د. عمر رحال: "حماس" تسعى للفصل بين مسؤوليتها عن إدارة شؤون السكان ودورها كفاعل سياسي رئيسي شريك دون خروجها من المشهد الفلسطيني
أكرم عطا الله: الحركة بدأت تتحرك باتجاه البحث عن مخارج للأزمة في محاولة لإظهار أنها استنفدت ما تستطيعه بما ينقل جزءاً من المسؤولية إلى الأطراف الأخرى
محمد جودة: مستقبل غزة لن يُحسم بقرار إداري بل بما ستفرضه الوقائع وبمدى نجاح الفلسطينيين بدعم الوسطاء في التوصل لصيغة حكم مستقرة
محمد هواش: قرار "حماس" حل اللجنة الحكومية يأتي في إطار الحوار بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء بشأن تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار ومبادرة ترمب
سليمان بشارات: الحركة أرادت سحب المبررات الإسرائيلية وتحويل الخطوة لورقة ضغط بيد الوسطاء والولايات المتحدة لمنع العودة إلى التصعيد
رام الله – خاص بـ"القدس"-
يشكل إعلان حركة "حماس" حل حكومتها أو لجنتها الإدارية في قطاع غزة تطورًا سياسيًا يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل إدارة القطاع بعد الحرب، وتساؤلات حول دوافع الخطوة وما إذا كانت تمهد لانتقال فعلي في إدارة الشأن المدني أم تندرج ضمن إعادة ترتيب الأدوار في ظل الضغوط السياسية والعسكرية والإنسانية المتصاعدة.
وتتراوح السيناريوهات المطروحة بين نجاح لجنة تكنوقراط أو لجنة وطنية في تسلم الإدارة بدعم فلسطيني وإقليمي ودولي، وبين تعثر الانتقال بسبب الخلافات الداخلية والمواقف الإسرائيلية، بما يطيل أمد الأزمة الإنسانية ويؤجل إعادة الإعمار، فيما يبقى مستقبل غزة مرهونًا بنتائج المفاوضات، وتثبيت وقف إطلاق النار، ومدى التوصل إلى صيغة حكم تحظى بقبول محلي ودولي.
تحول سياسي مهم
يوضح الكاتب والمحلل السياسي د.عمر رحال أن إعلان حركة "حماس" حل حكومتها أو لجنتها الإدارية في قطاع غزة لا يمكن التعامل معه باعتباره إجراءً إدارياً أو تنظيمياً فحسب، بل يمثل تحولاً سياسياً يحمل دلالات فلسطينية وإقليمية واسعة، ويعكس إدراك الحركة لطبيعة المرحلة التي يمر بها القطاع بعد الحرب وما خلفته من دمار وكارثة إنسانية.
ويشير رحال إلى أن استمرار "حماس" في واجهة الحكم بات يشكل، من وجهة نظرها، عبئاً سياسياً وإنسانياً، كما يمنح إسرائيل ذرائع إضافية للقول إن قطاع غزة لا يزال يُدار من قبل الحركة، الأمر الذي تستخدمه لتبرير تعطيل إعادة الإعمار ورفض أي ترتيبات سياسية جديدة.
ويلفت إلى أن الحركة تسعى إلى الفصل بين مسؤوليتها عن إدارة شؤون السكان ودورها كفاعل سياسي رئيسي، بما يتيح انتقالها من موقع السلطة الحاكمة إلى موقع الشريك السياسي، من دون أن يعني ذلك خروجها من المشهد الفلسطيني.
ويعتقد رحال أن إسرائيل لن تعتبر هذه الخطوة كافية، بل ستواصل الترويج لروايتها بأن ما جرى لا يتجاوز كونه انتقالاً شكلياً، وأن الحركة ستبقى صاحبة النفوذ الفعلي من خلال جناحها العسكري ومن خلال الموظفين العاملين في المؤسسات الحكومية.
السلاح والموظفون العقبتان الأساسيتان
ويوضح رحال أن ملفي السلاح والموظفين سيبقيان العقبتين الأساسيتين أمام أي ترتيبات مستقبلية، متوقعاً أن تستمر إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدول الغربية في اشتراط معالجة هذين الملفين قبل السماح بأي تقدم في إعادة الإعمار أو تنفيذ التفاهمات السياسية.
ويشير إلى أن قضية السلاح ستكون الأكثر تعقيداً، وقد تستغرق سنوات من المفاوضات، لافتاً إلى احتمال طرح صيغ مختلفة، من بينها تسليم جزء من السلاح أو وضعه تحت إشراف طرف ثالث، إلا أن ذلك لن ينهي المطالب الإسرائيلية التي ستواصل رفع سقف شروطها.
وفيما يتعلق بالموظفين، يوضح رحال أن إسرائيل قد تطالب بإجراء عمليات تدقيق وفحص أمني لجميع العاملين في المؤسسات العامة للتأكد من عدم ارتباطهم بحركة "حماس"، معتبراً أن هذه الآلية معمول بها في برامج التمويل الدولية منذ سنوات، وأنها قد تتحول إلى أداة لتعطيل عمل أي لجنة تتولى إدارة القطاع.
إمكانية دخول غزة مرحلة انتقالية غير مستقرة
وحول السيناريوهات المتوقعة، يتوقع رحال دخول غزة مرحلة انتقالية غير مستقرة تتخللها خلافات سياسية وربما أمنية حول الجهة التي ستدير القطاع وملفات الإغاثة والإعمار والخدمات المدنية والمعابر.
ويوضح رحال أن نجاح أي لجنة تكنوقراط سيبقى مرهوناً بتوافر دعم فلسطيني وعربي ودولي، إلا أن الملفات السياسية والأمنية ستظل عالقة لفترة طويلة.
ويرجح رحال أن تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية والاغتيالات وتشديد القيود على القطاع، إلى جانب عرقلة إعادة الإعمار، مؤكداً أن غياب آليات دولية ملزمة لإجبار إسرائيل على تنفيذ أي اتفاق، واستمرار الانحياز الأميركي لإسرائيل، سيجعلان الفلسطينيين، ولا سيما سكان قطاع غزة، يدفعون ثمن استمرار الأزمة، مع احتمال تحقيق تقدم محدود في الجوانب الإنسانية والإغاثية فقط، مقابل بقاء القضايا الجوهرية دون حلول.
مرحلة شديدة التعقيد
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن إعلان حركة "حماس" حل حكومتها في قطاع غزة يعكس إدراكاً متزايداً لدى الحركة بأن المرحلة الحالية شديدة التعقيد، وأن استمرار الأوضاع على حالها لم يعد خياراً سهلاً، في ظل الضغوط السياسية والعسكرية المتواصلة. ويوضح عطا الله أن هذه الخطوة تحمل دلالة على أن الحركة بدأت تتحرك باتجاه البحث عن مخارج للأزمة، في محاولة لإظهار أنها استنفدت ما تستطيع تقديمه على المستوى السياسي، وأنها قامت بما عليها، بما ينقل جزءاً من المسؤولية إلى الأطراف الأخرى.
ويشدد عطا الله على أن الخطوة لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد مبادرة لإلقاء المسؤولية على الآخرين، وإنما تعكس أيضاً محاولة من "حماس" للبحث عن مخرج من الأزمة التي تواجهها، في ظل واقع معقد تدرك الحركة صعوبة استمراره.
وفيما يتعلق بالمرحلة المقبلة، يؤكد عطا الله أن حل الحكومة أو اللجنة الإدارية لن يشكل نقطة تحول كبرى في مسار الأوضاع بقطاع غزة، مشيراً إلى أنه لا يتوقع نشوء سيناريوهات مختلفة ترتبط مباشرة بهذه الخطوة، لأن جوهر القضية لا يتعلق باللجنة المدنية أو بوجودها من عدمه.
ملف السلاح عقدة العقد
ويؤكد عطا الله أن جوهر الأزمة يرتبط بحكم حركة "حماس" نفسه، وبممكنات القوة التي تمتلكها، وعلى رأسها السلاح، مشيراً إلى أن هذا الملف يمثل "عقدة العقد" في أي ترتيبات مستقبلية تخص قطاع غزة.
ويشير عطا الله إلى أن اللجنة الإدارية ليست سوى جهاز إداري يعمل في ظل قوة "حماس" ويحتمي بها، ولذلك فإن تغيير هذا الإطار الإداري لا يبدل المعادلة الأساسية القائمة.
ويلفت عطا الله إلى أنه طالما بقيت عناصر القوة الأساسية لدى "حماس"، وفي مقدمتها السلاح، دون تغيير، فإن المشهد سيظل على حاله، ولن يفضي حل الحكومة إلى تحولات جوهرية أو إلى واقع سياسي مختلف، لأن القضية تتجاوز البنية الإدارية إلى طبيعة السلطة والقوة الفعلية القائمة في قطاع غزة.
البيئة السياسية الحالية مختلفة جذرياً
يعتقد الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن إعلان حركة "حماس" استقالة حكومتها في قطاع غزة وتسليم إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة قد يشكل، إذا نُفذ بصورة فعلية وليس شكلياً، أحد أبرز التحولات السياسية منذ سيطرة الحركة على القطاع عام 2007.
ويؤكد جودة أن أهمية الخطوة لا تكمن في تبديل الجهة التي تدير الوزارات والمؤسسات المدنية، وإنما في ما إذا كانت تمثل بداية انتقال سياسي حقيقي يعيد صياغة منظومة الحكم، وليس مجرد إعادة ترتيب إداري يمنح الأطراف مزيداً من الوقت لإدارة الأزمة.
ويوضح جودة أن البيئة السياسية الحالية تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، إذ إن الحرب الأخيرة لم تقتصر آثارها على تغيير الواقع الميداني، بل أعادت تشكيل المواقف الإقليمية والدولية تجاه مستقبل قطاع غزة، بحيث انتقل النقاش من مجرد وقف إطلاق النار إلى البحث في هوية الجهة التي ستدير القطاع بعد الحرب، وكيفية إنشاء سلطة تنفيذية تحظى بقبول فلسطيني وإقليمي ودولي يتيح إطلاق إعادة الإعمار واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.
أمام الاختبار العملي
ويشير جودة إلى أن أي إعلان عن تسليم إدارة غزة إلى اللجنة الوطنية سيخضع لاختبار عملي يتعلق بمدى استعداد "حماس" للانتقال من إدارة السلطة إلى المشاركة في ترتيبات سياسية جديدة.
ويوضح جودة أن الوسطاء سيقيسون نجاح الخطوة بمدى نقل الصلاحيات الفعلية وتمكين الإدارة الجديدة من ممارسة مهامها بعيداً عن ازدواجية القرار أو تضارب المرجعيات.
ويشير جودة إلى أن خيارات حركة "حماس" أصبحت أكثر ضيقاً، في ظل وجود تقاطع متزايد بين أطراف إقليمية ودولية على ضرورة إيجاد صيغة حكم جديدة في غزة باعتبارها مدخلاً لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار، حتى وإن لم يكن هناك توافق كامل على تفاصيل المرحلة المقبلة، لافتاً إلى أن العودة إلى نموذج الحكم السابق باتت أكثر صعوبة.
أربعة سيناريوهات محتملة
ويرسم جودة أربعة سيناريوهات محتملة؛ أولها نجاح انتقال تدريجي ومنظم لإدارة غزة مدنياً بالتوازي مع تفاهمات سياسية وأمنية، بما يفتح الباب أمام تدفق المساعدات وإعادة الإعمار وتحسين الخدمات.
ويشير جودة إلى أن السيناريو الثاني هو انتقال إداري محدود تبقى معه الملفات الأمنية والسيادية موضع خلاف، بما يحقق تحسناً إنسانياً جزئياً دون إنهاء حالة عدم اليقين.
أما الثالث بحسب جودة، فيتمثل في تعثر عملية الانتقال بسبب الخلافات الفلسطينية أو تعثر التفاهمات مع الوسطاء، بما يطيل أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية ويؤجل الإعمار.
ووفق جودة، يتمثل السيناريو الرابع في استمرار إدارة انتقالية أو لجان محلية مع بقاء الملفات الكبرى، وفي مقدمتها الأمن وإعادة الإعمار، معلقة إلى حين التوصل إلى اتفاق سياسي أشمل.
"حماس" والتحول نحو دور "الفاعل السياسي والمقاوم"
ويرى جودة أن "حماس" قد تتجه إلى التحول من دور "الحاكم الإداري" إلى دور "الفاعل السياسي والمقاوم"، مع الحرص على الحفاظ على حضورها في أي ترتيبات فلسطينية مستقبلية وعدم القبول بإقصائها من النظام السياسي. ويؤكد جودة أن مستقبل غزة لن يُحسم بقرار إداري، بل بما ستفرضه الوقائع على الأرض، وبمدى نجاح الفلسطينيين، بدعم الوسطاء، في التوصل إلى صيغة حكم مستقرة.
خطوة تكتيكية ومناورة سياسية
تعتبر الكاتبة والمحللة السياسية د.رهام عودة أن قرار حركة "حماس" حل حكومتها في قطاع غزة لا يعكس تخلياً فعلياً عن السلطة، وإنما يمثل خطوة تكتيكية ومناورة سياسية تستهدف قطع الطريق أمام سيناريو محتمل يتعلق ببدء عمل اللجنة الوطنية الخاصة بغزة "لجنة التكنوقراط" في ما يعرف بـ"المنطقة الصفراء" الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وتحت إشراف قوات دولية.
وتوضح عودة أن هذا السيناريو يقوم على تشجيع سكان المناطق الواقعة تحت سيطرة "حماس" على الانتقال تدريجياً إلى "المنطقة الصفراء"، بما يؤدي مع مرور الوقت إلى فصل السكان عن الحركة وعزلها شعبياً وسياسياً، وهو ما ترى أن "حماس" تسعى إلى منعه عبر إعلان حل حكومتها شكلياً، مع الإبقاء على لجنة حكومية لتسيير الأعمال.
محاولة "حماس" إقناع الوسطاء بجديتها
وتعتقد عودة أن الحركة تحاول في الوقت نفسه إقناع الوسطاء بأنها جادة في التخلي عن إدارة الحكم، مع استمرار تمسكها بإدارة الملف الأمني في القطاع بذريعة منع حدوث فراغ أمني، وبذلك تلقي الكرة في ملعب "مجلس السلام" لاتخاذ الخطوات التالية.
مجلس السلام يبدو غير مقتنع
وفي قراءتها للسيناريوهات المحتملة، تشير عودة إلى أن السيناريو الأول يستند إلى موقف "مجلس السلام"، الذي يبدو غير مقتنع بجدية "حماس" في تسليم الحكم، بسبب استمرار تمسكها بالسلاح وإدارة الملف الأمني.
وترى عودة أن ذلك قد يقود إلى استمرار الاستهدافات الإسرائيلية ضد عناصر وقيادات الحركة، بالتوازي مع بدء عمل القوات الدولية داخل "المنطقة الصفراء" بالتعاون مع لجنة غزة، إضافة إلى الشروع في تدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة، وإدخال مساكن مؤقتة على شكل كرفانات لتأسيس مناطق إنسانية تشجع السكان على الانتقال إليها، بما يسهم تدريجياً في عزل "حماس" عن السكان وتجريدها من نفوذها، مع احتمال توسيع إسرائيل نطاق "الخط الأصفر" ليشمل ما يصل إلى نحو 90% من مساحة قطاع غزة، بهدف فرض سياسة الأمر الواقع ودفع الحركة إلى تسليم سلاحها طوعاً أو بالقوة.
محاولة إقناع "حماس" بالتخلي عن سلاحها
أما السيناريو الثاني، فيتمثل، وفق عودة، في استمرار المفاوضات مع "حماس" لإقناعها بالتخلي عن سلاحها، مع بقاء سيطرتها الأمنية على القطاع واستمرار إسرائيل في توسيع "الخط الأصفر" لعزلها عسكرياً.
وترى عودة أن هذا السيناريو يفترض أيضاً عدم انتقال أعداد كبيرة من السكان إلى "المنطقة الصفراء"، في حال عملت "حماس" على منع ذلك من خلال حملات تحريض وتخوين ضد كل من يفكر بالانتقال إليها، وهو ما قد يدفع كثيراً من السكان إلى التردد في اتخاذ مثل هذه الخطوة، ويؤثر في فرص نجاح هذا المسار.
في إطار الحوار بين الفصائل والوسطاء
يوضح الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن قرار حركة "حماس" حل لجنة الطوارئ أو اللجنة الحكومية التي تدير المؤسسات الحكومية في قطاع غزة يأتي في إطار الحوار بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء بشأن تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار ومبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مشيراً إلى أن الخطوة جاءت في ظل ضغوط متزايدة على الحركة لتقديم مبادرات حسن نية.
إسرائيل واختزال مبادرة ترمب بملف نزع السلاح
ويشير هواش إلى أن إسرائيل تسعى إلى اختزال مبادرة ترمب في ملف نزع سلاح قطاع غزة وحركة "حماس" بشكل خاص، وتضع شروطاً مرتبطة بتفكيك الأسلحة، في وقت يضغط الوسطاء على الحركة لتقديم خطوات مقابلة، مقابل التزامات إسرائيلية لم تُنفذ، خصوصاً ما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية والطبية وفتح المعابر بشكل يسمح بتلبية الاحتياجات الأساسية لسكان القطاع.
الاتفاق مرهون بالتزام إسرائيل بالانسحاب من القطاع
ويلفت هواش إلى أن مستقبل الاتفاق يبقى مرتبطاً أيضاً بمدى التزام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، لافتاً إلى أنها لا تتحدث حتى الآن عن انسحابات واضحة، بينما تواصل تسريب خطط وسيناريوهات تتعلق بإعادة احتلال القطاع وفرض واقع جديد، إضافة إلى مخططات للتهجير القسري، الأمر الذي يدفع الوسطاء إلى مطالبة "حماس" بسحب الذرائع الإسرائيلية عبر مواقف أكثر وضوحاً.
حول رمزية خطوة "حماس"
ويرى هواش أن "حماس" حول حل لجنتها ما زالت رمزية، وأن التحول الحقيقي يتطلب أن تربط "حماس" تسليم إدارة غزة بانتقالها إلى جهة فلسطينية رسمية، بحيث تكون اللجنة الوطنية لإدارة القطاع مرحلة انتقالية نحو عودة السلطة الفلسطينية بمعناها الشامل، وليس في إطار صراع بين "حماس" وفتح، بل ضمن مفهوم الشرعية الوطنية الفلسطينية ووحدة الأراضي الفلسطينية.
خطوة استباقية بملف الموظفين
ويؤكد هواش أن هناك جانباً آخر يتعلق بملف موظفي غزة، معتبراً أن مطالبة الحركة باعتبار جميع موظفيها موظفين حكوميين وتحميل أي سلطة جديدة أو جهات دولية مسؤولية رواتبهم وحقوقهم قد تعكس عدم وضوح نية الخروج الكامل من الحكم، إذ إن ذلك قد يكون خطوة استباقية من "حماس" لفرض رؤيتها بطريقة ناعمة.
ويشير هواش إلى أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة تحتاج إلى بيئة تمكنها من ممارسة صلاحياتها، بما يشمل وجود قانون واحد وسلاح واحد ومرجعية سياسية واحدة، وأن تتحول "حماس" إلى فصيل سياسي له حق المشاركة وإبداء الرأي ضمن النظام السياسي الفلسطيني، دون التدخل في إدارة الحياة اليومية للقطاع.
احتمالية التمهيد لمرحلة جديدة
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المقبلة، يوضح هواش أن خطوة "حماس" قد تكون مقدمة لمرحلة جديدة، لكنها لن تكون كافية وحدها لتحريك الأوضاع ما لم ترافقها إجراءات سياسية واضحة، داعياً إلى تمكين اللجنة من تسلم إدارة القطاع بالتعاون مع السلطة الفلسطينية والدول العربية والوسطاء والأطراف المشاركة في مبادرة ترمب، محذراً من استمرار إسرائيل في استخدام ملف السلاح ذريعة لتعطيل أي تقدم سياسي.
تتويج لمسار طويل من المراجعات
يوضح الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن قرار حركة "حماس" حل اللجنة الإدارية أو لجنة الطوارئ الحكومية التي تدير قطاع غزة لم يأتِ في إطار توقيت آني فقط، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من المراجعات والقناعات داخل الحركة، بدأت ملامحها قبل الحرب وتعززت بعدها، في ظل إدراكها أن إدارة القطاع أصبحت تمثل عبئاً سياسياً واقتصادياً وإنسانياً كبيراً عليها.
ويوضح بشارات أن هذه الخطوة جاءت أيضاً في سياق سلسلة اللقاءات التي جرت في القاهرة بين الفصائل الفلسطينية وحركة "حماس"، إلى جانب الأطراف المصرية والقطرية والتركية، معتبراً أن هذه الاتصالات أسهمت في الوصول إلى مرحلة من النضج في فهم مستقبل قطاع غزة وطبيعة الترتيبات الممكنة للمرحلة المقبلة.
قطع الطريق أمام نتنياهو قبيل الانتخابات
ويشير بشارات إلى أن اختيار هذا التوقيت تحديداً يرتبط باعتقاد "حماس" بأن إسرائيل، ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، ينظران إلى ملف غزة باعتباره ورقة سياسية مرتبطة بالحسابات الداخلية والانتخابات الإسرائيلية، وأن احتمالات التصعيد في القطاع ما زالت أعلى من غيرها.
ويعتقد بشارات أن الحركة أرادت من خلال حل اللجنة سحب أي مبررات قد تستخدمها إسرائيل للتصعيد، وتحويل الخطوة إلى ورقة ضغط بيد الوسطاء والولايات المتحدة لمنع العودة إلى مسار عسكري إسرائيلي جديد.
ويبيّن بشارات أن الخطوة الحالية تقع بين الاحتياج الحقيقي والاحتياج السياسي، متسائلاً عن مدى قناعة "حماس" بأن حل اللجنة سيفتح الطريق أمام دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة أو لجنة التكنوقراط، لافتاً إلى أن الحركة ما زالت ترى أن إسرائيل قد تعمل على تعطيل وجود أي جسم فلسطيني يتولى إدارة القطاع.
إسرائيل الطرف الأكثر تأثيراً بمسار الأحداث
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المقبلة، يؤكد بشارات أن إسرائيل تبقى الطرف الأكثر تأثيراً في مسار الأحداث، وأنها قادرة على إعادة توجيه أي خطوة بما يخدم أهدافها.
ويشير بشارات إلى أن أحد السيناريوهات يتمثل في عدم سماح إسرائيل بدخول لجنة التكنوقراط إلى غزة، ما قد يدفع "حماس" إلى الإبقاء على جسم إداري تحت أي مسمى لمنع حدوث فراغ يمكن أن تستغله مجموعات شكلتها إسرائيل، بما يؤدي إلى حالة من الفوضى.
دخول لجنة التكنوقراط فرصة ل"حماس"
أما السيناريو الثاني، وفق بشارات، فيتمثل بدخول لجنة التكنوقراط وتوليها إدارة القطاع، وهو ما قد يمنح "حماس" فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه يطرح تساؤلات حول حجم تأثير الحركة غير المباشر عبر الموظفين والبيئة المحلية التي ما زالت تمتلك فيها نفوذاً ومقدرات واسعة.
ويلفت بشارات إلى أن السيناريو الثالث، رغم كونه أقل احتمالاً، يتمثل في فشل ترتيبات الانتقال نتيجة الموقف الإسرائيلي، ما قد يدفع "حماس" إلى إعادة تشكيل لجنة لإدارة غزة والعودة إلى صيغة الحكم السابقة.
المصدر:
القدس