صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من إجراءاتها الميدانية في قطاع غزة عبر توسعة نطاق ما يُعرف بـ 'الخط الأصفر'، وهو ما أدى إلى خلق واقع مرير للسكان المحاصرين. ونفذت الوحدات الهندسيّة التابعة لجيش الاحتلال عمليات نسف واسعة للمباني السكنية في المناطق الواقعة خلف هذا الخط، مما أدى إلى تدمير أحياء كاملة وتشريد آلاف العائلات الإضافية.
وأفادت مصادر محلية بأن الاحتلال وسع مؤخراً مساحة هذه المنطقة الأمنية لتلتهم نحو 70% من إجمالي أراضي قطاع غزة، بعد أن كانت تشكل 53% في مراحل سابقة. هذا التوسع الممنهج حشر أكثر من مليوني فلسطيني في مساحات ضيقة جداً تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة والخدمات الأساسية، مما يفاقم الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق.
ميدانياً، أعلن جيش الاحتلال عن اغتيال يحيى سعيد محمد حمدان في جنوب القطاع، مدعياً أنه قائد خلية في وحدة النخبة التابعة لحركة حماس. وزعم بيان الجيش أن حمدان كان من المشاركين في أحداث السابع من أكتوبر، وتحديداً في اقتحام معسكر رعيم العسكري المحاذي للقطاع، وذلك في إطار استمرار عمليات الاستهداف المباشر للكوادر الميدانية.
وفي سياق الانتهاكات المستمرة، أصيبت مواطنة فلسطينية برصاص قوات الاحتلال أثناء تواجدها في منطقة الفالوجا غرب مخيم جباليا شمال القطاع. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي مكثف استهدف المناطق الشرقية والشمالية، مما يعكس استمرار خرق التفاهمات الميدانية واستهداف المدنيين في مناطق نزوحهم المفترضة.
مدينة غزة شهدت هي الأخرى دوي انفجارات ضخمة ناتجة عن عمليات نسف لمربعات سكنية تقع خلف الخط الأصفر، حيث يسعى الاحتلال لتغيير معالم المنطقة جغرافياً. كما سُجلت إصابات في صفوف المواطنين شرقي مخيم البريج وفي حي الأمل بمدينة خان يونس، جراء إطلاق نار مباشر من الآليات العسكرية المتوغلة.
وعلى الصعيد الحقوقي، أصدرت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان ورقة تقدير موقف حذرت فيها من تحويل شرق القطاع إلى منطقة عازلة دائمة. وأكدت الورقة أن ما يحدث هو 'هندسة إخلاء' تهدف إلى التهجير القسري للسكان الفلسطينيين، وخلق بيئة تجعل من استمرار الحياة في تلك المناطق أمراً مستحيلاً من الناحية العملية والقانونية.
وأوضحت المؤسسة الحقوقية أن هذه الممارسات تشكل خرقاً جسيماً لالتزامات الاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني، وتندرج ضمن سياسة ممنهجة للاحتلال طويل الأمد. وطالبت الورقة المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لوقف جريمة الإبادة الجماعية وضمان عدم إفلات قادة الاحتلال من العقاب أمام المحاكم الدولية.
وفي إطار الجهود الإغاثية، واصلت اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة تقديم مساعداتها الإنسانية العاجلة للفئات الأكثر تضرراً في مختلف المحافظات. وشملت المساعدات توفير أدوات مساعدة لمئات الأشخاص من ذوي الإعاقة الحركية، بما في ذلك الكراسي المتحركة والمشايات، للتخفيف من معاناتهم في ظل ظروف النزوح القاسية.
من جهتها، حذرت الأمم المتحدة من أن النقص الحاد في الوقود والمعدات المتخصصة يعرقل جهود انتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض. وأشارت المنظمة الدولية إلى أن آلاف الأشخاص لا يزالون في عداد المفقودين، مما يطيل أمد معاناة العائلات التي تنتظر معرفة مصير أبنائها وسط تحلل الجثامين وصعوبة إجراء فحوص الحمض النووي.
التقارير الأممية أكدت أن غياب عمليات تقييم مخاطر المتفجرات يؤخر بشكل كبير عودة السكان إلى أحيائهم المدمرة، ويبطئ من وتيرة أي عمليات إعمار مستقبلية. ويبقى الركام المتراكم في الشوارع عائقاً أساسياً أمام حركة طواقم الإنقاذ والإسعاف، مما يزيد من تعقيد المشهد الإنساني المتردي أصلاً في كافة مناطق القطاع.
وتستمر الزوارق الحربية الإسرائيلية في استهداف منطقة الشاطئ والبحر بوابل من الرصاص الثقيل، مما يحرم الصيادين من مصدر رزقهم الوحيد ويهدد حياة النازحين على الساحل. كما تعرضت المناطق الشمالية الشرقية لمدينة رفح لقصف مدفعي متقطع، مما يشير إلى عدم وجود منطقة آمنة فعلياً في عموم قطاع غزة.
ويرى مراقبون أن إصرار الاحتلال على توسيع 'الخط الأصفر' يهدف إلى فرض وقائع جغرافية جديدة تمنع عودة النازحين إلى ديارهم في المستقبل القريب. هذه السياسة تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على إلزام الاحتلال بقرارات محكمة العدل الدولية ووقف التوسع الاستيطاني والأمني داخل حدود القطاع.
ودعت مؤسسات حقوقية إلى فتح تحقيقات فورية في الجرائم المرتكبة داخل 'المنطقة الأمنية'، معتبرة أن الصمت الدولي يمنح الضوء الأخضر للاحتلال للاستمرار في تدمير البنية التحتية. وأكدت أن المساءلة والمحاسبة هما السبيل الوحيد لوقف نزيف الدماء وضمان حماية المدنيين الذين باتوا بلا مأوى أو حماية قانونية.
وفي ختام التطورات، يبقى الوضع الإنساني في غزة معلقاً بين مطرقة القصف المستمر وسندان الحصار وتوسعة المناطق العازلة. ومع استمرار القيود على دخول المساعدات الإنسانية، تزداد المخاوف من وقوع كارثة مجاعة جديدة في المناطق التي عزلها الاحتلال خلف الخطوط الصفراء المستحدثة.
المصدر:
القدس