آخر الأخبار

أزمة المحروقات في الضفة الغربية: هشاشة التوريد والتمويل

شارك

د. سمير حليلة: ملف الوقود يحتاج لمراجعة آلية شراء المحروقات في ظل ما يثار بشأن اعتماد سعر الشراء الإسرائيلي واسترداد الفارق لاحقاً عبر أموال المقاصة
خالد سراحنة: تراجع الإمدادات بالتزامن مع اندفاع المواطنين لتعبئة كميات أكبر من المعتاد خشية نفاد الوقود ضاعف من حدة الأزمة وأظهرها بصورة أكبر
أيهم أبو غوش: قطاع المحروقات يعاني غياب مخزون استراتيجي واعتماداً كاملاً على إسرائيل بالتوريد ما يجعل أي خلل ينعكس مباشرة على السوق الفلسطينية
د. مؤيد عفانة: إنشاء شركة حكومية للمحروقات خطوة تنظيمية تهدف إلى فصل المهام عن هيئة البترول لتتولى عمليات الشراء والتخزين والنقل
إخلاص طمليه: إنشاء شركة محروقات حكومية دون بنية تحتية جديدة أو مبررات واضحة قد يزيد البيروقراطية ويؤخر التوريد بدلاً من معالجة جذور الأزمة
مسيف مسيف: الحديث عن تهريب نحو مليون لتر يومياً بخسارة تقارب ثلاثة ملايين شيكل للخزينة العامة أمر خطير يستدعي إعادة تعزيز الأمن الاقتصادي
د. ثابت أبو الروس: يجب العمل على إطلاق مشاريع لإنشاء خزانات ومرافق تخزين للوقود لتأسيس مخزون استراتيجي يحمي السوق الفلسطينية
حسناء الرنتيسي: معالجة الأزمة تتطلب إجراءات عاجلة تشمل ضمان انتظام سداد أثمان الوقود للموردين وتعزيز الشفافية وتنظيم عمليات التوزيع وتشديد الرقابة




رام الله - خاص بـ"ے"-
تعود أزمة المحروقات في الضفة الغربية إلى الواجهة مجدداً وسط تداخل عوامل عدة، في ظل اعتماد السوق الفلسطينية بشكل شبه كامل على التوريد الإسرائيلي، وغياب مخزون استراتيجي يحميها من أي اضطراب في الإمدادات.
ويرى اقتصاديون ومسؤولون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن أزمة السيولة، وتكدس الشيكل، واحتجاز أموال المقاصة، إلى جانب آليات شراء المحروقات والقيود المرتبطة ببروتوكول باريس، ساهمت في تعقيد ملف الوقود، فيما أدى تهافت المواطنين على المحطات خشية انقطاعه إلى زيادة الضغط على الكميات المتوفرة.
ويؤكدون أن معالجة الأزمة تتطلب إجراءات عاجلة تشمل ضمان انتظام التوريد، وتنظيم عمليات التوزيع، وتعزيز الشفافية، إلى جانب حلول طويلة الأمد تقوم على إنشاء مخزون استراتيجي وتنويع مصادر الطاقة، فيما يبقى مقترح إنشاء شركة حكومية للمحروقات محل نقاش، وسط تساؤلات حول قدرتها على معالجة جذور الأزمة في ظل استمرار التحديات المالية والهيكلية.



أزمة مرتبطة بإدارة الأموال الحكومية

يؤكد الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال د.سمير حليلة أن أزمة المحروقات الحالية، كما الأزمات السابقة، ترتبط بصورة مباشرة بإدارة الأموال الحكومية وآليات توفير السيولة بالشيكل داخل البنوك الإسرائيلية لتسديد مستحقات المشتقات البترولية.
ويوضح حليلة أن جذور الأزمة أعمق من مجرد مشكلة نقدية أو مصرفية، وتستوجب توضيحات رسمية حول آليات إدارة هذا الملف، مشدداً على أن هناك تساؤلات جوهرية تتعلق بكيفية سداد مستحقات شركات التوريد الإسرائيلية، سواء كانت تتم شهرياً أو ربع سنوياً، والضمانات التي تحكم هذه العملية بموجب الاتفاقيات الموقعة.
ويشير حليلة إلى أن الحكومة تحصل مستحقاتها من محطات الوقود كل عشرة أيام، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الأزمة ناتجة عن صعوبات في إيداع الشيكل داخل البنوك، أم عن مشكلة فائض الشيكل لدى البنوك نفسها.
ويؤكد حليلة أن ملف الوقود يحتاج أيضاً إلى مراجعة آلية شراء المحروقات من الشركات الإسرائيلية، في ظل ما يثار بشأن اعتماد سعر الشراء الإسرائيلي واسترداد الفارق لاحقاً عبر أموال المقاصة، معتبراً أن هناك تراجعاً فلسطينياً عن بعض الترتيبات التي نصت عليها اتفاقية باريس الاقتصادية، ومتسائلاً عن الجهة التي اتخذت هذا القرار وتوقيته، وكيف ستتم ممارسة الحق الفلسطيني في تعديل قيمة ضريبة "البلو" على بعض المشتقات النفطية وفق ما تتيحه الاتفاقية.

