خوري: نطالب العالم والكنائس بالتدخل العاجل لوقف هذه الانتهاكات الخطيرة
رام الله- بيت لحم- "القدس" دوت كوم - تبذل إسرائيل قصارى جهدها لانهاء الوجود المسيحي في الأراضي الفلسطينية كون المسيحيين مكوناً أساسياً من مكونات الشعب الفلسطيني عبر التاريخ، فالسيد المسيح ولد في فلسطين وعاش فيها وقضى على ثراها، وبالتالي فإن وجودهم يعبر عن حالة نضالية متقدمة توارثها المسيحيون عن السيد المسيح له المجد.
ولم يقتصر استهداف الوجود المسيحي على التوسع الاستيطاني والضغوط الاقتصادية، بل امتد ليشمل البلدة القديمة في القدس، ولا سيما منطقة باب الخليل، وحي النصارى، والحي الأرمني، حيث تتصاعد محاولات التضييق على السكان والمؤسسات والكنائس، في إطار سياسات تهدف إلى إضعاف الوجود المسيحي التاريخي وتغيير الطابع الديموغرافي والثقافي للمدينة المقدسة. كما تتعرض الممتلكات الكنسية والمواطنون ورجال الدين لسلسلة متواصلة من الاعتداءات والاستفزازات، إلى جانب محاولات الاستيلاء على العقارات التاريخية المحيطة بباب الخليل، بما يشكل تهديداً مباشراً للإرث المسيحي في القدس.
وفي السياق ذاته، تفرض السياسات الإسرائيلية قيوداً متزايدة على منح التأشيرات (الفِيَز) لرجال الدين والعاملين في المؤسسات الكنسية، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بإجراءات لمّ شمل العائلات الفلسطينية، وهو ما يؤدي إلى تقليص الوجود المسيحي في فلسطين ويحد من قدرة الكنائس على أداء رسالتها الروحية والإنسانية والتعليمية والاجتماعية. وتؤكد الكنائس أن هذه الإجراءات تسهم في دفع المزيد من العائلات المسيحية إلى الهجرة، بما يهدد استمرارية الوجود المسيحي التاريخي في الأرض المقدسة.
وفي تعقيب له على ذلك، وصف الدكتور رمزي خوري، رئيس اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس، هذه السياسات بأنها "حرب مفتوحة على الوجود المسيحي"، مؤكداً أن "بيت لحم، مدينة ميلاد السيد المسيح، أصبحت محاصرة بأكثر من 150 حاجزاً عسكرياً وبؤرة استيطانية، تُفقد المدينة هويتها العربية الفلسطينية وتقطع صلة أهلها بأرضهم".
وفي القدس، كشفت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس عن تصعيد خطير في التضييق على البطريركية الأرثوذكسية وكافة الكنائس في القدس، من خلال فرض ضرائب جائرة وباهظة (الأرنونا) على ممتلكاتها وتشمل تجميد حسابات البطريركيات والحجز على اموال الكنائس، وسط إجراءات تُعتبر انتهاكاً صارخاً للوضع الراهن التاريخي والقانوني للكنائس في المدينة المقدسة.
وأشار خوري إلى أن "هذه الضرائب الجائرة، التي فُرضت بشكل مفاجئ، تأتي ضمن حملة موسعة تستهدف الكنائس، وتشمل أيضاً تجميد حسابات البطريركية، والحجز على ممتلكات الكنيسة الأرمنية، وهي إجراءات لا تهدف إلى تحصيل أموال، بل إلى إثقال كاهل المؤسسات المسيحية ودفعها إلى ترك القدس".
وأكد رئيس اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس أن "ما يجري هو استهداف ممنهج لقدرة الكنائس على الصمود في وجه سياسات الاحتلال، التي تهدف إلى تهويد القدس وتغيير هويتها العربية والمسيحية والإسلامية". وأضاف: "إننا نطالب المجتمع الدولي والكنائس في العالم بالتدخل العاجل لوقف هذه الانتهاكات الخطيرة التي تمس حرية العبادة والوجود المسيحي في أقدس مدن العالم".
وتستند مخاوف اللجنة الرئاسية إلى معطيات تاريخية وديموغرافية، تؤكد أن الوجود المسيحي في فلسطين التاريخية تعرض لانحسار كبير نتيجة الاحتلال. فقد أكدت اللجنة في بيانات سابقة أن المسيحيين شكلوا نحو 12.5% من سكان فلسطين التاريخية قبل نكبة عام 1948، إلا أن نسبتهم اليوم لا تتجاوز 1.2%، في تراجع وصفت اللجنة أسبابه بأنها "نتيجة مباشرة للتطهير العرقي الإسرائيلي، والتهجير القسري، ومصادرة الأراضي، والقمع الممنهج".
وتشير التقارير إلى أن مدينة بيت لحم، التي كانت تشكل المسيحية غالبية ساحقة من سكانها، تشهد اليوم تراجعاً مستمراً في أعدادهم، بسبب ضغط الاستيطان والحواجز العسكرية التي تعزل المدينة، وتجعل الحياة فيها غير محتملة، مما يدفع العديد من العائلات المسيحية إلى الهجرة بحثاً عن مستقبل آمن لأبنائها.
وفي هذا السياق، دعا خوري المجتمع الدولي، وخصوصاً الكنائس العالمية ومجلس الأمن والأمم المتحدة، إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه حماية الوجود المسيحي في فلسطين، ووقف "العدوان الاستيطاني" في القدس وبيت لحم. وشدد على أن "الدفاع عن الوجود المسيحي في فلسطين ليس شأناً محلياً فقط، بل هو قضية إنسانية وأخلاقية وقانونية عالمية".
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه الضفة الغربية تصعيداً غير مسبوق في عمليات الاستيطان، إذ كشفت منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية أن القرار الأخير بشرعنة 34 بؤرة استيطانية جديدة، من ضمنها بؤر في بيت لحم، هو الأكبر من نوعه منذ سنوات، ويأتي بهدف "خلق تواصل استيطاني جغرافي متكامل يربط بين المستوطنات، ويقسم الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، ويقضي على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة".
المصدر:
القدس