آخر الأخبار

تصعيد المستوطنين في الضفة الغربية قبيل الانتخابات الإسرائيلي

شارك

عبد الله أبو رحمة: الحكومة الحالية تستثمر ما تبقى لها قبل الانتخابات الإسرائيلية لتكثيف التوسع الاستيطاني والسيطرة على الأرض في ظل المنافسة بين أحزاب اليمين
د. خليل تفكجي: اقتراب الانتخابات وتراجع حزب الليكود في استطلاعات الرأي يدفع نتنياهو إلى تعزيز الخطاب والسياسات الداعمَين للاستيطان في ظل الإجماع عليه
فايز عباس: من المتوقع أن تشهد فترة الحملة الانتخابية تصعيداً إضافياً بهذه الاعتداءات على القرى والبلدات الفلسطينية لكونها تحظى بدعم جماهيري داخل إسرائيل
د. سهيل دياب: نتنياهو يسعى لتوظيف هذه التطورات عبر طرح الانتخابات المقبلة باعتبارها مواجهة بين من يرفض إقامة دولة فلسطينية ومن يتهمهم بالسعي إلى ذلك
نعمان توفيق العابد: استمرار هذه السياسات قد يقود لانفجار واسع وربما لانتفاضة جديدة تتخذ طابعاً مختلفاً مع اتساع نطاق الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين
د. تمارا حداد: تصعيد اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه لا يرتبط فقط بالحسابات الانتخابية بل ينسجم مع مشروع استيطاني استراتيجي يستهدف ضم الضفة



رام الله - خاص بـ"القدس"-


تتسارع وتيرة اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية بالتوازي مع اقتراب الانتخابات للكنيست الإسرائيلية المقبلة، وسط تحذيرات من أن يكون التصعيد الميداني انعكاساً لاحتدام المنافسة داخل معسكر اليمين على كسب أصوات الناخبين عبر تبني سياسات أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين.
ويرى مختصون وخبراء ومسؤولون في مقاومة الاستيطان وكتاب ومحللون سياسيون ومختصون في الشأن الإسرائيلي، في أحاديث منفصلة مع "ے"، الهجمات المتزايدة على القرى الفلسطينية، التي كان آخرها في قرية تل جنوب غرب نابلس وأدت لاستشهاد أربعة مواطنين ومقتل جنديين إسرائيليين، وتوسع استيطاني متواصل، وفرض وقائع جديدة على الأرض، هو مشهد يتجاوز البعد الأمني ليصبح جزءاً من معركة انتخابية تُدار على حساب الدم الفلسطيني، مع سعي الأحزاب اليمينية إلى تقديم نفسها باعتبارها الأكثر قدرة على توسيع الاستيطان وإحباط أي مسار سياسي مستقبلي.
ورغم إقرارهم بأن ما يجري بتك استغلاله في السياق الانتخابي، فإنهم يجمعون على أن ما يجري لا يمكن اختزاله في كونه دعاية انتخابية، بل يندرج ضمن مشروع استراتيجي طويل الأمد يستهدف تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية، عبر تكثيف الاستيطان، وربط البؤر الاستيطانية، وإضعاف الوجود الفلسطيني، وفرض السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي، غير أن اقتراب موعد الانتخابات يمنح هذا المشروع زخماً إضافياً، في ظل سباق بين أحزاب اليمين لإثبات تشددها، واستثمار التصعيد الميداني لتعزيز حضورها الانتخابي.
ويحذرون من أن استمرار الاعتداءات على القرى الفلسطينية، إلى جانب الإجراءات العسكرية المشددة، قد يدفع الأوضاع نحو مرحلة أكثر خطورة، مع اتساع احتمالات انفجار الضفة الغربية، داعين إلى تحرك فلسطيني ودولي أكثر فاعلية لوقف السياسات الاستيطانية، وتوفير الحماية للمدنيين، في ظل مخاوف من أن تتحول المنافسة الانتخابية الإسرائيلية إلى عامل يدفع نحو مزيد من العنف والتوسع الاستيطاني وفرض وقائع يصعب تغييرها مستقبلاً.



تطور بالغ الخطورة

يؤكد القائم بأعمال نائب رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، عبد الله أبو رحمة، أن ما شهدته قرية تل جنوب غرب نابلس والقرى والبلدات المجاورة يمثل تطوراً بالغ الخطورة، ويعكس انتقال المستوطنين إلى مرحلة جديدة في تنفيذ مخططاتهم، تقوم على استهداف القرى الفلسطينية بصورة مباشرة، بعد أن كان التركيز خلال السنوات الماضية ينصب على التجمعات البدوية والتجمعات الفلسطينية الصغيرة المنتشرة في الضفة الغربية.
ويوضح أبو رحمة أن الاعتداءات الأخيرة تشير إلى أن المرحلة الحالية تستهدف القرى الفلسطينية نفسها، من خلال اقتحامها، والسيطرة على المنازل، وطرد المواطنين منها، بالتزامن مع تصاعد غير مسبوق في مستوى العنف.
ويؤكد أبو رحمة أن الاعتداءات كانت في السابق تركز بصورة أكبر على الممتلكات الفلسطينية، عبر استهداف الأراضي الزراعية، والأشجار، ومزارع المواشي، والمنشآت الصناعية، والمركبات، والمنازل، إلا أن القراءة الحالية تظهر تسريعاً في تنفيذ المخطط، بحيث بات يستهدف الفلسطينيين بشكل مباشر، بما يعكس انتقالاً إلى مرحلة قتل المواطنين وتصفيتهم.

خلق بيئة طاردة للفلسطينيين

ويرى أبو رحمة أن هذه المجموعات الاستيطانية ماضية في تنفيذ برنامجها للوصول إلى هدف يتمثل في خلق بيئة طاردة للفلسطينيين وإجبارهم على الرحيل، مؤكداً أن ذلك يجري بالتوازي مع إجراءات الجيش الإسرائيلي، من خلال إغلاق الطرق، وفرض الحصار، وتنفيذ الاعتقالات بحق المواطنين الذين يحاولون الدفاع عن أنفسهم، إضافة إلى فرض الغرامات عليهم، معتبراً أن هذه الإجراءات تشكل منظومة متكاملة بين الجيش والمستوطنين وما تقره الحكومة والكنيست من قوانين، بما يوفر الغطاء لاستمرار العنف بحق الفلسطينيين.

الانتخابات تسهم في تعزيز المسار الاستيطاني

ويعتقد أبو رحمة أن ما يجري لا يرتبط بصورة مباشرة بالدعاية الانتخابية الإسرائيلية، وإن كانت الانتخابات تسهم في تعزيز هذا المسار، موضحاً أن المخطط أُعد منذ سنوات، ومر بمراحل بدأت بكتابة الشعارات على الممتلكات الفلسطينية، ثم الاعتداء على الممتلكات، وصولاً إلى قتل الفلسطينيين.
ويؤكد أبو رحمة أن الحكومة الحالية تستثمر ما تبقى لها من وقت قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لتكثيف التوسع الاستيطاني والسيطرة على الأرض، في ظل منافسة بين أحزاب اليمين، وفي مقدمتها أحزاب إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، إلى جانب حزب الليكود.

انسجام مع خطة الحسم

ويشير أبو رحمة إلى أن هذه السياسات تنسجم مع ما طرحه سموتريتش عام 2017 تحت مسمى "خطة الحسم"، والتي قال إنها تقوم على تهجير الفلسطينيين وإجبارهم على الرحيل، موضحاً أن استهداف القرى وحصارها يهدف إلى دفع السكان للانتقال من أطرافها إلى مراكزها، ثم إلى المدن، تمهيداً للهجرة خارج فلسطين.
ويعتقد أبو رحمة أن تنفيذ هذه المخططات لن يكون سهلاً، لأن الفلسطينيين سيدافعون عن وجودهم، حيث إن ما جرى في تل ينذر بإمكانية انفجار الأوضاع، في ظل إصرار المواطنين على مقاومة هذه السياسات وإفشال أهدافها.

سياسة الإحلال والتفريغ

يؤكد الخبير في شؤون الاستيطان د. خليل تفكجي أن ما تشهده الضفة الغربية، ولا سيما قرية تل والقرى المحيطة بها، يندرج ضمن سياسة إسرائيلية تقوم على "الإحلال والتفريغ"، وتهدف إلى إفراغ المناطق التي تسعى إسرائيل إلى ضمها من سكانها الفلسطينيين، بما يتيح السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي مع أقل عدد من السكان.
ويوضح تفكجي أن قرى: تل، والمغير، وترمسعيا، واللبن الشرقية، والساوية، تقع في مواجهة كتلة استيطانية كبيرة تمتد من منطقة كفر قاسم باتجاه الأغوار، ما يجعلها هدفاً مباشراً لسياسات الضغط والاعتداءات.
ويؤكد تفكجي أن الهجمات التي ينفذها المستوطنون في هذه المناطق لا يمكن فصلها عن الأهداف الإسرائيلية بعيدة المدى، معتبراً أن المستوطنين يمثلون الأداة التنفيذية للحكومة الإسرائيلية في تحقيق مشروع الضم دون تدخل مباشر منها، عبر دفع الفلسطينيين إلى مغادرة قراهم وأراضيهم.

الانتقال نحو استهداف القرى

ويشير تفكجي إلى أن ما يحدث اليوم يشبه ما جرى سابقاً في الأغوار، حيث تعرضت التجمعات البدوية لعمليات تهجير، معتبراً أن السياسة ذاتها انتقلت الآن إلى القرى الفلسطينية المحاذية للكتل الاستيطانية الكبرى، لافتاً إلى وجود مستوطنات مثل "براخا" و"يتسهار" و"كدوميم" ضمن هذا الامتداد الاستيطاني.
ويوضح تفكجي أن التحولات الديموغرافية في أعداد المستوطنين عززت هذا التوجه، موضحاً أنه عند توقيع اتفاق أوسلو كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية، باستثناء القدس، يقارب 115 ألفاً، بينما يبلغ اليوم نحو 520 ألف مستوطن، وهو ما منح التيار الاستيطاني ثقلاً أكبر في فرض رؤيته التي تعتبر الضفة الغربية جزءاً من "الدولة العبرية" و"الأرض الموعودة"، ويستند إلى عقيدة دينية متشددة.

نتنياهو واستغلال ما يجري انتخابياً

ويربط تفكجي بين تصاعد الاعتداءات والمشهد السياسي الإسرائيلي، معتبراً أن اقتراب الانتخابات، وتراجع حزب الليكود في استطلاعات الرأي، يدفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تعزيز الخطاب والسياسات الداعمة للاستيطان، في ظل إجماع إسرائيلي على الاستيطان والقدس، مستشهداً باقتحامات المسجد الأقصى والتطورات الجارية في الضفة الغربية.
ويعتبر تفكجي أن الهدف النهائي يتمثل في فرض أمر واقع قبل أي ضغوط دولية محتملة تتعلق بإقامة دولة فلسطينية، مؤكداً أن إسرائيل لا تعترف بهذا الخيار، بل تنظر إلى المنطقة الممتدة بين النهر والبحر باعتبارها دولة واحدة.

مخاوف من تمدد الاعتداءات

ويصف تفكجي ما يجري في الضفة الغربية بأنه "عملية تطهير عرقي"، مشيراً إلى أن تنفيذها يتم عبر مستوطنين عقائديين، بينهم مجموعات "شبيبة التلال" والتيارات اليمينية المتطرفة، والمدعومة بالسلاح.
ويوضح أن اعتداءات المستوطنين لا تقتصر على قرية تل، وإنما تمتد إلى قرى أخرى بالضفة الغربية، ومن المتوقع أن تطول لاحقاً قرى أخرى قريبة من الخط الأخضر، معتبراً أن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، وغياب الضغوط الدولية الفاعلة، يسهمان في مواصلة هذه السياسات على الأرض.

سياسة إسرائيلية رسمية

يرى الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن ما شهدته قرية تل جنوب غرب نابلس والقرى المجاورة من اقتحامات واعتداءات للمستوطنين يندرج ضمن سياسة إسرائيلية رسمية يجري تنفيذها في الضفة الغربية منذ نحو أربع سنوات، تزامناً مع تولي شخصيات من اليمين الإسرائيلي، السياسية والأمنية والعسكرية، مسؤولية إدارة الضفة المحتلة. وبحسب عباس، فإن هذه القيادات منحت "الضوء الأخضر" للمستوطنين لتنفيذ اعتداءات تشمل القتل والحرق والتجريف وتهجير الفلسطينيين من منازلهم وأراضيهم، مؤكداً أن ما حدث في تل يمثل استمراراً عملياً لهذه السياسة.

فرض وقائع جديدة على الأرض

ويؤكد عباس أن اليمين الاستيطاني الحاكم في إسرائيل يسعى إلى تكثيف نشاطه في الضفة الغربية بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال توسيع السيطرة الميدانية وتقطيع أوصال الضفة وتحويلها إلى كانتونات معزولة، بما يؤدي إلى خنق المواطن الفلسطيني وتعزيز السيطرة الإسرائيلية.

تصعيد انتخابي بالدم

ويشير عباس إلى أن هذا التوجه يرتبط أيضاً بالواقع السياسي داخل إسرائيل، موضحاً أن استطلاعات الرأي تشير إلى احتمال خسارة اليمين للانتخابات المقبلة وعدم عودته إلى الحكم، الأمر الذي يدفعه إلى تسريع تنفيذ سياساته الحالية قبل أي تغيير حكومي محتمل.
ويرى أن أي حكومة جديدة قد تحاول تقليص هذه الممارسات، إلا أن عباس يستبعد توقفها بشكل كامل، معتبراً أن استمرار سيطرة قادة أمنيين ينتمون إلى اليمين الفاشي، وكثير منهم من المستوطنين، سيبقي هذه السياسة قائمة.
ويتوقع عباس أن تشهد فترة الحملة الانتخابية الإسرائيلية تصعيداً إضافياً في هذه الاعتداءات على القرى والبلدات الفلسطينية، لكونها تحظى بدعم جماهيري داخل إسرائيل.

اختلال واضح في موازين القوى

يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د.سهيل دياب أن ما شهدته قرية تل والقرى المجاورة يوم الجمعة، من اعتداءات وانتهاكات، يعكس حالة ممتدة تعيشها الضفة الغربية، تتمثل في اختلال واضح في موازين القوى بين الشعب الفلسطيني من جهة، والحكومة الإسرائيلية والمستوطنين والتيارات اليمينية من جهة أخرى.
ويعتبر دياب أن ما جرى يمثل تعبيراً عن استراتيجية بعيدة المدى تستهدف إخضاع الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية جغرافياً وديموغرافياً، أكثر من كونه حدثاً منفصلاً.

"تل" والدفاع عن النفس

ويؤكد دياب أن اعتداءات المستوطنين الأخيرة ليست استثناءً، وإنما امتداد لواقع يومي تشهده الضفة الغربية، مستشهداً بتقارير الأمم المتحدة التي تشير إلى تسجيل أكثر من 1900 اعتداء نفذه مستوطنون بحق الفلسطينيين، وإخلاء أكثر من 118 تجمعاً سكنياً ومنطقة مأهولة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إلى جانب إقامة 104 مستوطنات جديدة و189 بؤرة استيطانية جديدة، معتبراً أن هذه المؤشرات تعكس حجم التحول الذي يجري على الأرض.
ويؤكد دياب أن ما ميز أحداث قرية تل هذه المرة هو أن المواطنين الفلسطينيين لم يكتفوا بتلقي الاعتداءات، بل حاولوا الدفاع عن أنفسهم، معتبراً أن ذلك يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها القرى الفلسطينية، في ظل عدم تكافؤ الإمكانات بين الفلسطينيين وبين الاحتلال و"ميليشيات المستوطنين"، إلى جانب غياب دور فاعل للمجتمع الدولي، واستمرار الصمت العربي والإسلامي، وافتقاد مشروع وطني فلسطيني متكامل يعزز صمود المواطنين والمزارعين في أراضيهم.

الحاجة إلى رؤية سياسية أشمل

ويعتقد دياب أن مواجهة هذا الواقع تتطلب رؤية سياسية أشمل من مجرد توصيف الانتهاكات، تقوم على بلورة مشروع وطني فلسطيني متكامل يدعم الوجود الفلسطيني على الأرض، بالتوازي مع تحرك دولي فاعل يضع حداً للتوحش الاحتلالي، بما في ذلك المطالبة بإرسال قوة تابعة للأمم المتحدة لتوفير الحماية للمواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية.
ويرى دياب أن الاعتداءات الجارية لا ترتبط بصورة مباشرة بالحملة الانتخابية الإسرائيلية، وإنما تنبع أساساً من رؤية استراتيجية تتبناها الحكومة الإسرائيلية والمستوطنون لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي، معتبراً أن الانتخابات تمثل عاملاً للاستفادة السياسية من هذه التطورات، وليس الدافع الأساسي لها.

توظيف التطورات انتخابياً

ويوضح دياب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى توظيف هذه التطورات انتخابياً عبر طرح الانتخابات المقبلة باعتبارها مواجهة بين من يرفض إقامة دولة فلسطينية ومن يتهمهم بالسعي إلى ذلك، في حين تشهد الساحة اليمينية منافسة موازية بين حزب الليكود وكل من إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش لاستقطاب أصوات اليمين المتطرف، وهو ما ينعكس على تصاعد السياسات في الضفة الغربية.
ويشير دياب إلى أن هذا التصعيد قد لا يحقق بالضرورة مكاسب انتخابية لنتنياهو، محذراً من أن اتساع ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسلامية، واحتمال انفجار الأوضاع في الضفة الغربية واندلاع انتفاضة جديدة قبل الانتخابات، قد يقلب المعادلة ويحد من قدرة أي طرف على استثمار هذه الأحداث انتخابياً.

الحسم الاستيطاني

يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن ما ينفذه المستوطنون في الضفة الغربية، وما يترافق معه من توسع استيطاني، يندرج ضمن تطبيق "خطة الحسم" التي يتبناها سموتريتش، معتبراً أن حكومة الاحتلال أقرتها بصورة مباشرة وتعمل على تنفيذها ميدانياً من خلال السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية وتكريس واقع استيطاني جديد.
ويوضح العابد أن الخطة تقوم على عدة محاور، أبرزها "الحسم الاستيطاني"، عبر الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية باستخدام ذرائع متعددة، منها أراضي الدولة، والاستيطان الرعوي، والبؤر العسكرية، وتوسعة المستوطنات القائمة، بما يؤدي إلى زيادة أعداد المستوطنين على حساب أصحاب الأرض الأصليين، وتقليص المساحات المتاحة للفلسطينيين، إلى جانب إنشاء الطرق الالتفافية والمناطق العازلة، وإيجاد وجود استيطاني داخل الأحياء الفلسطينية بهدف إظهاره كأمر طبيعي ودائم.

هجمات منظمة

ويشير العابد إلى أن المستوطنين يؤدون، وفق هذه الرؤية، دوراً منظماً يشمل التضييق على الفلسطينيين، وتنفيذ الهجمات ضد السكان، وتوسيع المستوطنات، مؤكداً أن ذلك يجري بعد تسليحهم من قبل الحكومة الإسرائيلية، وتوفير الغطاء القانوني والسياسي لهم، إضافة إلى الحماية الميدانية التي يوفرها جيش الاحتلال، بل ومشاركته في بعض هذه الممارسات.
ويعتبر العابد أن ما يجري ليس ردود فعل أو تصرفات فردية، وإنما تنفيذ لخطة حكومية واضحة المعالم.
ويربط العابد بين تصاعد هذه السياسات والانتخابات الإسرائيلية المقبلة، موضحاً أن الملف الفلسطيني يشكل أحد أبرز أدوات الدعاية الانتخابية للأحزاب اليمينية، ولا سيما الأحزاب الدينية المتطرفة، التي تسعى إلى استقطاب الناخب الإسرائيلي عبر تبني مواقف أكثر تشدداً.

سباق مع الزمن لحسم الصراع

ويعتبر العابد أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تخوض سباقاً مع الزمن قبل الانتخابات المقررة في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، لتنفيذ رؤيتها بشأن "حسم الصراع" وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ويشير العابد إلى أن هذه السياسة لا تقتصر على الضفة الغربية، بل تشمل القدس الشرقية أيضاً، من خلال التضييق على السكان الفلسطينيين، والاستيلاء على المنازل، ومنع البناء، وربط المستوطنات المحيطة بالمدينة، بما ينسجم مع تصريحات سموتريتش بشأن توسيع حدود بلدية القدس ومنع قيام دولة فلسطينية.
ويرى أن هذه السياسات تضع الفلسطينيين أمام ثلاثة خيارات؛ القبول بالعيش دون حقوق سياسية أو سيادية والاكتفاء بحقوق مدنية واقتصادية محدودة، أو الهجرة نتيجة تضييق ظروف الحياة، أو مواجهة القوة العسكرية في حال رفض هذه السياسات، معتبراً أن الاعتداءات على المنازل والمساجد والأراضي تندرج ضمن هذا الإطار.
ويؤكد أن استمرار تنفيذ هذه الخطة يستند إلى حالة الضعف الفلسطيني والانشغال الإقليمي والدعم الأمريكي لإسرائيل، داعياً إلى تحرك فلسطيني موحد، وتحرك عربي عبر جامعة الدول العربية، إلى جانب جهود دولية من مجلس الأمن والدول الأوروبية للضغط على الإدارة الأمريكية من أجل وقف هذه السياسات.
ويحذر العابد من أن استمرار هذه السياسات قد يقود إلى انفجار واسع في الضفة الغربية، وربما إلى انتفاضة جديدة تتخذ طابعاً مختلفاً، مع اتساع نطاق الاحتكاك المباشر بين المستوطنين والفلسطينيين.

حلقة إضافية من سلسلة العنف المنظم

تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د.تمارا حداد أن الاعتداءات التي نفذها المستوطنون في قرية تل جنوب غرب نابلس، إلى جانب الهجمات التي استهدفت قرى وبلدات أخرى مجاورة وفي أنحاء أخرى من الضفة الغربية، تمثل حلقة إضافية في سلسلة متصاعدة من العنف المنظم في الضفة الغربية، لكنها تختلف من حيث التوقيت والحجم وطبيعة الرسائل السياسية والميدانية التي تحملها.
وتوضح حداد أن ما جرى يتجاوز كونه احتكاكات بين مستوطنين وفلسطينيين، ليعكس سياسة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض عبر استخدام العنف لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في الضفة الغربية.

تكامل بالأدوار

وتشير حداد إلى أن استهداف الفلسطينيين وممتلكاتهم يتزامن مع إجراءات عسكرية إسرائيلية مشددة، بما يعكس تكاملاً في الأدوار بين المستوطنين والجيش الإسرائيلي، حيث أن المستوطنين يتحركون في كثير من الحالات تحت حماية الجيش وفي ظل غياب أي تدخل لوقف اعتداءاتهم، وهو ما يعزز الانطباع بأن هذه الهجمات ليست أعمالاً فردية، وإنما جزء من استراتيجية أوسع لزيادة الضغط على الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل عن مناطقهم.

الانتخابات وإظهار تشدد أكبر ضد الضفة الغربية

وتشدد حداد على أن تصاعد هذه الاعتداءات يأتي في ظل احتدام المنافسة بين قادة الأحزاب اليمينية في إسرائيل لإظهار مزيد من التشدد تجاه الضفة الغربية، موضحة أن الضفة أصبحت إحدى أهم ساحات التنافس السياسي، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم نفسه باعتباره الأكثر قدرة على توسيع الاستيطان وتشديد القبضة الأمنية وفرض السيادة الإسرائيلية على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية.

مشروع استيطاني استراتيجي يستهدف الضفة

وتعتبر حداد أن هذا التصعيد لا يرتبط فقط بالحسابات الانتخابية، بل ينسجم مع مشروع استيطاني استراتيجي يستهدف ضم الضفة الغربية، لافتة إلى أن اقتراب الاستحقاقات السياسية أو زيادة الضغوط على الحكومة يقترن عادة بتصاعد الخطاب اليميني والإجراءات الميدانية.
وتؤكد حداد أن اختزال ما يجري في كونه حملة انتخابية لا يكفي، لأن الاعتداءات الحالية تنسجم مع مشروع أوسع يقوم على توسيع المستوطنات، وربط البؤر الاستيطانية، وإضعاف الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة (ب) و(ج)، وصولاً إلى خلق واقع يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر صعوبة.

تهيئة الرأي العام لتبني سياسات أكثر قسوة

وترى حداد أن تصريحات وزراء في الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما الدعوات إلى التعامل مع بعض قرى الضفة الغربية بالطريقة التي جرى بها التعامل مع قطاع غزة، تكشف انتقال الخطاب من مستوى التهديد إلى تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لتبني سياسات أكثر قسوة عبر العمليات العسكرية وفرض القيود الجماعية.
وفي قراءتها للمشهد المقبل، تتوقع حداد ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يتمثل أولها في استمرار التصعيد، مع تكثيف الاقتحامات واعتداءات المستوطنين وتوسيع الاستيطان وتشديد القيود الأمنية، فيما يتمثل السيناريو الثاني في تنفيذ عملية عسكرية إسرائيلية أوسع في شمال الضفة، خاصة في نابلس وجنين وطولكرم، أما السيناريو الثالث فيقوم على استغلال الحكومة الإسرائيلية التصعيد لتسريع مشاريع الضم غير المعلن وتوسيع المستوطنات وإضعاف الوجود الفلسطيني.
وتؤكد حداد أن مجمل هذه المؤشرات تعكس سياسة متكاملة لإعادة رسم الواقع الميداني والسياسي في الضفة الغربية، محذرة من أن استمرارها قد يقود إلى تغيرات جذرية، مع بقاء احتمال اندلاع انتفاضة جديدة قائماً، وإن كان توقيتها لا يمكن التنبؤ به.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا