آخر الأخبار

لبنان في الذكرى الـ20 لحرب يوليو 2006: تحديات القرار 1701 وا

شارك

تحل الذكرى العشرون لاندلاع حرب يوليو/ تموز 2006 ولبنان لا يزال غارقاً في ذات الدوامة من الأسئلة الوجودية التي لم تجد إجابات حاسمة على مدار عقدين. فالجنوب الذي شهد عودة سكانه إلى الأنقاض في أغسطس 2006، يواجه اليوم واقعاً مشابهاً معلقاً على مفاوضات انسحاب إسرائيلي غير مكتمل وترتيبات أمنية هشة.

يعود القرار الدولي 1701 إلى واجهة النقاش السياسي بحدة أكبر، حيث يمثل الإطار الذي أوقف القتال قبل عشرين عاماً لكنه فشل في فرض سيادة الدولة الكاملة. وتتركز المباحثات الحالية على مستقبل انتشار الجيش اللبناني وحصر السلاح بالمؤسسات الرسمية، وهي النقاط التي بقيت عالقة منذ نهاية الأعمال القتالية.

تستعيد الذاكرة اللبنانية وقائع 12 يوليو 2006، حين نفذ حزب الله عملية حدودية أدت لأسر جنديين إسرائيليين، ما فجر حملة عسكرية واسعة استمرت 34 يوماً. تلك الحرب التي طالت الضاحية والجنوب والبقاع، أودت بحياة أكثر من 1100 لبناني وخلفت دماراً هائلاً في البنية التحتية والجسور والمنشآت الحيوية.

اليوم في عام 2026، تبدو صورة العودة إلى القرى الجنوبية أكثر هشاشة وتعقيداً مما كانت عليه في 2006، إذ ترتبط العودة الحالية باتفاقات إطار أولية وانسحابات متعثرة. ويخشى السكان من أن يكون الاستقرار الحالي مؤقتاً، في ظل استمرار الاعتداءات والخلافات الداخلية حول شروط استعادة الدولة لسيطرتها.

يبرز التحدي الأكبر في ملف 'اليونيفيل'، حيث تم تمديد مهمة القوات الدولية للمرة الأخيرة حتى نهاية عام 2026، مع توقعات ببدء انسحاب تدريجي في 2027. هذا التحول يطرح تساؤلات مصيرية حول الجهة التي ستملأ الفراغ الأمني، وقدرة الجيش اللبناني على تولي زمام الأمور وحده في منطقة الحدود.

على صعيد موازين القوى، يرى حزب الله أن سلاحه لا يزال يمثل معادلة الردع التي تحمي لبنان من الأطماع الإسرائيلية، ويرفض ربط الانسحاب بنزع السلاح. في المقابل، تتمسك السلطة اللبنانية بضرورة احتكار قرار الحرب والسلم كشرط أساسي لتحقيق السيادة الوطنية الكاملة وفك الارتباط بالمعادلات الإقليمية.

ملف الإعمار الذي كان في 2006 ساحة للتنافس على الشرعية والنفوذ بين الدولة والحزب والقوى المانحة، يعود اليوم في ظروف اقتصادية بالغة القسوة. فالدولة اللبنانية تعاني من ضعف مالي حاد، والتمويل الخارجي بات مشروطاً بترتيبات سياسية وأمنية تتصل بالبنية العسكرية في الجنوب.

لبنان لا يستعيد اليوم ذكرى حرب انتهت، بل ينظر إلى حاضر يعيد إليه أسئلتها الأساسية حول السيادة والإعمار ومصير الجنوب.

لا تبدأ مأساة الجنوب من حرب يوليو فحسب، بل تمتد جذورها إلى سلسلة من المجازر والاجتياحات التي طبعت ذاكرة القرى من قانا إلى المنصوري. هذه الذاكرة هي التي تشكل وعي الجنوبيين وتدفع قطاعات واسعة منهم للتمسك بالمقاومة، لعدم ثقتهم في كفاية الضمانات الدولية وحدها.

بين الرواية التي ترى في السلاح ضمانة، وتلك التي تراه سبباً في تحويل القرى إلى أهداف دائمة، يبقى المواطن الجنوبي هو من يدفع الكلفة الأكبر. فالنازحون الذين يعيدون بناء بيوتهم بعد كل جولة صراع، ينتظرون اليوم ليروا ما إذا كان الاتفاق الجديد سيحمي مستقبلهم أم سيؤجل المواجهة القادمة فقط.

دخل جيل جديد إلى الحياة العامة في لبنان، جيل لم يعش حرب 2006 مباشرة لكنه يتجرع نتائجها السياسية والاقتصادية يومياً. بالنسبة لهذا الجيل، لم يعد السؤال عن هوية المنتصر في الماضي هو الأهم، بل عن سبب الفشل في بناء دولة تمنع تكرار مشاهد الركام والنزوح.

لقد تحولت مصطلحات مثل 'الردع' و'السيادة' و'القرار 1701' إلى جزء ثابت من القاموس السياسي اللبناني دون أن تترجم إلى استقرار مستدام. وبعد عشرين عاماً، يجد لبنان نفسه مضطراً للاختيار بين تكرار تسويات الماضي الهشة أو اجتراح صيغة جديدة تضمن حماية الحدود تحت مظلة الدولة.

أفادت مصادر بأن المفاوضات الجارية حالياً برعاية دولية تسعى لفك الارتباط بين ملفات الإعمار والانسحاب الإسرائيلي وسلاح الحزب، وهي ملفات باتت متداخلة بشكل يعيق أي تقدم حقيقي. وترى هذه المصادر أن استعادة قرار التفاوض الرسمي هو الممر الإلزامي الوحيد لانتزاع حقوق لبنان السيادية.

تأتي هذه الذكرى في وقت يقف فيه لبنان أمام قوات إسرائيلية لا تزال تحتل نقاطاً حدودية، بينما تحاول الدولة التفاوض باسم البلاد وسط انقسام حاد. إن العبرة من عقدين من الزمن تشير إلى أن إعادة بناء الحجر لا تكفي، ما لم تقترن ببناء مؤسسات قادرة على حماية هذا البناء من الهدم المتكرر.

يختتم هذا التقرير قراءته لإرث حرب يوليو بالتأكيد على أن لبنان لا يزال يبحث عن صيغة تجمع بين حماية الجنوب واحتكار الدولة للسلاح. إنها لحظة تقرير المصير، حيث يجب على اللبنانيين استخلاص الدروس من ذاكرة المجازر لبناء مستقبل لا يبدأ دائماً من نقطة الصفر ومن تحت الأنقاض.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا