آخر الأخبار

انتخاب خليل الحية رئيساً لحماس: السيرة والتحديات السياسية

شارك

أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن انتخاب خليل الحية رئيساً لمكتبها السياسي الجديد، ليخلف بذلك القائد الراحل يحيى السنوار. يأتي هذا القرار في توقيت بالغ الحساسية، حيث تعيش الأراضي الفلسطينية، ولا سيما قطاع غزة، حالة من الترقب في ظل وقف إطلاق نار يوصف بالهش وتحديات ميدانية وسياسية غير مسبوقة.

ويعكس إنجاز العملية الانتخابية في هذا الظرف الاستثنائي إصرار الحركة على إظهار تماسك مؤسساتها الداخلية وقدرتها على ترميم الهياكل القيادية. وقد أكدت مصادر من داخل الحركة أن اختيار الحية جاء ليعزز مبدأ الشورى والمؤسسية التي تحرص حماس على إبرازها كركيزة أساسية في عملها التنظيمي رغم الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة.

خليل الحية، المعروف بلقب 'أبو أسامة'، ليس وجهاً جديداً على الساحة السياسية، بل هو أحد أبرز القادة الذين عاصروا تأسيس الحركة عام 1987. ولد الحية في حي الشجاعية بمدينة غزة عام 1960، وتدرج في المناصب التنظيمية والسياسية حتى أصبح عضواً في المكتب السياسي ومسؤولاً عن ملفات استراتيجية كبرى.

وتحمل السيرة الشخصية للحية أبعاداً رمزية عميقة لدى أنصار الحركة، نظراً للتضحيات الكبيرة التي قدمتها عائلته خلال سنوات الصراع. فقد فقد الحية عدداً من أبنائه وأحفاده في غارات إسرائيلية استهدفت منازلهم، كان آخرها خلال الحرب المستمرة، مما يمنحه مكانة خاصة كقائد خرج من رحم المعاناة الميدانية في غزة.

على الصعيد السياسي، يُنظر إلى الحية باعتباره مهندس المفاوضات غير المباشرة، حيث قاد وفود الحركة في جولات معقدة بالدوحة والقاهرة. وقد برز دوره بشكل محوري في التوصل إلى تفاهمات أكتوبر 2025، مما يعكس قدرته على الجمع بين التمسك بالثوابت والمرونة السياسية المطلوبة في إدارة الأزمات الدولية.

وتواجه القيادة الجديدة برئاسة الحية تركة ثقيلة تتمثل في إدارة قطاع غزة المدمر والتعامل مع ملف الأسرى الشائك. كما تبرز قضية إعادة الإعمار وتثبيت وقف إطلاق النار كأولويات قصوى تتطلب تنسيقاً عالياً مع الوسطاء الإقليميين والدوليين في ظل حصار مالي وسياسي مشدد يفرضه الاحتلال.

من جانبها، تبدو سلطات الاحتلال الإسرائيلي منشغلة بمراقبة التحولات داخل حماس، رغم ادعاءاتها بعدم الاهتمام بهوية الأشخاص. وتشير تقارير إلى أن الخطاب الإسرائيلي انتقل من مربع 'القضاء المطلق' إلى التركيز على تقليص القدرات العسكرية ومنع الحركة من استعادة نفوذها الإداري والأمني في القطاع.

انتخاب خليل الحية يمثل رسالة بأن بنية الحركة التنظيمية لا تزال قادرة على إنتاج قيادة جديدة رغم الخسائر الكبيرة.

ويرى مراقبون أن انتخاب الحية يمثل جسراً بين قيادة الداخل والخارج، نظراً لعلاقاته الواسعة مع القوى الإقليمية وحضوره القوي داخل غزة. وقد نجح الحية سابقاً في ملفات شائكة، منها ترميم العلاقات مع النظام السوري في عام 2022، مما يشير إلى رؤية استراتيجية لتوسيع تحالفات الحركة.

التحدي الأكبر أمام الحية يتمثل في كيفية الموازنة بين متطلبات المقاومة المسلحة والاحتياجات الإنسانية الملحة لسكان القطاع. فالحركة مطالبة اليوم بتقديم حلول واقعية لمأساة النزوح والجوع، في ظل إحصائيات مرعبة تشير إلى ارتقاء أكثر من 73 ألف شهيد منذ اندلاع المواجهة في أكتوبر 2023.

وفي قراءة لمحللين سياسيين، فإن صعود الحية لا يعني بالضرورة تحولاً جذرياً في أيديولوجيا الحركة، بل هو استمرار لنهج القيادات السابقة التي خرجت من غزة. فالحية، مثل هنية والسنوار، يمثل تياراً يرى في غزة مركز الثقل الأساسي للمشروع الوطني الفلسطيني، مع الحفاظ على البعد القومي والإسلامي للقضية.

وتشير مصادر إلى أن الحية نجا من محاولة اغتيال غامضة في العاصمة القطرية الدوحة في سبتمبر الماضي، مما يؤكد استمرار التهديدات الأمنية التي تلاحق قيادات الصف الأول. هذه المخاطر تفرض على القيادة الجديدة نمطاً أمنياً معقداً في التحرك وإدارة التواصل مع القواعد التنظيمية والوسطاء.

إن نجاح حماس في إجراء انتخاباتها الداخلية وسط الركام يبعث برسالة تحدٍ واضحة للاحتلال الإسرائيلي مفادها أن 'الفكرة لا تموت'. ويرى باحثون أن هذه الخطوة تعزز من شرعية القيادة الجديدة أمام المجتمع الدولي كطرف لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالقضية الفلسطينية.

المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الحية على المناورة السياسية، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية والإقليمية لإعادة رسم خارطة الحكم في غزة. وسيكون ملف 'اليوم التالي للحرب' هو الطاولة التي ستختبر مدى براعة القيادة الجديدة في الحفاظ على مكتسبات الميدان وتحويلها إلى إنجازات سياسية.

ختاماً، يدخل خليل الحية مكتب رئاسة الحركة وهو يحمل تفويضاً من مؤسساتها الشورية لمواجهة أصعب الظروف في تاريخها. وسيبقى الرهان قائماً على قدرته في توحيد الصف الفلسطيني الداخلي وإدارة الصراع مع الاحتلال بعقلية تجمع بين صلابة الميدان وحنكة الدبلوماسية في إقليم يموج بالتحولات.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا