الحقوقية والضغوط السياسية الداخلية والخارجية.
المصدر:
القدس