الوقود مرتفع مقارنة بالعديد من دول العالم

ويشير حليلة إلى أن ارتفاع أسعار الوقود في الأراضي الفلسطينية مقارنة بالعديد من الدول يرتبط بقيود اتفاقية باريس وبمستوى الضرائب المفروضة، وهو ما يتطلب اجتراح آليات لتخفيف الأعباء على المواطنين بتخفيض الأسعار.

الشركة الحكومية.. أهداف غير واضحة

وفيما يتعلق بمقترح إنشاء شركة حكومية لنقل وتوزيع المحروقات، يؤكد حليلة أن أهداف المشروع ما زالت غير واضحة، متسائلاً عن القيمة المضافة التي ستقدمها الشركة، وما إذا كانت ستستثمر في إنشاء مرافق تخزين استراتيجية لحماية السوق الفلسطينية من تقلبات الإمدادات والضغوط الإسرائيلية، أو ستبحث عن مصادر جديدة لاستيراد الوقود، أو ستوفر التمويل اللازم لشراء المحروقات التي تصل قيمتها السنوية إلى نحو ثمانية مليارات شيكل بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص. ويطرح حليلة تساؤلات حول مستقبل شركات النقل الخاصة ومحطات الوقود، معتبراً أن هذه الأسئلة تعكس تعقيد الملف، وأن إنشاء الشركة، بصيغته المطروحة، لا يمثل حلاً مباشراً للأزمة المتكررة.

أزمة اقتصادية ومالية وسياسية أوسع

يؤكد أمين سر نقابة أصحاب محطات الوقود خالد سراحنة أن أزمة المحروقات في الضفة الغربية تعكس أزمة اقتصادية ومالية وسياسية أوسع سببها الأول هو الاحتلال الإسرائيلي.
وبحسب سراحنة، فإن هيئة البترول أعلنت أخيراً أنها ستورد ثلاثة ملايين لتر يومياً لإنهاء الأزمة، إلا أن هذه الكميات لم تصل فعلياً خلال الأيام القليلة الماضية، ما أبقى الأزمة قائمة، معرباً عن أمله في الالتزام بهذه التعهدات خلال الأيام المقبلة.
ويوضح سراحنة أن احتجاز أموال المقاصة، إلى جانب أزمة تكدس الشيكل ورفض البنوك الفلسطينية استقباله بسبب القيود المفروضة على التحويلات مع البنوك الإسرائيلية، يشكلان جوهر الأزمة.

صعوبة في إيداع الشيكل

ويؤكد سراحنة أن محطات الوقود تدفع ثمن المحروقات مقدماً عبر البنوك، إلا أنها تواجه صعوبة في إيداع الشيكل، ما يضطرها أحياناً لتحويله إلى الدولار ثم إيداعه ليعاد تحويله داخلياً، بينما تواجه هيئة البترول بدورها عراقيل في تحويل الأموال للشركات الإسرائيلية، الأمر الذي أدى إلى عرقلة عمليات التوريد.

اندفاع المواطنين فاقم الأزمة

ويشير سراحنة إلى أن تراجع الإمدادات، بالتزامن مع اندفاع المواطنين لتعبئة كميات أكبر من المعتاد خشية نفاد الوقود، ضاعف من حدة الأزمة وأظهرها بصورة أكبر.
ويرى أن إنهاء الأزمة يتطلب توفير ما لا يقل عن 3.5 مليون لتر من البنزين والسولار يومياً لمدة أسبوع على الأقل، مع اعتماد الدفع المسبق لجميع المحطات مؤقتاً لتعزيز السيولة، إضافة إلى معالجة أزمة التحويلات البنكية والإفراج عن أموال المقاصة، مشدداً على أن الحل سياسي بالدرجة الأولى.
ويشير سراحنة إلى أن آثار الخنق الاقتصادي لا تقتصر على قطاع المحروقات، بل تمتد إلى قطاعات الدواء والغذاء والكهرباء والمياه، داعياً الحكومة إلى مصارحة المواطنين بحقيقة الأزمة وإجراءات معالجتها.

المشكلة الأساسية بنقص السيولة

وفيما يتعلق بالمقترح الحكومي لإنشاء شركة حكومية لنقل وتوزيع المحروقات، يؤكد سراحنة أن النقابة لم تطلع حتى الآن على أهداف المشروع أو تفاصيله، معتبراً أن المشكلة الأساسية تكمن في نقص السيولة وليس في الإدارة.
ويحذر سراحنة من أن إنشاء الشركة قد يرحل الأزمة بدلاً من حلها، وربما يضيف أعباء مالية جديدة قد تنعكس على المواطن.

اختلالات هيكلية متراكمة

يوضح الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن أزمة المحروقات في الأراضي الفلسطينية ليست وليدة اللحظة، وإنما تعكس اختلالات هيكلية متراكمة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، تفاقمت بصورة أكبر بفعل تداعيات السابع من أكتوبر 2023، والحرب المستمرة على قطاع غزة والضفة الغربية.
ويرى أبو غوش أن قطاع المحروقات يعاني غياب مخزون استراتيجي، واعتماداً كاملاً بنسبة 100% على إسرائيل في التوريد، إضافة إلى ارتباط الإمدادات بعمليات قصيرة الأجل، ما يجعل أي خلل فني أو أمني أو لوجستي لدى الجانب الإسرائيلي ينعكس مباشرة على السوق الفلسطينية.

تداخل عدة عوامل

ويشير أبو غوش إلى أن الأزمة الأخيرة جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها حادث التسريب والاحتراق الذي وقع في محطة غاز قرب نعلين الأسبوع الماضي، وأدى إلى وقف توريد المحروقات لأسباب فنية، بالتزامن مع عطلة نهاية الأسبوع، ما تسبب بانقطاع الإمدادات يومي الجمعة والسبت، وعند استئناف التوريد الأحد ارتفع الطلب بصورة تجاوزت الكميات المتاحة.

أزمة السيولة عامل رئيسي باضطراب التوريد

ويؤكد أبو غوش أن أزمة السيولة التي تواجهها السلطة الفلسطينية تعد عاملاً رئيسياً في اضطراب التوريد، موضحاً أن آلية شراء الوقود من إسرائيل تعتمد على الدفع النقدي المباشر، في حين لا تستعيد السلطة قيمة الضرائب المرتبطة بالمحروقات بسبب استمرار احتجاز أموال المقاصة، الأمر الذي يفاقم الضائقة المالية ويؤخر سداد مستحقات الشركات الإسرائيلية، خاصة مع استخدام جزء من السيولة لتغطية النفقات التشغيلية.

أزمة شح الشيكل تعرقل التوريد

ويلفت أبو غوش إلى أن أزمة شح الشيكل وتكدس الفائض في البنوك الفلسطينية تعرقل كذلك عمليات التسوية المالية والتحويلات اللازمة لاستيراد الوقود.
ويشدد أبو غوش على أن معالجة الأزمة تتطلب الإفراج عن أموال المقاصة لتوفير السيولة، وإنشاء مخزون استراتيجي يكفي شهراً إلى شهرين على الأقل، إلى جانب إعداد دراسات دقيقة لحجم الاستهلاك المتوقع بما يضمن مواءمة كميات الشراء مع الاحتياجات الفعلية.
من جهة أخرى، يشير أبو غوش إلى أن الحكم على مشروع الشركة الحكومية لنقل وتوزيع المحروقات يبقى مرهوناً بالإعلان عن تفاصيله وآليات عمله، خاصة مع شح المعلومات حول ذلك.

احتجاز أموال المقاصة فاقم الأزمة

يوضح الخبير الاقتصادي د.مؤيد عفانة أن عودة أزمة المحروقات في فلسطين تعود إلى مجموعة من الأسباب المالية واللوجستية والسياسية المتداخلة، في مقدمتها أزمة تكدس الشيكل التي دفعت البنوك إلى فرض قيود على الإيداعات النقدية، بما فيها إيداعات محطات الوقود، ما انعكس على تغذية حسابات الهيئة العامة للبترول وأوجد أزمة سيولة لديها.
ويشير عفانة أن الهيئة تضطر إلى شراء المحروقات من الشركات الإسرائيلية بكامل قيمتها متضمنة الضرائب، في حين تسترد هذه الضرائب عادة عبر أموال المقاصة، إلا أن استمرار إسرائيل في احتجاز إيرادات المقاصة منذ أكثر من 15 شهراً حرم الخزينة الفلسطينية من هذه الموارد، وفاقم الضغوط المالية وأضعف قدرة الحكومة على تمويل دعم أسعار المحروقات من مواردها المحدودة.

مخاوف اتساع الصراع الإقليمي أحد الأسباب

ويؤكد عفانة أن المخاوف من اتساع الصراع الإقليمي واحتمال انخراط إسرائيل في مواجهة مع إيران دفعت الشركات الإسرائيلية الموردة إلى إعطاء الأولوية في الإمدادات للجيش الإسرائيلي ثم للسوق الإسرائيلية قبل السلطة الفلسطينية، ما أسهم في تقليص الكميات الموردة. كما أدى القلق الشعبي، المدفوع بذكريات الحصار على قطاع غزة وانتشار الشائعات، إلى تهافت المواطنين على محطات الوقود، الأمر الذي فاقم مظاهر النقص رغم استمرار عمليات التوريد اليومية.
ويشير عفانة إلى أن الأزمة فرضت أعباء اقتصادية واجتماعية إضافية على المواطنين، من خلال استنزاف دخولهم المحدودة في شراء الوقود، والانتظار لساعات في الطوابير، وما رافق ذلك من ضغوط نفسية وهدر للوقت والمال.

أهمية التنسيق مع الجهات المختصة

ويدعو عفانة إلى تنسيق عاجل بين وزارة المالية وسلطة النقد والبنوك والهيئة العامة للبترول ومحطات التوزيع لضمان انسياب الإيداعات وتوفير السيولة، إلى جانب تنظيم عمليات البيع عبر تحديد سقوف للتعبئة مؤقتاً، ومنع تعبئة الجالونات، وتشديد الرقابة على التوريد والتوزيع لمنع التهريب والسوق السوداء، وتعزيز الشفافية بإصدار بيانات يومية تحد من الشائعات، فضلاً عن إنشاء مخزون استراتيجي للمحروقات بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص.

إنشاء الشركة الحكومية خطوة قديمة

وفيما يتعلق بإنشاء شركة حكومية لنقل وتوزيع المحروقات، يوضح عفانة أن المشروع ليس جديداً، إذ ورد في القرار بقانون رقم (5) لسنة 2023 بشأن الهيئة العامة للبترول، معتبراً أنه يمثل خطوة تنظيمية تهدف إلى فصل المهام بين الهيئة والشركة الجديدة، بحيث تتولى الشركة عمليات الشراء والتخزين والنقل، بينما تقتصر مهام الهيئة على الإشراف والتنظيم والرقابة.
ويدعو عفانة إلى نقاش وطني متخصص يضم الحكومة والقطاع الخاص والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني لضمان بناء منظومة أكثر كفاءة وشفافية في إدارة قطاع المحروقات.

أزمة المحروقات ليست أزمة طارئة

تؤكد الباحثة الاقتصادية إخلاص طمليه أن أزمة المحروقات ليست أزمة طارئة، وإنما نتيجة تراكم أزمات مالية وسياسية ولوجستية باتت تتكرر وتنعكس على مختلف مفاصل الاقتصاد الفلسطيني، موضحة أن العامل الأكثر تأثيراً حالياً يتمثل في أزمة فائض الشيكل، إذ لم تعد البنوك الفلسطينية قادرة على تحويل الكميات المطلوبة إلى البنوك الإسرائيلية بسبب القيود المفروضة، ما أدى إلى تجميد السيولة داخل السوق، فأصبحت محطات الوقود تمتلك الأموال لكنها تعجز عن استخدامها لتجديد مخزونها من الوقود.
وتشير طمليه إلى أن الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية وما نتج عنها من شح في السيولة وصعوبة إدارة الالتزامات المالية أسهما أيضاً في تفاقم الأزمة، لافتة إلى أن الأموال التي تدفعها محطات الوقود لشراء المحروقات تُستخدم أحياناً لتغطية التزامات مالية أخرى، الأمر الذي يزيد الضغوط على عمليات التوريد.

إسرائيل كمصدر وحيد للمحروقات يربك السوق

وتؤكد طمليه أن الاعتماد شبه الكامل على إسرائيل كمصدر وحيد لاستيراد المحروقات يجعل السوق الفلسطينية شديدة التأثر بأي قرار سياسي أو أمني أو إداري أو أي خلل في النقل والإمداد.
وتوضح طمليه أن غياب مخزون وطني استراتيجي يفاقم الأزمة، إذ يعتمد السوق على التوريد اليومي، ما يجعل أي تأخير ليوم أو يومين كفيلاً بإحداث نقص سريع، خاصة مع تزايد إقبال المواطنين على تعبئة الوقود بدافع الخوف، الأمر الذي يرفع الطلب بصورة مفاجئة ويؤدي إلى استنزاف الكميات المتوافرة.

أهمية انتظام التوريد اليومي

وترى طمليه أن المعالجة العاجلة تتطلب ضمان انتظام التوريد اليومي، وتسريع معالجة أزمة السيولة وفائض الشيكل، وتعزيز التنسيق لضمان دخول الشاحنات بالكميات المتفق عليها، إلى جانب تحسين توزيع المحروقات بين المحافظات.

ضرورة إنشاء مخزون استراتيجي

أما على المدى المتوسط والطويل، تؤكد طمليه ضرورة إنشاء مخزون استراتيجي يغطي احتياجات السوق في حالات الطوارئ، وتنويع مصادر الطاقة والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية لضمان التزام إسرائيل باستقبال فائض الشيكل وفق بروتوكول باريس، إضافة إلى تعزيز الشفافية الرسمية عبر الإفصاح عن كميات الوقود الموردة والمخزون وخطط الطوارئ للحد من الشائعات والهلع.
وفيما يتعلق بمقترح إنشاء شركة حكومية للمحروقات، تعتبر طمليه أن نجاحها مرهون بتحديد مهامها وعلاقتها بهيئة البترول، محذرة من أن إنشائها دون بنية تحتية جديدة أو مبررات واضحة قد يزيد البيروقراطية ويؤخر التوريد بدلاً من معالجة جذور الأزمة.

أزمة المحروقات الحالية.. ضبابية كبيرة

يؤكد الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" مسيف مسيف أن أزمة المحروقات الحالية يحيط بها قدر كبير من الضبابية بسبب غياب الشفافية والإفصاح الرسمي عن أسبابها الحقيقية، معتبراً أن توضيح الوقائع للرأي العام يقع بالدرجة الأولى على عاتق هيئة البترول، وبدرجة ثانية على نقابة أصحاب محطات الوقود.
ويشدد مسيف على أنه إذا كان تهريب الوقود أحد أسباب الأزمة، فإن ذلك يكشف وجود خلل في تقدير احتياجات السوق الفلسطينية وضبطها، مشيراً إلى أن ما يتم تداوله بتهريب نحو مليون لتر يومياً يعني خسارة تقارب ثلاثة ملايين شيكل يومياً للخزينة العامة نتيجة فقدان عائدات الضريبة على السولار هو أمر خطير يستدعي إعادة تعزيز الأمن الاقتصادي.
ويرفض مسيف الربط المباشر بين أزمة فائض الشيكل وأزمة المحروقات، موضحاً أن أزمة الشيكل قائمة منذ سنوات ولم تؤد سابقاً إلى تعطيل هذا القطاع، كما أن محطات الوقود تستطيع شراء المحروقات نقداً عند الحاجة، وحال كان هذا السبب فإن قطاعات أخرى ستتأثر وهذا لم يحدث.

الأخطر غياب المخزون الاستراتيجي

ويؤكد مسيف أن الأخطر هو غياب المخزون الاستراتيجي، لافتاً إلى أن توقف التوريد ليومين فقط كان كفيلاً بإحداث أزمة واسعة، وهو ما يعكس خللاً هيكلياً في إدارة قطاع المحروقات بعد ثلاثة عقود من قيام السلطة الفلسطينية، داعياً إلى إنشاء مرافق تخزين كافية لهذه السلعة الاستراتيجية، وليس شرطاً أن يقوم بها الجهات الرسمية، بل إن ذلك مهم حتى لو قام بذلك كل صاحب محطة وقود بإشراف الجهات المختصة.
ويشير مسيف إلى أن الادعاء بأن إسرائيل تمنع توريد الكميات المطلوبة غير دقيق، معتبراً أن الشركات الإسرائيلية توفر الوقود وفق الكميات المدفوعة، وأن المشكلة تكمن في إدارة القطاع محلياً.
وفيما يتعلق بمقترح إنشاء شركة حكومية لنقل وتوزيع المحروقات، يرى مسيف أن تأسيس شركة حكومية خالصة لن يعالج الأزمة، بينما قد يكون نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص أكثر جدوى، بحيث يتولى القطاع الخاص الإدارة، فيما تقتصر الحكومة على التنظيم والرقابة.

تهريب الوقود مشكلة مزمنة

ويشير مسيف إلى أن تهريب الوقود يمثل مشكلة مزمنة ترتبط بضعف الدور الاقتصادي للسلطة، وقلة كوادر مكافحة التهريب، وسيطرة الاحتلال على معظم أراضي الضفة الغربية، ما يحد من قدرة الضابطة الجمركية على ملاحقة المخالفات.
ويلفت مسيف إلى أن وجود أكثر من 90 محطة وقود عشوائية، تتركز غالبيتها في جنوب الضفة، أسهم في تلبية الطلب هناك، ولذلك لم تظهر الأزمة بالحدة نفسها كما في المحافظات الشمالية والوسط، داعياً إلى إعادة تنظيم القطاع عبر تسهيل ترخيص المحطات وفتح السوق أمام المنافسة للحد من الاحتكار والتهريب.
ويعتبر مسيف أن ارتفاع أسعار الوقود يرتبط أساساً بقيود بروتوكول باريس، إلى جانب بعض السياسات الضريبية الداخلية، محذراً من مخاطر الوقود المهرب والمغشوش الذي يخلط بزيوت ومشتقات غير صالحة، ويسبب أضراراً للمركبات ويخلق منافسة غير عادلة مع المحطات المرخصة.

عمق التبعية المفروضة على قطاع الطاقة

يؤكد الخبير والمحلل الاقتصادي د.ثابت أبو الروس أن عودة أزمة المحروقات إلى الواجهة تعكس في جوهرها عمق التبعية الاقتصادية والهيكلية المفروضة على قطاع الطاقة الفلسطيني بموجب ملحق بروتوكول باريس الاقتصادي.
ويعتبر أبو الروس أن ما يجري لا يقتصر على أزمة لوجستية مرتبطة بالتوريد، وإنما يمثل تداخلاً بين عوامل هيكلية ومالية ولوجستية تفرض ضغوطاً متواصلة على الاقتصاد الفلسطيني والسوق المحلية.

الارتهان شبه الكامل للمورد الإسرائيلي

ويوضح أبو الروس أن أول هذه العوامل يتمثل في الارتهان شبه الكامل للمورد الإسرائيلي، إذ تعتمد السلطة الفلسطينية منذ عام 1993 على استيراد المحروقات حصراً من شركات إسرائيلية متعاقد معها، من دون التوجه إلى استيراد الوقود من أسواق خارجية لأسباب عديدة، ما يجعل السوق الفلسطينية رهينة لأي تغير أو اضطراب في منظومة التوريد الإسرائيلية.

أزمة فائض الشيكل

ويؤكد أبو الروس أن العامل الثاني يتمثل في أزمة فائض الشيكل، حيث تواجه محطات الوقود صعوبة في إيداع العملة لدى البنوك وتحويلها إلى الجانب الإسرائيلي لسداد قيمة المحروقات، الأمر الذي يعرقل عمليات الشراء والتوريد.

غياب مخزون احتياطي واستراتيجي

أما العامل الثالث، بحسب أبو الروس، فيتمثل في غياب مخزون احتياطي واستراتيجي نتيجة عدم توفر خزانات ومستودعات كافية تضمن استمرار الإمدادات عند حدوث أي انقطاع.

