آخر الأخبار

أمريكا وإيران: تهديدات متبادلة وشبح المواجهة يعود

شارك

د. تمارا حداد: طهران تعتمد استراتيجية "الانتقام المحسوب" لإثبات قدرتها على الرد وفرض شروطها وواشنطن ترفع سقف تهديداتها لدفع إيران لإعادة حساباتها

سري سمور: لا توجد ضمانات حول عدم توسع المواجهة أو خروجها عن السيطرة خصوصاً مع وجود مؤشرات حول احتمال التصعيد بعد انتهاء المونديال

د. حسين الديك: تصريحات ترمب رداً على استهدافه تهدف إلى تعزيز قوة الردع الأمريكية وإرسال رسالة بأن أي استهداف للقيادة الأمريكية سيواجه برد قاسٍ

لبيب طه: التشييع الحاشد للمرشد السابق والمسيرات المليونية التي رافقته شكّلا مفاجأة للولايات المتحدة وأسهما في زيادة شعورها بأن أهدافها لم تتحقق بالكامل

د. قصي حامد: احتمال عودة الحرب بات وارداً في ظل عجز الوسطاء حتى الآن عن إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات أو احتواء التوتر المتصاعد

نعمان توفيق العابد: تصريحات المرشد الجديد هدفها إيصال رسالة بأن اغتيال القيادات الإيرانية لن يمنع طهران من الرد بل قد يدفعها إلى تبني مواقف أكثر تشدداً




رام الله - خاص بـ"القدس"-

تعيد التطورات المتسارعة بين الولايات المتحدة وإيران المنطقة إلى دائرة التوتر، مع تصاعد الخطابين السياسي والعسكري وتبادل التهديدات بين طهران وواشنطن، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول قدرة التفاهمات السابقة على منع انهيار الهدنة، وسط استمرار الخلافات بشأن مضيق هرمز والملف النووي وآليات الردع بين الطرفين.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن المرحلة الحالية تتسم بتوازن حذر يقوم على تبادل الضغوط والرسائل العسكرية، حيث تحاول طهران الحفاظ على أوراق نفوذها وتأكيد قدرتها على الرد، فيما تواصل واشنطن تشديد سياسة الردع والضغط لانتزاع تنازلات في الملفات العالقة، في ظل مؤشرات متزايدة على هشاشة مسار التفاوض وصعوبة الوصول إلى تسوية مستقرة.

ويشيرون إلى أن المشهد يبقى مفتوحاً على احتمالات متعددة، تبدأ باستمرار المواجهات المحدودة والضربات المتبادلة، وقد تمتد إلى تصعيد إقليمي أوسع إذا خرجت التطورات عن السيطرة، فيما يبقى المسار الدبلوماسي قائماً لكنه يواجه تحديات كبيرة، مع استمرار تباعد مواقف الطرفين وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، بما يهدد أمن الملاحة والطاقة والاستقرار في المنطقة.



مرحلة جديدة بالغة الخطورة


تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن منطقة الخليج العربي تدخل مرحلة جديدة بالغة الخطورة على المستويين السياسي والعسكري، في ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، لا سيما عقب التصريحات الإيرانية بشأن مضيق هرمز، والردود المتبادلة بين القيادة الإيرانية والرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

وتوضح حداد أن إيران تؤكد تمسكها بخيار إغلاق مضيق هرمز، في وقت تنتظر فيه واشنطن موقفاً واضحاً من الخارجية الإيرانية بشأن فتح المضيق دون رسوم، ودون استهداف السفن العابرة، مشيرة إلى أن الملف تحول إلى نقطة خلاف رئيسية بين الجانبين.

وترى حداد أن تصريحات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بشأن الانتقام لمقتل والده، إلى جانب مواقف الحرس الثوري، تعكس استمرار نظرية الثأر داخل الحسابات الإيرانية، في المقابل رد ترمب بتهديد غير مسبوق، خاصة بعد معلومات إسرائيلية تحدثت عن احتمال استهدافه من قبل إيران، مؤكداً أن أي محاولة لذلك ستقابل برد عسكري واسع ضد طهران.

وتؤكد حداد أن هذه التطورات تأتي في بيئة إقليمية هشة ما زالت متأثرة بتداعيات الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مشيرة إلى أن مذكرة التفاهم القائمة بنيت على واقع غير مستقر، في ظل غياب أرضية مشتركة واضحة بين الطرفين، وبقاء مضيق هرمز محور الإشكالية الأساسية.


القيادات جزء من معادلة الردع والانتقام


وبحسب حداد، فإن دلالات التصعيد تتجاوز الحرب الإعلامية وتبادل الرسائل السياسية، إذ تعكس انتقال الصراع إلى مرحلة "الردع الشخصي"، حيث أصبحت القيادات السياسية نفسها جزءاً من معادلة الانتقام والردع.

وتشير إلى أن إيران تسعى لإظهار قدرتها على الرد حفاظاً على هيبة النظام وتماسكه الداخلي، فيما تحاول واشنطن تثبيت سياسة الردع الأقصى لمنع أي استهداف للمصالح أو القيادات الأمريكية.

وتبين حداد أن طهران تعتمد استراتيجية "الانتقام المحسوب"، فهي لا تريد الانجرار إلى حرب شاملة، لكنها تسعى لإثبات قدرتها على الرد وفرض شروطها في أي تفاوض، خصوصاً في ملف مضيق هرمز والملفات المرتبطة بها، بينما تواصل واشنطن رفع سقف التهديدات لدفع إيران إلى إعادة حساباتها.

وتشير حداد إلى أن أهمية الخليج لا ترتبط فقط بالوجود العسكري الأمريكي، بل بكونه شرياناً رئيسياً للطاقة العالمية، ما يجعل أي تصعيد عسكري ينعكس على أسعار النفط وحركة الملاحة وسلاسل الإمداد الدولية.


تصعيد محدود ومخاوف من الانزلاق لمواجهة إقليمية


وحول احتمالات العودة إلى الحرب، توضح حداد أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في تصعيد محدود عبر عمليات غير مباشرة وهجمات سيبرانية واستهداف مصالح أمريكية وإسرائيلية بصورة مدروسة، مقابل ردود محدودة تحافظ على الردع دون حرب مفتوحة. لكن حداد تحذر من سيناريو آخر بإمكانية الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة في حال حدوث خطأ في الحسابات أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.

وبحسب حداد، فإن السيناريو الثالث يتمثل في احتواء التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية، بسبب إدراك جميع الأطراف للكلفة الباهظة للحرب الشاملة، مؤكدة أن المنطقة لا تبدو بالضرورة أمام حرب واسعة، لكنها تعيش مرحلة شديدة الخطورة بسبب ارتفاع احتمالات سوء التقدير، فيما يبقى الردع المتبادل العامل الأبرز لمنع الانفجار الكبير.


تفاهمات لا تصمد طويلاً


يوضح الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن قابلة للصمود طويلاً، والجانب الأمريكي يعمل على خرقها، وهو ما حدث بالفعل، لكنه يؤكد أن درجة التصعيد المقبلة تبقى غير قابلة للتنبؤ في ظل حالة السيولة والتوتر التي تشهدها المنطقة.

ويشير سمور إلى أن الولايات المتحدة تنفذ حتى الآن عمليات تصعيد "مدروسة"، كما أن الردود الإيرانية تأتي ضمن حدود محسوبة، لكن لا توجد ضمانات حول عدم توسع المواجهة أو خروجها عن السيطرة، خصوصاً مع وجود مؤشرات وتصريحات وتسريبات تتحدث عن احتمال التصعيد بعد انتهاء المونديال.

ويرى سمور أن تصريحات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بشأن الانتقام لمقتل والده ترك الباب مفتوحاً، مشيراً إلى أن طهران اعتادت إطلاق تهديدات بالانتقام دون تحديد موعد أو الإعلان عن بدء تنفيذ عمليات مباشرة.


استهداف ترمب والحسابات الداخلية


أما بشأن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتكررة حول احتمال استهدافه بشكل شخصي، فيرى سمور أنها قد ترتبط أكثر بالحسابات الداخلية الأمريكية وبشخصية ترمب، أكثر من كونها مؤشراً على وجود خطط فعلية لاغتياله.

ويشير إلى أن ترمب يستخدم هذا الخطاب لتبرير التصعيد وصناعة صورة خاصة حول نفسه، مستشهداً بتبدل خطابه بين الحديث عن صناعة السلام ووقف الحروب من جهة، والقول إنه استهدف إيران أو أنه معرض للاغتيال من جهة أخرى.


بين سيناريو العودة إلى التهدئة والتصعيد


وحول السيناريوهات المقبلة، يوضح سمور أن السيناريو الأول يتمثل في عودة ترمب إلى التهدئة وإعادة تطبيق مذكرة التفاهم، لكنه اعتبره سيناريو مستبعداً.

أما السيناريو الثاني وفق سمور، فيتمثل في استمرار تصعيد محدود ومدروس بين الطرفين بهدف تحسين شروط التفاوض والوصول إلى تفاهم جديد.

ويشير سمور إلى أن السيناريو الثالث يتمثل في توسع العمليات العسكرية، بما يشمل تصعيداً أكبر حول مضيق هرمز وربما امتداده إلى مضيق باب المندب عبر دخول الحوثيين على خط المواجهة، الأمر الذي قد يؤدي إلى اتساع دائرة الردود والتوتر في المنطقة.


دور إسرائيل في المشهد


ويلفت سمور إلى دور إسرائيل في المشهد، مشيراً إلى تقارير تحدثت عن مطالب خليجية للولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لمنع تدخلها، لأن أي مشاركة إسرائيلية قد توسع دائرة النار وتقود إلى سلسلة من الضربات والردود تعيد المنطقة إلى أجواء الحرب السابقة وربما بشكل أوسع.

ويرى أن خطورة الوضع تكمن في عدم قدرة أي طرف على ضمان مسار الأحداث، موضحاً أن الولايات المتحدة قد تكون قادرة على بدء الحرب، لكنها ستواجه صعوبة في كيفية إنهائها.

ويشير سمور إلى أن شخصية ترمب وطريقة إدارته القائمة على التقلب وعدم الاعتماد الكامل على المؤسسات، إلى جانب الضغوط الإسرائيلية، تجعل قراءة الموقف الأمريكي أكثر تعقيداً، إذ يبقى الانتقال بين التهدئة والحرب احتمالاً قائماً.


صراع الإرادات بين واشنطن وطهران


يؤكد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د.حسين الديك أن ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران يمثل صراع إرادات بينهما، مرجحاً أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من التصعيد العسكري، معتبراً أن هذا الصراع على المدى الطويل لن يُحسم سياسياً عبر المفاوضات، وإنما بالقوة العسكرية.

ويوضح الديك أن هناك تحولاً في مواقف عدد من الدول الإقليمية ودول العالم، خصوصاً دول حلف شمال الأطلسي وأوروبا الغربية، تجاه ملف إغلاق مضيق هرمز وحرية الملاحة، مشيراً إلى أن المسار الذي فتحته سلطنة عُمان باعتباره مساراً آمناً بالتعاون مع المنظمة العالمية للبحار تعرّض للاستهداف من قبل إيران، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة شكلاً من أشكال السيطرة والقرصنة والعدوان في الخليج، ما يزيد احتمالات التصعيد.

ويشير إلى أن التصريحات الإيرانية بشأن الانتقام، واللافتات التي رُفعت خلال جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي والتي تضمنت تهديدات باستهداف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إلى جانب المعلومات الاستخبارية التي قدمتها تل أبيب لواشنطن حول خطط إيرانية محتملة لاغتيال ترمب، دفعت الأخير إلى إعلان أنه أصدر أوامر برد عسكري مدمر في حال تعرضه لمحاولة اغتيال.

ويلفت الديك إلى أن السؤال الأساسي لا يتعلق بوقوع اشتباك عسكري من عدمه، بل بطبيعة هذا الاشتباك، وما إذا كان سيتحول إلى حرب مفتوحة شبيهة بالحرب السابقة، أم سيبقى ضمن إطار الضربات المحدودة والعمليات الموضعية واستهداف المراكز الحساسة.


توقعات بتصعيد منضبط على المدى القريب


ويرجح أن تشهد الفترة المتبقية من الستين يوماً المقبلة تصعيداً منضبطاً على شكل ضربة مقابل ضربة وعمليات محددة، لكنه يتوقع على المدى البعيد احتمال إعادة فرض الحصار على إيران وفتح مضيق هرمز بالقوة من قبل واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وربما العودة إلى مواجهة واسعة، في ظل ضغوط إسرائيلية متزايدة باتجاه التصعيد.

ويوضح الديك أن السيناريوهات المطروحة تشمل استمرار الضربات المتبادلة، أو انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة تستهدف خلالها الولايات المتحدة وإسرائيل مراكز الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، أو محاولة خلق اضطرابات داخلية عبر دعم مجموعات معارضة، فيما يبقى سيناريو العودة إلى المفاوضات ضعيفاً، معتبراً أن إيران قد تستخدمه لكسب الوقت وليس للوصول إلى اتفاق.


شخصنة الصراع


ويلفت الديك إلى أن التصريحات المتبادلة بشأن استهداف ترمب بشكل شخصي تحمل دلالات تتعلق بـ"شخصنة الصراع"، بحيث يقابل استهداف المرشد باستهداف الرئيس الأمريكي، كما تهدف إيران من خلالها إلى تعزيز الجبهة الداخلية والتأكيد على قدرتها على الرد.

وفي المقابل، يرى الديك أن تصريحات ترمب رداً على ذلك تهدف إلى تعزيز قوة الردع الأمريكية، وإرسال رسالة بأن أي استهداف للقيادة الأمريكية سيواجه برد قاسٍ، مشيراً إلى أن هذه التصريحات تكشف هشاشة مذكرة التفاهم بين الجانبين، واحتمال انتهاء الهدنة والعودة إلى العمليات العسكرية، مؤكداً أن المنطقة تقف أمام مرحلة خطرة وأن طبول الحرب باتت تُقرع مجدداً.


عدم تحقيق الأهداف الأمريكية


يوضح الكاتب والمحلل السياسي لبيب طه أن التصعيد الحالي بين الولايات المتحدة وإيران يعكس منهجية غربية تقوم على محاولة تحقيق أهداف عبر المفاوضات لم تتحقق خلال الحرب، مشيراً إلى أن واشنطن لم تنجح في بلوغ أهدافها الأساسية المتمثلة بإسقاط النظام الإيراني أو حسم ملفي الصواريخ والبرنامج النووي بالشكل الذي كانت تسعى إليه، ما دفعها إلى محاولة تفسير البنود الغامضة في التفاهمات بما يخدم مصالحها.

ويؤكد أن استمرار الحرب كان يواجه ضغوطاً داخلية في الولايات المتحدة، إلى جانب اعتراضات دولية بسبب غياب أي تفويض أممي يضفي عليها الشرعية.


التصعيد كأداة تفاوض


ويوضح طه أن التصعيد العسكري يمثل، من وجهة نظر الولايات المتحدة، جزءاً من أدوات التفاوض، إذ تسعى إلى إجراء مفاوضات تحت الضغط عبر مواصلة الضربات العسكرية أو استخدام أدوات القوة الصلبة والناعمة لدفع إيران إلى تقديم تنازلات.

ويشير طه إلى أن أحد أسباب التوتر يتمثل في شعور إيران بأن ورقة مضيق هرمز قد تُنتزع منها بعد المبادرة العُمانية، مبيناً أن المقترحات المتداولة تقضي بإعادة العمل بالمسار الجنوبي للمضيق عبر المياه الإقليمية العُمانية كما كان قبل الحرب، بينما يحتاج المسار الشمالي المار بالمياه الإيرانية إلى تنسيق مع طهران من دون فرض رسوم، وهو ما ترفضه سلطنة عُمان استناداً إلى القانون الدولي الذي يعتبر المضيق ممراً دولياً مفتوحاً للملاحة.

ويوضح أن استهداف إيران للسفن التجارية جاء في إطار سعيها للحفاظ على ورقة هرمز، في حين اعتبرت الولايات المتحدة ذلك مخالفاً للبند الرابع من الاتفاق المبرم بين الجانبين الشهر الماضي، والذي ينص على ضمان حرية الملاحة وفتح المضيق، بينما ترى طهران أن تنفيذ هذا الالتزام يجب أن يكون وفق شروطها.

ويلفت طه إلى أن الملف النووي ما يزال خاضعاً للمفاوضات ولم يُحسم بعد، مشيراً إلى أن واشنطن سعت أيضاً إلى إفراغ البند الخاص بلبنان من مضمونه، رغم أن الاتفاق نص على وقف العمليات العسكرية في جميع الجبهات، عبر التغاضي عن الانتهاكات الإسرائيلية اليومية وفتح مسار تفاوضي جديد حتى لا يُسجل وقف إطلاق النار باعتباره مكسباً لإيران.


شروط أمريكية جديدة


ويؤكد طه أن الولايات المتحدة أضافت شروطاً جديدة لم تكن واردة سابقاً، من بينها ما طرحه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال جولته الخليجية، بربط الاستثمار وإعادة الإعمار في إيران بتغيير سلوكها الإقليمي وبرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويعتبر طه أن التشييع الحاشد للمرشد السابق علي خامنئي والمسيرات المليونية التي رافقته شكّلت مفاجأة للولايات المتحدة وللرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وأسهمت في زيادة شعورها بأن أهدافها لم تتحقق بالكامل.

ويرى طه أن اندلاع حرب شاملة لا يزال مستبعداً، لكنه ليس مستحيلاً، موضحاً أن أي مواجهة واسعة ستكون بمثابة "كسر عظم"، إذ ستسعى الولايات المتحدة إلى إنهاء إيران، فيما ترى طهران أن مثل هذه الحرب ستغيّر وجه المنطقة، مؤكداً أن تطورات المرحلة المقبلة ستبقى رهناً بالقرارات السياسية والعسكرية لدى الطرفين.


مستوى مرتفع من التوتر بين الجانبين


يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة د.قصي حامد أن التصعيد المتبادل بين إيران والولايات المتحدة، في ضوء تصريحات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بشأن الانتقام لمقتل والده، ورد ترمب بالتهديد بإبادة إيران في حال استهدافه شخصياً، يعكس مستوى مرتفعاً من التوتر بين الجانبين، ويؤكد أن التفاهم الذي أوقف الحرب لم يكن سوى اتفاق هش لم يستند إلى قواعد سياسية متينة تضمن استمراره أو تؤسس لتهدئة دائمة.

ويوضح حامد أن الخطاب المتبادل لا ينبغي النظر إليه من زاوية شخصنة الصراع فقط، بل باعتباره مؤشراً على طبيعة العلاقة المتوترة بين الطرفين، لافتاً إلى أن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه كان اتفاقاً اضطرارياً فرضته ظروف ومصالح مرحلية، لا سيما بالنسبة للولايات المتحدة، أكثر من كونه تسوية سياسية مستقرة، الأمر الذي يفسر عودة التصعيد السياسي والعسكري بعد فترة وجيزة من وقف القتال.


احتمال عودة الحرب بات وارداً


ويؤكد حامد أن تطورات المرحلة الحالية تشير إلى أن احتمال عودة الحرب بات وارداً، في ظل عجز الوسطاء حتى الآن عن إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات أو احتواء التوتر المتصاعد.

ويشير إلى وجود سيناريوهين رئيسيين؛ أولهما استئناف المواجهة العسكرية، وإن لم تعد بالوتيرة نفسها التي شهدتها الحرب السابقة، إلا أنها قد تكون أكثر حدة من الاشتباكات المحدودة التي أعقبت التهدئة الأولى.


لجوء الولايات المتحدة إلى الدبلوماسية القسرية


ويلفت حامد إلى وجود سيناريو آخر يتمثل في لجوء الولايات المتحدة مجدداً إلى سياسة "الدبلوماسية القسرية"، من خلال تشديد العقوبات الاقتصادية، ورفع مستوى التهديد العسكري، بهدف الضغط على إيران وإجبارها على التراجع عن مواقفها والعودة إلى التفاهمات السابقة أو القبول باتفاق جديد بشروط أمريكية.

ويؤكد حامد أن المعضلة الأساسية حالياً تكمن في تعثر مسار المفاوضات، وعدم وجود مؤشرات على إحراز تقدم خلال المهلة المحددة، أو قدرة واشنطن على فرض شروطها المتعلقة بالملف النووي، ومضيق هرمز، وبرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني.


المنطقة أقرب إلى التصعيد


ويوضح حامد أن غياب نتائج ملموسة للمفاوضات يدفع الطرفين إلى تبادل الضربات والردود العسكرية، مرجحاً أن تكون المنطقة أقرب إلى تصعيد جديد منها إلى اتفاق سياسي. ويرى حامد أن أي تفاهم محتمل في المرحلة المقبلة لن يخرج، على الأرجح، عن إطار الاتفاق الذي تم التوصل إليه بعد أربعين يوماً من القتال.

ويعتقد حامد أن المشهد يتجه تدريجياً نحو مزيد من التصعيد، رغم بقاء احتمالات الحرب الشاملة غير محسومة، مشيراً إلى أن أي حادث استثنائي قد يؤدي إلى ردود غير مسبوقة، ويفتح الباب أمام توسع المواجهة لتشمل إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة، بما يعيد الأزمة إلى نقطة البداية ويكرس مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.


رسائل سياسية متعددة


يرى الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن التصعيد لا يزال السمة الأبرز للمشهد في منطقة الخليج، ولا سيما فيما يتعلق بمضيق هرمز، مشيراً إلى أن الخطاب السياسي المتبادل بين إيران والولايات المتحدة يشهد تصاعداً مستمراً يعكس استمرار حالة التوتر بين الطرفين، في ظل غياب مؤشرات حقيقية على التهدئة.

وبحسب العابد، فإن تصريحات المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي بشأن أن "الانتقام والثأر لمقتل والده علي خامنئي مطلب حتمي"، وأن المسؤولين عن عملية الاغتيال سيحاسبون، إلى جانب دعوته "أحرار العالم" للمشاركة في هذا الرد، تحمل عدة رسائل سياسية.

ويوضح العابد أن أبرز هذه الرسائل يتمثل في تأكيد أن القيادة الإيرانية الجديدة ما زالت متمسكة بسياسة الرد وعدم التراجع، وأن تغيير القيادة لم يغيّر النهج الإيراني، بل إن القيادة الجديدة تبدو أكثر تشدداً من سابقتها وأكثر التزاماً بالسياسات التي اتبعها المرشد السابق.

ويوضح العابد أن الرسالة الثانية لهذه التصريحات موجهة إلى الخصوم، ومفادها بأن اغتيال القيادات الإيرانية لن يمنع طهران من الرد، بل قد يدفعها إلى تبني مواقف أكثر تشدداً.


اغتيال المرشد يعزز الموقف التفاوضي


ويلفت العابد إلى أن اغتيال الشخصية الأولى في القيادة الإيرانية لم يدفع إيران إلى تقديم تنازلات أو الاستسلام، وإنما عزز من تمسكها بمواقفها خلال المفاوضات، رغم الحرب الطويلة والحصار الشديد الذي تعرضت له، مشيراً إلى أن تبادل التهديدات بين الجانبين يزيد من احتمالات التصعيد، ويدفع دول المنطقة إلى رفع مستويات الجاهزية الأمنية والدبلوماسية.

ويعتبر العابد أن العامل الإسرائيلي حاضر بقوة في هذه الأزمة، مرجحاً أن تكون إسرائيل تقف وراء كثير من أسباب التوتر، سواء منذ بداية الحرب أو عبر المعلومات الاستخباراتية التي تقدمها للولايات المتحدة، والتي يرى أنها تستهدف تأجيج الأزمة أكثر من تقديم معلومات دقيقة.

ويوضح العابد أن التصريحات الإيرانية تهدف أيضاً إلى إظهار تماسك مؤسسات الدولة الإيرانية، والتأكيد أن المرشد الأعلى لا يزال يدير الأزمة، وأن المؤسسات السياسية والعسكرية تواصل تنفيذ توجيهاته بما يعكس استقرار بنية النظام الداخلي.


التنصل من التفاهمات السابقة


وفي المقابل، يوضح العابد أن ترمب اعتاد إطلاق تصريحات وتغريدات متناقضة، معتبراً أن التهديد باستخدام القوة يتعارض مع مذكرة التفاهم التي أُنجزت خلال اجتماع حلف شمال الأطلسي.

ويشير العابد إلى أن جزءاً من أطراف الإدارة الأمريكية، إلى جانب إسرائيل، يسعى إلى التنصل من التفاهمات السابقة والاحتفاظ بخيار الضربات العسكرية والحصار دون الانزلاق إلى حرب شاملة.


ترجيح استمرار الضغوط والضربات الأمريكية


ويرجح العابد استمرار الولايات المتحدة في نهج الضربات والضغوط الحالية، مع تجنب حرب واسعة تستنزف قدراتها وتؤدي إلى توسيع الصراع وإلحاق أضرار بالاقتصاد العالمي.

ويلفت العابد إلى أن هذا السيناريو قد يستمر إلى حين قبول طهران بالمقترحات الأمريكية، أو تعرض واشنطن لضغوط إقليمية ودولية تدفعها للعودة إلى الالتزام بمذكرة التفاهم أو التوصل إلى اتفاق دائم يمنحها، من وجهة نظرها، موقعاً تفاوضياً أفضل.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا