كشفت دراسة قانونية حديثة للفقيه الكندي نجيب أنطوان جبر عن الوجه الخفي للنكبة الفلسطينية، والذي لم يُكتب بالرصاص بل عبر أروقة المحاكم وأختام البيروقراطية الإسرائيلية. يوضح الكتاب الصادر مؤخراً بعنوان 'فلسطين السليبة' كيف استخدم الاحتلال منظومة قانونية معقدة لتجريد الشعب الفلسطيني من ممتلكاته وأصوله المالية بشكل ممنهج.
تؤكد الدراسة أن مصادرة الأراضي والمستحقات المالية لم تكن مجرد عرض جانبي للحرب، بل عملية مقصودة ومستمرة تم تكريسها عبر 'قانون أملاك الغائبين'. هذا القانون حوّل واقع التهجير القسري إلى وضع قانوني دائم، مما سمح بنقل ملكية العقارات والحسابات البنكية إلى سلطات الاحتلال تحت مسميات إدارية مضللة.
اعتمد الاحتلال على تصنيفات سريالية مثل 'حاضر غائب' لتجريد الفلسطينيين الذين بقوا داخل الأراضي المحتلة من حقوقهم في ممتلكاتهم. وبموجب هذا التصنيف، انتقلت إدارة هذه الأصول إلى ما يسمى 'حارس أملاك الغائبين'، وهي خطوة إدارية في ظاهرها لكنها تعني في جوهرها مصادرة نهائية للحقوق التاريخية.
لم يتوقف السلب عند حدود الأرض والمنشآت، بل امتد ليشمل الحسابات المصرفية، وودائع الأسهم، وخزائن الأمانات، وحتى الحقوق التعاقدية والديون. وتوضح المصادر أن تجميد هذه الأصول المالية كان يهدف إلى شل قدرة العائلات الفلسطينية على إعادة بناء حياتها أو توكيل محامين للمطالبة بحقوقهم المسلوبة.
تشير التقديرات المالية الواردة في الكتاب إلى أن القيمة الإجمالية للممتلكات والحسابات المجمدة تصل اليوم إلى نحو 161 مليار دولار أمريكي. هذا الرقم الضخم يعكس حجم الحرمان الاقتصادي وتكلفة الفرصة البديلة التي فُقدت على مدار ثمانية عقود من الاحتلال والمنع الممنهج من الوصول إلى رأس المال.
استند المؤلف في تقديراته إلى بيانات لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بفلسطين، التي رصدت في الخمسينيات ملايين الجنيهات الإسترلينية كأصول منقولة ومجمدة. ومع احتساب معدلات التضخم والعوائد السنوية المفترضة بنسبة 10%، يظهر الرقم الحقيقي للخسائر التي تكبدها الاقتصاد الفلسطيني نتيجة هذه السياسات.
تطرقت الدراسة إلى قضايا قانونية شهيرة مثل نزاع 'البنك العربي' ضد 'بنك باركليز'، والتي كشفت كيف حُولت أرصدة المودعين الفلسطينيين قسراً إلى خزينة الاحتلال. هذه القضايا تبرهن على أن النظام المصرفي كان شريكاً، طوعاً أو كرهاً، في تنفيذ قرارات المصادرة التي أصدرها 'حارس أملاك الغائبين'.
يصف الكتاب 'الفخ الإجرائي' الذي وضع فيه اللاجئ الفلسطيني، حيث طُلب منه السعي لتحقيق العدالة داخل النظام القانوني الذي منعه أصلاً من العودة. فإذا كان الدخول إلى البلاد ممنوعاً والتمثيل القانوني يتطلب موافقات أمنية، فإن سبل الإنصاف تصبح مستحيلة عملياً وقانونياً.
إن مصطلح 'الأملاك المهجورة' الذي تروج له الرواية الإسرائيلية هو مصطلح مضلل يهدف إلى إخفاء حقيقة الطرد القسري ومنع العودة. فالمنزل لا يكون مهجوراً إذا كان صاحبه يمتلك المفتاح ويُمنع من الوصول إليه بقوة السلاح أو بقرارات إدارية تمنع تنقله.
تؤكد الدراسة أن القانون الدولي يعتبر التهجير وفقدان الممتلكات دون تعويض مظالم تستوجب الرد والتعويض الكامل، ولا يمكن اعتبارها مجرد إجراءات إدارية عابرة. وتشدد على أن الاعتراف بالدول لا يمنح حصانة أخلاقية للهياكل القانونية التي أُسست على أنقاض حقوق الملكية الفردية والجماعية.
ساهمت هيئة التطوير والتشريعات العقارية الإسرائيلية اللاحقة في تحصين عمليات السلب عبر نقل الملكية إلى قنوات شبه حكومية لتعقيد مسارات الاسترداد. هذه الآليات جعلت من استعادة أي عقار في القدس أو المدن المحتلة معركة قانونية خاسرة سلفاً في ظل انحياز القضاء التام للمنظومة الاستيطانية.
يمثل الكتاب دراسة منهجية شفافة تتجاوز السرديات العاطفية لتقدم دليلاً قانونياً دامغاً على استخدام السلطة الإدارية كأداة حرب. ويدعو الباحثين والحقوقيين إلى النظر في السجلات المصرفية وملفات المحاكم القديمة كوثائق إدانة لا تقبل التأويل ضد سياسة الإثراء غير المشروع.
الخلاصة التي ينتهي إليها العمل هي أن النظام القانوني الإسرائيلي لم يأتِ لإدارة تبعات النزاع، بل كان جزءاً أصيلاً من أدوات التهجير. فقد تم تصميم القوانين لتنتج النتيجة المادية ذاتها في كل مرة: تجريد الفلسطيني من وسائله المالية ومنعه من الدفاع عن أرضه.
تظل قضية الملكية الفلسطينية عالقة كأكبر عملية نهب منظم في التاريخ الحديث، حيث تداخلت فيها السياسة مع القانون لخدمة المشروع الاستيطاني. وإن فهم الصراع اليوم يتطلب بالضرورة فهم كيف تحولت 'الورقة والقلم' إلى أسلحة لا تقل فتكاً عن المدافع في تغييب الحق الفلسطيني.
المصدر:
القدس