البحث بجدية عن موردين بديلين للمحروقات

ويرى أبو الروس أن معالجة الأزمة تتطلب البحث بجدية عن موردين بديلين للمحروقات، مستشهداً بالمحاولات السابقة لاستيراد الوقود من الأردن أو العراق، إلى جانب إيجاد معالجة خاصة لأزمة فائض الشيكل عبر استثناء قطاع المحروقات من القيود المفروضة على التحويلات، وضمان استيعاب البنوك الإسرائيلية لفائض الشيكل المرتبط بهذا القطاع.

أهمية مشاريع إنشاء خزانات ومرافق تخزين للوقود

ويدعو أبو الروس إلى العمل على إطلاق مشاريع لإنشاء خزانات ومرافق تخزين للوقود بتمويل من دول مانحة لتأسيس مخزون استراتيجي يحمي السوق الفلسطينية من أي انقطاع في الإمدادات.

الشركة الحكومية قد تسهم بتخفيف الأزمة

وفيما يتعلق بمقترح إنشاء شركة لنقل وتوزيع المحروقات، يعتبر أبو الروس أن المشروع قد يسهم في التخفيف من الأزمة إذا جاء ضمن خطة استراتيجية متكاملة تشمل بناء مخزون استراتيجي، وتنظيم سلاسل الإمداد، والبحث عن مصادر دولية جديدة للتوريد.
ويؤكد أبو الروس أن منح الشركة استقلالية مالية وإدارية بعيداً عن الارتباط المباشر بوزارة المالية سيتيح لها التركيز على تأمين احتياجات السوق الفلسطيني وضمان استدامة الإمدادات بصورة أكثر كفاءة.

أسباب متداخلة

يؤكد الصحفية المختصة بالشأن الاقتصادي حسناء الرنتيسي أن أزمة المحروقات الحالية تعود إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، كما يوضحها خبراء اقتصاديون، في مقدمتها الأزمة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية، والتي أثرت في قدرتها على سداد أثمان المحروقات الموردة بصورة كاملة ومنتظمة، الأمر الذي انعكس على انتظام الإمدادات.
وتشير الرنتيسي إلى أن توريد كميات كبيرة خارج النمط المعتاد سابقاً، في ظل اتساع شبكة محطات الوقود في مختلف المحافظات، أسهم أيضاً في زيادة الضغط على السوق وتعقيد إدارة عمليات التوزيع.
وتشير الرنتيسي إلى أن الجهات الرسمية تكتفي بإصدار بيانات تدعو المواطنين إلى عدم التهافت على شراء الوقود، دون تقديم معلومات كافية حول الأسباب الفعلية للأزمة أو حجمها، وهو ما يحد من فاعلية هذه الرسائل ويزيد من حالة القلق وعدم اليقين لدى المواطنين.
وتلفت الرنتيسي إلى أن الأزمة انعكست على حركة النقل والتجارة، ورفعت تكاليف التشغيل، وأدت إلى زيادة الضغط على السوق، فضلاً عن تراجع الثقة بقدرة الجهات الرسمية على إدارة الملف.

معالجة الأزمة تتطلب إجراءات عاجلة

وتؤكد الرنتيسي أن معالجة الأزمة تتطلب إجراءات عاجلة، تشمل ضمان انتظام سداد أثمان الوقود للموردين، وتعزيز الشفافية عبر إطلاع المواطنين على حجم المخزون وآليات التوريد، إلى جانب تنظيم عمليات التوزيع من خلال تحديد سقوف للتعبئة وإعطاء الأولوية لمركبات النقل العام، بما يحد من التهافت ويضمن عدالة توزيع الكميات المتاحة، إضافة إلى تشديد الرقابة على عمليات التوزيع.
وتوضح الرنتيسي أن الحلول بعيدة المدى تتمثل في إنشاء احتياطي استراتيجي للمحروقات يكفي لفترات الطوارئ، ووضع خطة واضحة تضمن استمرارية الإمدادات في جميع المحافظات.

إنشاء الشركة لن يشكل حلاً جذرياً للأزمة

وفيما يتعلق بمقترح إنشاء شركة حكومية لنقل وتوزيع المحروقات، ترى الرنتيسي أنه لن يشكل حلاً جذرياً بمفرده، لأن جوهر الأزمة يرتبط بالأزمة المالية والقيود المفروضة على سلاسل التوريد، مشددة على أن أي شركة جديدة ستواجه التحديات ذاتها ما لم تتوافر لها السيولة الكافية وآليات إدارة فعالة واستقلالية تشغيلية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا