آخر الأخبار

جدل حول مباراة مصر والأرجنتين واتهامات لممارسات الفيفا

شارك



د.أحمد رفيق عوض: ما جرى مع الفريق المصري يكشف عمق العلاقة بين الرياضة وتوظيفها في استعراض القوة وفرض النفوذ وتمرير الرسائل الثقافية

نبهان خريشة: تحيز الحكم لصالح الأرجنتين أثبت أن الفيفا لا يرى في كرة القدم سوى استثمار مالي ونفوذ سياسي يتجاوز حدود اللعب النظيف

سامر عنبتاوي: الحملة ضد المنتخب المصري ارتبطت أيضاً بمواقف مدربه حسام حسن الداعمة للقضية الفلسطينية ورفعه العلم الفلسطيني

د.أمجد بشكار: يجب تشكيل موقف موحد يطالب بإصلاحات حقيقية تشمل تغيير قيادة الفيفا الحالية بما يضمن تحقيق العدالة والمساواة

فادي أبو بكر: العدالة الرياضية تمثل جزءاً أساسياً من منظومة العدالة الدولية واحترام حقوق جميع المنتخبات والشعوب شرط للحفاظ على المصداقية

محمد الرجوب: البطولات الكبرى لم تعد مجرد منافسات بل أصبحت ساحات تتقاطع فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والإعلامية والمصالح الدولية



رام الله - خاص بـ"القدس"-

لم تعد الرياضة العالمية، وتحديداً كرة القدم، بمنأى عن التجاذبات السياسية والاقتصادية، وتحولت إلى ساحات تتقاطع فيها حسابات النفوذ والقوة وصناعة الصورة، بعدما تجاوزت المنافسات حدود الترفيه لتصبح أداة لتمرير رسائل سياسية وثقافية.

وتتصاعد الانتقادات عقب الجدل الذي رافق مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026، حيث اعتبر كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن القرارات التحكيمية التي أثرت على مسار اللقاء المصري الأرجنتيني فتحت نقاشاً واسعاً حول حياد الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، ومدى الفصل الحقيقي بين الرياضة والسياسة.

ويرون أن ما جرى مع المنتخب المصري يعكس، بحسب تقديرهم، إشكالية أوسع تتعلق بازدواجية المعايير داخل المؤسسات الرياضية الدولية، داعين إلى تعزيز الشفافية، وتوسيع مشاركة الدول العربية والأفريقية في مراكز صنع القرار، بما يضمن تطبيق القواعد بصورة متساوية على جميع المنتخبات بعيداً عن اعتبارات النفوذ السياسي والاقتصادي.






الرياضة وسيلة لإظهار القوة والنفوذ

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن العلاقة بين الرياضة والسياسة ليست وليدة العصر الحديث، بل تمتد جذورها إلى العصور القديمة، مشدداً على أن الرياضة كانت على الدوام وسيلة للاستعراض وإظهار القوة والنفوذ وتمرير الرسائل السياسية والثقافية، ولم تكن في أي مرحلة منفصلة عن الصراع على السلطة أو التأثير في الجماهير.


الرياضة جزء من منظومة اقتصادية

ويوضح عوض أن هذه العلاقة تطورت في العصر الحديث لتتجاوز البعد السياسي، إذ أصبحت الرياضة جزءاً من منظومة اقتصادية عالمية ضخمة تقوم على تعزيز الاستهلاك والعولمة وتحقيق الأرباح، ما جعلها محمّلة برسائل سياسية وثقافية واقتصادية في آن واحد.


أدوات لتشكيل الرأي

ويشير عوض إلى أنّ المؤسسات الرياضية الكبرى لم تعد مجرد ساحات للتنافس، وإنما أدوات لتشكيل الرأي العام وتوجيه الجماهير وصناعة أنماط موحدة من السلوك والاستهلاك.

ويوضح عوض أنّ ما كان يحدث في روما القديمة من استخدام العروض الرياضية لإظهار عظمة الإمبراطور وترسيخ هيبته وتوجيه الرأي العام، لا يختلف في جوهره عما يجري اليوم، حيث تُستخدم الرياضة لتعبئة الجماهير، وإبراز النفوذ، وتكريس موازين القوى على المستوى الدولي.


هيمنة الدول الغربية


ويشير عوض إلى أن صناعة الرياضة العالمية ورموزها وقوانينها ومعاييرها تخضع بصورة كبيرة لهيمنة الدول الغربية، وهو ما ينعكس في تطبيق معايير مختلفة بين الدول القوية ودول العالم الثالث، لافتاً إلى أن الغرب يرفع شعارات الحياد والاحترافية، لكنه يوظف الرياضة عملياً لتمرير رسائل ومواقف سياسية تخدم مصالحه، في الوقت الذي يُمنع فيه الآخرون من التعبير عن قضاياهم الوطنية أو الإنسانية داخل الملاعب.


مباراة مصر والأرجنتين نموذجاً للمعايير المزدوجة

ويرى عوض أنّ ما جرى في مباراة مصر والأرجنتين مثّل دليلاً واضحاً على هذه المعايير المزدوجة، قائلاً إن استبعاد المنتخب المصري جاء بصورة علنية ومنحازة لأنه كان سيمنح القضية الفلسطينية حضوراً أكبر عبر رفع العلم الفلسطيني والتعبير عن معاناة الشعب الفلسطيني، معتبراً أنّ القرار كان سياسياً أكثر منه رياضياً. ويؤكد عوض أنّ ما جرى مع الفريق المصري يكشف عمق العلاقة بين الرياضة وتوظيفها في استعراض القوة وفرض النفوذ وتمرير الرسائل الثقافية.


أهمية امتلاك عناصر القوة بمختلف أشكالها

ويدعو عوض إلى مواجهة هذه السياسات عبر امتلاك عناصر القوة بمختلف أشكالها، بما يشمل القوة الثقافية والنفسية والإعلامية، إلى جانب التحرك القانوني أمام الجهات والمحاكم المختصة لكشف ازدواجية المعايير.


أهمية إصلاح تركيبة اللجنة الأولمبية الدولية

ويطالب عوض بالعمل على إصلاح تركيبة اللجنة الأولمبية الدولية بما يضمن تمثيلاً أوسع للعرب والمسلمين ودول الجنوب، مقترحاً إنشاء ألعاب أولمبية خاصة بدول الجنوب تكسر احتكار الدول الغربية لمنظومة الرياضة العالمية ومعاييرها.


تجاوز حدود التنافس الرياضي

يؤكد الصحفي والكاتب نبهان خريشة أن المباراة التي جمعت منتخبي مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026 تجاوزت حدود التنافس الرياضي، معتبراً أنها كشفت بصورة واضحة تداخل الاعتبارات السياسية والاقتصادية في إدارة كرة القدم الدولية، وأثارت تساؤلات حول مدى التزام الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بمبادئ العدالة والحياد التي يعلنها. ويرى خريشة أنّ تحيز الحكم لصالح الارجنتين ضد مصر في مباريات كأس العالم 2026 أثبت أن الفيفا لا يرى في كرة القدم سوى استثمار مالي ونفوذ سياسي يتجاوز حدود اللعب النظيف.


سقوط شعار الفصل بين الرياضة والسياسة

ويوضح خريشة أنّ مجريات المباراة، والتحيز التحكيمي لصالح المنتخب الأرجنتيني، أسقطت شعار الفصل بين الرياضة والسياسة، مشيراً إلى أن الأداء التحكيمي لم يقتصر على أخطاء تقديرية، وإنما عكس طبيعة موازين القوى التي تتحكم بالمؤسسات الرياضية الدولية، والتي تهيمن عليها الدول الغربية، الأمر الذي يجعل القرارات الرياضية تتأثر أحياناً باعتبارات تتجاوز الملعب.

ويؤكد خريشة أن البعد السياسي لا يمكن فصله عن سياق المباراة، معتبراً أن مصر تمثل دولة ذات ثقل سياسي في المنطقة، في حين ترتبط الأرجنتين، في ظل قيادتها الحالية، بمواقف داعمة لإسرائيل، وهو ما أوجد بيئة مواتية لانحياز انعكس على سير اللقاء، الأمر الذي أدى إلى المساس بمبدأ تكافؤ الفرص والنزاهة الرياضية.

ويشير خريشة إلى أن الاعتبارات الاقتصادية شكلت عاملاً لا يقل أهمية عن البعد السياسي، موضحاً أن خروج المنتخب الأرجنتيني مبكراً من البطولة كان سيحرم الفيفا من الاستفادة التجارية والإعلامية المرتبطة باستمرار النجم ليونيل ميسي في المنافسات، باعتباره أحد أبرز عوامل الجذب الجماهيري والتسويقي، بما ينعكس على نسب المشاهدة العالمية، وحقوق البث التلفزيوني، وعقود الرعاية والإعلانات التي تدر مليارات الدولارات على البطولة.

ويؤكد خريشة أن القيمة التسويقية المرتفعة لاسم ميسي وعلامته التجارية، والتي تقدر بنحو 140 مليون دولار، تعكس حجم المصالح الاقتصادية المرتبطة باستمراره في الأدوار المتقدمة، معتبراً أن الفيفا بات ينظر إلى البطولة بوصفها مشروعاً استثمارياً ضخماً بقدر ما هي منافسة رياضية، الأمر الذي يمنح المنتخبات التي تضم نجوماً عالميين أفضلية غير مباشرة على حساب منتخبات أخرى.


ضرورة الضغط لإلزام الفيفا بتطبيق المبادئ

ويدعو خريشة اتحادات كرة القدم في دول "العالم الثالث" إلى تنسيق جهودها وممارسة ضغوط جماعية وقانونية وسياسية على الاتحاد الدولي لكرة القدم، بهدف إلزامه بتطبيق مبادئ العدالة والحياد بصورة فعلية، وضمان عدم خضوع القرارات الرياضية لموازين النفوذ السياسي أو المصالح الاقتصادية، بما يعيد الثقة بنزاهة المنافسات الدولية ويحفظ مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المنتخبات.


حضور مرتبط بالتحديات السياسية

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أنّ القضية الفلسطينية فرضت نفسها على مختلف جوانب الحياة، بما فيها الرياضة، معتبراً أن الشعب الفلسطيني، رغم محاولاته اللجوء إلى الرياضة والفن والأدب كمساحات طبيعية للتعبير والابتعاد عن ضغوط الاحتلال، يجد نفسه أمام واقع يجعل هذه المجالات بدورها خاضعة للتجاذبات السياسية، شأنها شأن قضاياه الوطنية.

ويوضح عنبتاوي أن الشعوب العربية تواجه، هي الأخرى، ظروفاً تجعل حضورها في المحافل الدولية مرتبطاً بتحديات سياسية وإرادات خارجية، مشيراً إلى أن الرياضة العالمية، كما غيرها من المجالات، لم تعد بمنأى عن موازين القوى الدولية. ويؤكد عنبتاوي أن المنتخبات العربية حققت إنجازاتها رغم محدودية الإمكانات، لافتاً إلى أن المنتخب المصري يمثل نموذجاً لذلك، نظراً للمكانة التي تحظى بها كرة القدم داخل المجتمع المصري والدعم الجماهيري الواسع الذي يحظى به من المصريين والعرب، باعتباره أحد أبرز ممثلي الكرة العربية على الساحة الدولية.


شكوك حول استقلالية الفيفا

ويرى عنبتاوي أن ما شهدته مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026 أثار شكوكاً حول استقلالية الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" وحياده، مؤكداً أن المسألة لا ترتبط بالقرارات التحكيمية خلال المباراة فقط، بل تأتي ضمن سياق أوسع من التداخل بين السياسة والرياضة، مستشهداً بتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للمطالبة بإعادة لاعب أمريكي تعرض للطرد، معتبراً أن ذلك يمثل سابقة تعكس حجم التأثير السياسي في الشأن الرياضي.


موقف مدرّب المنتخب المصري

ويلفت عنبتاوي إلى أن الحملة ضد المنتخب المصري ارتبطت أيضاً بمواقف مدربه حسام حسن الداعمة للقضية الفلسطينية، ورفعه العلم الفلسطيني، إلى جانب تصريحاته التي أكدت تضامن الشعب المصري مع الشعب الفلسطيني، مؤكداً أنّ القضية الفلسطينية تمثل قضية إنسانية تتجاوز الأبعاد السياسية والإقليمية، وأن التضامن معها ينبغي ألا يكون سبباً لاتخاذ مواقف ضد أي فريق.

ويشير عنتباوي إلى أن الحَكَم الفرنسي اتخذ عدداً من القرارات التي أثرت بصورة مباشرة في مجريات المباراة ونتيجتها، وأسهمت في حرمان المنتخب المصري من مواصلة مشواره في البطولة. ويلفت عنتباوي إلى أنّ المطالبات المصرية بمراجعة أحداث اللقاء والتحقيق فيها تعكس حجم الجدل الذي رافقها، خاصة في ظل وجود تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) التي يفترض أن تقلل من الأخطاء التحكيمية.

ويرى عنبتاوي أن ما أثير حول وجود مراهنات مالية ضخمة على فوز المنتخب الأرجنتيني عزّز الشكوك بشأن نزاهة المشهد، معتبراً أنّ المنتخبات العربية تستحق فرصاً متكافئة للوصول إلى المراحل المتقدمة في البطولات الدولية، وأنّ ضمان الحياد الكامل في التحكيم وتطبيق المعايير بصورة متساوية على جميع المنتخبات يمثلان شرطاً أساسياً للحفاظ على مصداقية المنافسات الرياضية الدولية.


معايير مختلفة تبعاً لهوية المنتخبات المتنافسة

يؤكد أستاذ العلوم السياسية د.أمجد بشكار أنّ كرة القدم لم تعد مجرد لعبة للتسلية والترفيه، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع الرياضية، معتبراً أن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" بات يتعامل بمعايير مختلفة تبعاً لهوية المنتخبات المتنافسة، الأمر الذي انعكس بصورة واضحة في الجدل الذي رافق مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026.

ويوضح بشكار أن العلاقة بين الرياضة والسياسة أصبحت أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن مطالبات عشرات النواب الأوروبيين بفتح تحقيق مع رئيس الفيفا والدعوة إلى استقالته، جاءت نتيجة عدم قدرة المؤسسة الرياضية الدولية على إبعاد السياسة عن كرة القدم. ويعتقد بشكار أن الجدل تعزز بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن تدخله في قضية البطاقة الحمراء التي تلقاها لاعب أمريكي، وإعلانه أنه تواصل مع رئيس الفيفا، وهو ما أثار تساؤلات حول حجم التدخلات السياسية في القرارات الرياضية.


المنتخب المصري كان الأحق بالفوز

ويرى بشكار أن ما شهدته مباراة مصر والأرجنتين يمثل واحدة من أبرز القضايا المثيرة للجدل في تاريخ كرة القدم الحديث، معتبراً أن المنتخب المصري كان الأحق بالفوز، وأن القرارات التي اتخذت خلال اللقاء أثارت شكوكاً واسعة بشأن حياد التحكيم وعدالة إدارة المباراة.

ويؤكد بشكار أن الجدل المحيط بالمباراة تجاوز الجوانب الفنية، ليرتبط بخلفيات سياسية، في ظل تباين مواقف طرفي المباراة من القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن المنتخب المصري عُرف بدعمه للقضية الفلسطينية، في حين ارتبط المنتخب الأرجنتيني بمواقف داعمة لإسرائيل، معتبراً أن هذه المعطيات دفعت كثيراً من السياسيين والمراقبين حول العالم إلى المطالبة بالتحقيق في ما إذا كانت الاعتبارات السياسية قد أثرت في مجريات اللقاء.


تشكيل موقف موحد

ويؤكد بشكار أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب تحركاً جماعياً من الدول الآسيوية والأفريقية داخل الفيفا، معتبراً أن هاتين القارتين تتعرضان لتهميش واضح داخل المنظومة الرياضية الدولية. ويدعو بشكار إلى تشكيل موقف موحد يطالب بإصلاحات حقيقية، تشمل الاعتراض على استمرار قيادة الفيفا الحالية، والعمل خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة على الدفع نحو تغيير في إدارة الاتحاد، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من العدالة والمساواة بين جميع المنتخبات، مشدداً على أن مواجهة ازدواجية المعايير لن تتحقق بالاعتراضات الفردية أو البيانات، وإنما عبر موقف جماعي منظم يمتلك القدرة على التأثير في صناعة القرار الرياضي الدولي.


الأبارتهايد الرياضي

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي فادي أبو بكر أنّ ما شهدته مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026 لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد أخطاء تحكيمية، بل يعكس ما وصفه بـ"الأبارتهايد الرياضي" الناتج عن ازدواجية المعايير في تعامل الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" مع المنتخبات، ولا سيما العربية، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً حول حيادية المؤسسة الرياضية الأكبر في العالم. ويوضح أبو بكر أن القرارات التحكيمية التي رافقت المباراة، وفي مقدمتها إلغاء هدف المنتخب المصري بعد الرجوع إلى تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، حرمت مصر من فرصة عادلة لمواصلة المنافسة، وأثارت موجة تضامن تجاوزت الإطار العربي لتشمل شخصيات رياضية وسياسية ودبلوماسية من دول مختلفة، رأت أن ما حدث يستحق التوقف عنده وإعادة تقييمه.


سرقة في وضح النهار

ويشير أبو بكر إلى أن من أبرز المواقف التي لفتت الانتباه تعليق المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، الذي وصف ما جرى بأنه "سرقة في وضح النهار"، معتبراً أن تقنية حكم الفيديو المساعد أُوجدت لتحقيق العدالة وتصحيح الأخطاء التحكيمية، وليس لتبرير قرارات مثيرة للجدل أو تطبيق المعايير بصورة غير متساوية، ويعتبر أبو بكر ذلك مؤشراً على وجود أزمة ثقة متنامية في آليات إدارة المنافسات الدولية. ويرى أبو بكر أن القضية تتجاوز حدود مباراة واحدة، إذ تعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة إدارة المنظومة الرياضية الدولية، في ظل التداخل المتزايد بين الرياضة والسياسة والاقتصاد، لافتاً إلى أن الشعور بعدم المساواة في تطبيق قواعد العدالة الرياضية يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بتوازنات القوة والنفوذ داخل المؤسسات الدولية، وليس فقط بصحة القرارات التحكيمية.


إطلاق نقاش مؤسسي وسياسي

ويدعو أبو بكر إلى عدم الاكتفاء بمراجعة أحداث المباراة، وإنما إطلاق نقاش مؤسسي وسياسي أوسع حول آليات صنع القرار داخل الفيفا، بما يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة ويضمن تحييد الرياضة عن أي اعتبارات سياسية أو تجارية. ويطالب أبو بكر الاتحادات العربية والأفريقية بالانتقال من ردود الفعل الفردية إلى بناء موقف جماعي يطالب بإصلاحات حقيقية داخل المنظومة الرياضية الدولية، مؤكداً أنّ العدالة الرياضية تمثل جزءاً أساسياً من منظومة العدالة الدولية، وأنّ احترام حقوق جميع المنتخبات والشعوب على قدم المساواة يُعد شرطاً للحفاظ على مصداقية المنافسات العالمية.


الرياضة أبرز أدوات القوة الناعمة

يؤكد الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن الخطأ الأساسي في قراءة ما جرى خلال مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026 يتمثل في الانطلاق من فرضية أن الرياضة منفصلة عن السياسة، مبيناً أنّ هذا الفصل لم يكن قائماً في العلاقات الدولية، وأن الرياضة، ولا سيما كرة القدم، تحولت إلى إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول في تعزيز نفوذها وصياغة صورتها على المستوى الدولي.

ويوضح الرجوب أن البطولات الرياضية الكبرى لم تعد مجرد منافسات داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت ساحات تتقاطع فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والإعلامية والمصالح الدولية، الأمر الذي يجعل أيّ حدث رياضي كبير محكوماً بسياق أوسع من النتائج الفنية، ويستدعي قراءة ما يجري في ضوء البيئة السياسية التي تُدار فيها المنظومة الرياضية العالمية.

ويلفت الرجوب إلى أن شعار الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" القاضي بإبعاد السياسة عن كرة القدم يُثير تساؤلات تتعلق بمدى اتساق تطبيقه، مشيراً إلى أن تجارب السنوات الماضية أظهرت تفاوتاً في التعامل مع القضايا السياسية داخل الملاعب، حيث تُتخذ إجراءات حازمة وسريعة في بعض الحالات، بينما تُقابل حالات أخرى بالصمت أو التبرير أو التفسير المرن، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حياد المؤسسة الرياضية الدولية.

ويرى الرجوب أن الجدل الذي رافق مباراة مصر والأرجنتين لا ينبغي عزله عن هذه البيئة، موضحاً أن القضية لا تتعلق بالمباراة في حد ذاتها، وإنما بطريقة إدارة الأزمات، وصناعة الرواية الإعلامية، وحجم الاهتمام الدولي ببعض الملفات مقارنة بغيرها، بما يعكس أن كرة القدم أصبحت جزءاً من منظومة النفوذ العالمي، وليست بمنأى عن موازين القوى السياسية والاقتصادية والإعلامية.


أهمية شمول الجميع دون تمييز

ويؤكد الرجوب أن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود السياسة داخل الرياضة، باعتبارها واقعاً قائماً، وإنما في ازدواجية المعايير عند تطبيق القواعد، مشدداً على أنه إذا كانت قاعدة منع التسييس تُطبّق، فيجب أن تشمل جميع الأطراف دون استثناء، أما إذا كانت بعض الدول أو الاتحادات قادرة على تجاوزها بفعل نفوذها السياسي أو الاقتصادي أو الإعلامي، فإن ذلك يعني، بحسب رأيه، أن إدارة المنظومة الرياضية أصبحت انتقائية وليست محايدة. ويشير الرجوب إلى أن الفيفا، رغم إعلان استقلاليتها، تعمل ضمن نظام عالمي يتأثر بموازين القوى الدولية ومصالح الرعاة وشبكات النفوذ داخل المؤسسة الرياضية، ما يجعل كثيراً من القرارات تُقرأ في ضوء البيئة التي تنتج اللوائح وتفسرها وتطبقها، وليس من زاوية النصوص القانونية وحدها.


ضعف الحضور العربي في دوائر صنع القرار

ويلفت الرجوب إلى أن الإشكالية العربية لا تقتصر على الشكوى من احتمال وجود معايير مزدوجة، بل تمتد إلى ضعف الحضور العربي في دوائر صنع القرار الرياضي الدولي، موضحاً أن الدور العربي غالباً ما يقتصر على ردود الفعل بعد وقوع الأزمات، بينما تُصاغ السياسات وتُحسم التوازنات داخل اللجان التنفيذية والهيئات القانونية ومراكز النفوذ بعيداً عن الأضواء.


تبني استراتيجية عربية طويلة المدى

ويدعو الرجوب إلى تبني استراتيجية عربية طويلة المدى تقوم على التحرك الجماعي داخل الفيفا والاتحادات القارية، والاستثمار في الكفاءات القانونية والرياضية، وبناء خطاب حقوقي يستند إلى الأدلة واللوائح، إلى جانب تعزيز الوجود العربي في مواقع اتخاذ القرار، وتطوير القوة الناعمة الإعلامية عبر إنتاج محتوى احترافي بلغات متعددة يخاطب الرأي العام العالمي.

ويؤكد الرجوب أن تحقيق العدالة في النظام الرياضي الدولي يرتبط بامتلاك أدوات التأثير داخل المؤسسات، لأن الحقوق، كما في العلاقات الدولية، تحتاج إلى نفوذ يحميها، وإلا ستظل الدول الأقل تأثيراً تواجه تحديات مرتبطة بازدواجية المعايير.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا