اتخذ القضاء اللبناني خطوة قانونية متقدمة بحق أحد أبرز رجال الأعمال والمصرفيين في البلاد، على خلفية اتهامات تتعلق بالتواصل مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي. وأفادت مصادر قضائية بأن النائب العام التمييزي أصدر بلاغ بحث وتحرٍ رسمي بحق أنطون صحناوي، وذلك بعد رصد تحركات له في العاصمة الأمريكية واشنطن اعتبرت مخالفة للقوانين الوطنية.
وتأتي هذه الملاحقة القضائية بعد انتشار صور توثق تواجد صحناوي على مأدبة عشاء مشتركة ضمت رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وزوجته، بالإضافة إلى مسؤولين أمريكيين سابقين. وقد أثارت هذه الصور موجة عارمة من الجدل في الأوساط اللبنانية، مما دفع الجهات القانونية للتحرك الفوري للتحقق من طبيعة هذا اللقاء وتداعياته.
ووفقاً للمعلومات المسربة، فإن بلاغ البحث والتحري يسري مفعوله لمدة ثلاثين يوماً، ويتضمن أمراً بتوقيف صحناوي فور وصوله إلى الأراضي اللبنانية أو العثور عليه. وتستند التهمة الموجهة إليه إلى خرق قانون مقاطعة إسرائيل الذي يحظر على المواطنين اللبنانيين أي شكل من أشكال التواصل أو التعامل مع ممثلي كيان الاحتلال.
التحرك القضائي لم يأتِ من فراغ، بل جاء استجابة لإخبار رسمي تقدمت به مجموعة من المحامين أمام النيابة العامة التمييزية في بيروت. وطالب المحامون في مذكرتهم بضرورة محاسبة كل من يتجاوز الثوابت الوطنية والقوانين التي تجرم التطبيع أو التواصل مع قادة الاحتلال، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة.
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي انقساماً حاداً وتفاعلاً كبيراً مع القضية، حيث أطلق ناشطون وسوماً تندد بتصرف رجل الأعمال وتعتبره طعنة في خاصرة التضحيات اللبنانية. ورأى منتقدون أن الجلوس مع نتنياهو يمثل اعترافاً ضمنياً وتجاوزاً لكل الخطوط الحمراء التي رسمها القانون اللبناني منذ عقود.
في المقابل، برزت أصوات تدافع عن صحناوي وتعتبر الملاحقة القضائية ذات أبعاد سياسية تهدف إلى تصفية حسابات معينة. واعتبر بعض الكتاب السياسيين أن القانون يجب أن يطبق بمعايير موحدة على الجميع دون استثناء، داعين إلى الابتعاد عن ما وصفوه بـ 'الشعبوية' في التعاطي مع الملفات القانونية الحساسة.
وتشير التقارير إلى أن اللقاء الذي جرى في واشنطن لم يكن عابراً، حيث ظهرت فيه المبعوثة الأمريكية السابقة مورغان أورتاغوس، المعروفة بعلاقاتها الوثيقة مع دوائر صنع القرار. هذا الحضور عزز من شكوك الجهات المدعية حول طبيعة الدور الذي يلعبه صحناوي في الأروقة الدولية وعلاقته بملفات إقليمية.
المحامي معن الأسعد، أحد المتابعين للقضية، أشار إلى أن القضاء اللبناني بات اليوم أمام اختبار حقيقي لإثبات استقلاليته وقدرته على تنفيذ القوانين السيادية. وأكد أن خرق قانون المقاطعة ليس مجرد جنحة بسيطة، بل هو مساس بالأمن القومي اللبناني يستوجب التحقيق المعمق والشفاف.
من جانبها، تناولت تقارير إعلامية محلية المسيرة المهنية لأنطون صحناوي، مشيرة إلى نفوذه الواسع في قطاعات المصارف والإعلام والإنتاج السينمائي. واعتبرت تلك التقارير أن صعوده السريع وشبكة علاقاته الدولية جعلته دائماً في دائرة الضوء والجدل، سواء في الملفات المالية أو السياسية.
ويرى مراقبون أن توقيت صدور البلاغ يحمل رسالة حازمة بأن الدولة اللبنانية لن تتهاون في ملفات التعامل مع الاحتلال، مهما كان حجم النفوذ الذي يتمتع به الشخص المعني. وتترقب الأوساط القانونية ما ستسفر عنه الأيام المقبلة في حال عودة صحناوي إلى لبنان ومثوله أمام جهات التحقيق.
القضية أعادت إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً حول فعالية قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 ومدى قدرته على مواكبة التحديات الحديثة. ويؤكد خبراء قانونيون أن النص القانوني واضح وصريح في تجريم أي اتصال مباشر أو غير مباشر مع العدو، وهو ما يستند إليه القضاء في إجراءاته الحالية.
وعلى الصعيد الشعبي، اعتبر متضررون من الأزمة المصرفية في لبنان أن هذه الواقعة تزيد من فجوة الثقة بين المواطن والنخبة المالية. وربط ناشطون بين دور المصارف في الأزمة الاقتصادية وبين ما وصفوه بـ 'الاستهتار بالقيم الوطنية' من خلال التواصل مع قادة الاحتلال في المحافل الدولية.
بينما تستمر التحقيقات، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة السلطات التنفيذية على ملاحقة الشخصيات التي تتمتع بحماية أو نفوذ دولي. وتعتبر هذه القضية واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الشارع اللبناني نظراً لتشابك المصالح المالية بالصراعات السياسية الكبرى في المنطقة.
ختاماً، يمثل بلاغ البحث والتحري بحق صحناوي سابقة في ملاحقة رجال الأعمال بتهمة التعامل، مما يفتح الباب أمام احتمالات قانونية متعددة. وسيكون لنتائج هذا التحقيق أثر كبير على صياغة العلاقة بين النخبة الاقتصادية والالتزامات الوطنية والقانونية تجاه القضية الفلسطينية والصراع مع الاحتلال.
المصدر:
القدس