د. عبد الناصر مكي: المخطط يتضمن إنشاء محطة لتدوير النفايات ستؤدي لخلق بيئة طاردة للفلسطينيين ما قد يدفع الآلاف للمغادرة ضمن سياسة التهجير
معروف الرفاعي: الخطوة تمثل انتقالاً واضحاً لمرحلة التنفيذ العملي وفرض الوقائع في واحدة من أكثر المناطق حساسية واستراتيجية شمال القدس
سهيل خليلية: مشاركة نتنياهو شخصياً تمنح المشروع بعداً سيادياً بالتعامل مع الموقع باعتباره جزءاً من "القدس الموحدة" الخاضعة للسيادة الإسرائيلية
عبد الهادي حنتش: هذه السياسة تهدف لطمس الهوية الفلسطينية بما يسمح للاحتلال بتسويق روايته التاريخية والاستيطانية أمام المجتمع الدولي
نزار نزال: تحويل مطار القدس لمشروع يحمل طابعاً تراثياً يهدف إلى إعادة إنتاج الرواية الإسرائيلية للمكان ومحو البعد الفلسطيني التاريخي والسيادي المرتبط به
رام الله - خاص بـ"القدس"-
تتزايد التحذيرات من أن وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أيام، حجر الأساس لما يسمى "مركز التراث" في موقع مطار القدس الدولي التاريخي في قلنديا يشكل خطوة تتجاوز الطابع الثقافي المعلن، لتندرج ضمن مشروع استيطاني متكامل يستهدف فرض وقائع جديدة على الأرض، وتعزيز ضم القدس، وإعادة صياغة هوية المكان وروايته التاريخية بما يخدم السردية الإسرائيلية.
ويحذرون من أن المخطط يتضمن مشاريع موازية، بينها إنشاء محطة لتدوير النفايات، وتوسيع البناء الاستيطاني، وتعزيز البنية التحتية للمستوطنات، في إطار سياسة تستهدف تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي، والضغط على الفلسطينيين لدفعهم إلى الرحيل، بما يرسخ الضم ويقوض فرص قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وعاصمتها القدس الشرقية، وتدشين مشروع الضم.
فرض وقائع جديدة
يعتبر الخبير في شؤون الاستيطان د.عبد الناصر مكي أن وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حجر الأساس لما يسمى "مركز التراث" في منطقة مطار قلنديا الدولي يأتي ضمن برنامج إسرائيلي متكامل يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وترسيخ الضم، وإعادة صياغة الرواية التاريخية بما يخدم السردية الإسرائيلية.
ويوضح مكي أن المشروع يقوم على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها تخليد ذكرى شقيق نتنياهو الذي قُتل خلال عملية "عنتيبي" عام 1976، وثانيها إطلاق مشروع استيطاني واسع يشمل البدء بإقامة نحو تسعة آلاف وحدة استيطانية في منطقة قلنديا ضمن مشروع "عطاروت"، وثالثها إنشاء مركز يروج للرواية الإسرائيلية المتعلقة بتاريخ الطيران الإسرائيلي داخل مبنى مطار قلنديا الدولي، الذي يؤكد الفلسطينيون أنه جزء من السيادة الفلسطينية، وكان يحمل اسم مطار القدس الدولي قبل قيام إسرائيل.
تغيير الطابعين الجغرافي والسياسي للمنطقة
ويؤكد مكي أن خطورة المشروع لا تقتصر على إقامة مركز يحمل طابعاً تراثياً، وإنما تمتد إلى تغيير الطابع الجغرافي والسياسي للمنطقة من خلال إقامة آلاف الوحدات الاستيطانية في موقع استراتيجي فلسطيني، بما يفرض واقعاً جديداً يصعب تغييره مستقبلاً، ويؤثر بصورة مباشرة في أي تسوية سياسية تتعلق بالقدس والحدود والسيادة.
تدوير النفايات لخلق بيئة طاردة للسكان
ويلفت مكي إلى أن المخطط يتضمن أيضاً إنشاء محطة لتدوير النفايات الإسرائيلية على مساحة تقدر بنحو 1178 دونماً، معتبراً أن هذه الخطوة ستؤدي إلى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين نتيجة الروائح والأضرار البيئية، ما قد يدفع آلاف السكان إلى مغادرة المنطقة بصورة غير مباشرة، وهو ما يندرج ضمن سياسة تهجير تدريجي تستهدف الوجود الفلسطيني.
فصل شمال القدس عن امتدادها الطبيعي
ويؤكد مكي أن المشروع يستهدف كذلك فصل شمال القدس عن امتدادها الطبيعي في محافظة رام الله، وتقويض إمكانية أن تكون القدس عاصمة لدولة فلسطينية مستقبلية، إلى جانب طمس أحد أبرز الرموز السيادية الفلسطينية المتمثل في مطار قلنديا الدولي.
ويشير مكي إلى أن المطار كان قبل نحو قرن يستقبل الطائرات باسم فلسطين، الأمر الذي يمنحه قيمة تاريخية وسيادية تتجاوز وظيفته كمرفق للنقل الجوي.
مراكز تراث أُخرى
ويلفت مكي إلى أن إقامة مركز التراث في قلنديا تأتي ضمن توجه إسرائيلي أوسع لإنشاء مراكز تراث في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، بهدف ترسيخ الرواية الإسرائيلية وإظهار الأراضي الفلسطينية باعتبارها جزءاً من التاريخ الإسرائيلي، وهو ما يتعارض مع الرواية الفلسطينية التي تؤكد أن هذه الأرض فلسطينية وأن الاحتلال أقيم عليها بالقوة بعد تهجير سكانها.
فصل شمال الضفة عن جنوبها
ويربط مكي المشروع بجملة من المخططات الاستيطانية الأخرى، من بينها مشروع "E1"، ومحاولات تهجير سكان الخان الأحمر، وإعادة الاستيطان في مناطق أُخليت عام 2005، معتبراً أن جميع هذه المشاريع تصب في إطار خطة متكاملة لفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وعزل القدس عن محيطها الفلسطيني، وإقامة كانتونات منفصلة تحاصر المدن والبلدات الفلسطينية.
ويشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية تسعى، قبل الانتخابات المقررة في أكتوبر / تشرين الأول المقبل، إلى تسريع خطوات الضم وفرض السيادة القانونية والإدارية على الضفة الغربية، عبر تحويل مشاريع الضم إلى قوانين يقرها الكنيست، بما يتجاوز الاتفاقيات الدولية ويكرس السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
ويوضح مكي أن انتشار مئات الحواجز العسكرية والطرق الالتفافية والمستوطنات يؤدي إلى عزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها، ويخلق تواصلاً جغرافياً بين الكتل الاستيطانية، في مقابل تفكيك الامتداد الجغرافي الفلسطيني والضغط على السكان لدفعهم إلى الرحيل.
تقويض الرموز السيادية الفلسطينية
ويؤكد مكي أن مشروع "مركز التراث" يمثل، في جوهره، خطوة استراتيجية متعددة الأبعاد تستهدف تقويض الرموز السيادية الفلسطينية، وفي مقدمتها مطار قلنديا الدولي، وإعادة صياغة الرواية التاريخية، وتوسيع البناء الاستيطاني لليهود المتدينين، وتهيئة بيئة طاردة للفلسطينيين، بما يخدم، في نهاية المطاف، مشروع ضم الضفة الغربية وترسيخ ما تسميه إسرائيل "إسرائيل الكبرى".
الانتقال إلى مرحلة التنفيذ العملي
يؤكد المستشار الإعلامي لمحافظ القدس معروف الرفاعي أن وضع الحكومة الإسرائيلية حجر الأساس لما يسمى "مركز التراث" في موقع مطار القدس الدولي يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز إنشاء مرفق ذي طابع ثقافي أو تراثي.
ويعتبر الرفاعي أن الخطوة تمثل انتقالاً واضحاً من مرحلة الإعلان عن المخططات إلى مرحلة التنفيذ العملي وفرض وقائع جديدة على الأرض، في واحدة من أكثر المناطق حساسية واستراتيجية شمال مدينة القدس.
ويوضح الرفاعي أن اختيار موقع مطار القدس الدولي لتنفيذ المشروع لم يكن قراراً عشوائياً، بل جاء لارتباط المطار برمزية وطنية وسيادية فلسطينية، باعتباره أحد أبرز المعالم التي تجسد الهوية الفلسطينية.
إعادة تشكيل هوية المكان
ويؤكد الرفاعي أن تحويل الموقع إلى ما يسمى "مركز تراث" يهدف إلى إعادة تشكيل هوية المكان وتغيير معالمه التاريخية، عبر تكريس رواية إسرائيلية بديلة تستند إلى ربط المنطقة بتاريخ الاستيطان وشخصيات عسكرية إسرائيلية، بما يسعى إلى طمس الرواية الفلسطينية وإحلال رواية أخرى مكانها.
إعادة هندسة جغرافية وسياسية شاملة
ويشير الرفاعي إلى أن المشروع لا يمكن النظر إليه بمعزل عن منظومة المشاريع الاستيطانية الكبرى التي تنفذها إسرائيل في شمال القدس، وعلى رأسها مشروع مستعمرة "عطروت"، ومشروع إعادة تدوير النفايات، ومشروع المحكمة العسكرية، إضافة إلى المنشآت والبنى التحتية الاستيطانية التي يجري تطويرها في محيط المنطقة.
ويعتبر الرفاعي أن تكامل هذه المشاريع يعكس عملية إعادة هندسة جغرافية وسياسية شاملة، هدفها ترسيخ السيطرة الإسرائيلية طويلة الأمد على القدس وتعزيز الطوق الاستيطاني المفروض على المدينة ومحيطها.
استهداف رمزية مطار القدس الدولي
يؤكد الباحث في شؤون الاستيطان سهيل خليلية أن وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حجر الأساس لما يسمى "مركز التراث" في موقع مطار القدس الدولي التاريخي (مطار قلنديا) لا يمكن اعتباره خطوة بروتوكولية أو مشروعاً ثقافياً عادياً، وإنما يمثل محطة جديدة في مشروع سياسي واستيطاني متكامل يهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والهوية والرمزية في القدس المحتلة، وتحويل أحد أبرز المعالم السيادية الفلسطينية إلى أداة لترسيخ الرواية والسيادة الإسرائيلية.
ويوضح خليلية أن مطار القدس الدولي يعد من أبرز الرموز السيادية الفلسطينية، إذ كان المطار الوحيد الذي خدم مدينة القدس خلال فترة الانتداب البريطاني والإدارة الأردنية، وشكل بوابة المدينة إلى العالم حتى احتلال الضفة الغربية عام 1967، قبل أن تعيد إسرائيل تسميته إلى "مطار عطروت" ويتوقف تشغيله مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ليصبح لاحقاً جزءاً من المخططات الإسرائيلية الرامية إلى إعادة توظيفه بما يخدم مشروعها الاستيطاني في شمال القدس.
مشاركة نتنياهو رسالة سياسية واضحة
ويشير خليليلة إلى أن مشاركة نتنياهو شخصياً في وضع حجر الأساس تمنح المشروع بعداً سيادياً ورسالة سياسية واضحة، مفادها بأن الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع الموقع باعتباره جزءاً من "القدس الموحدة" الخاضعة للسيادة الإسرائيلية، متجاهلة الوضع القانوني للقدس الشرقية بوصفها أرضاً محتلة وفق القانون الدولي.
ويرى خليلية أن المشروع يعكس انتقال إسرائيل من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ، في إطار سياسة فرض الوقائع على الأرض، من خلال إعادة تأهيل الموقع وإقامة مركز يقدم رواية تاريخية إسرائيلية، بما يؤدي إلى تغيير وظيفة المكان ورمزيته، وتحويله من معلم ارتبط بتاريخ الطيران الفلسطيني والقدس العربية إلى فضاء يروج للرواية الصهيونية المتعلقة بالطيران والاستيطان، في سياق سياسة أوسع لإعادة صياغة الذاكرة الجمعية وإحلال السردية الإسرائيلية محل الرواية الفلسطينية.
ضمن رؤية "القدس الكبرى"
ويؤكد خليلية أن المشروع يرتبط بالمخطط الاستيطاني الأشمل في منطقة "عطروت"، التي تشكل حلقة وصل جغرافية بين القدس ورام الله، ويندرج ضمن رؤية "القدس الكبرى" الهادفة إلى توسيع المجال الحضري الإسرائيلي ودمج الكتل الاستيطانية المحيطة بالمدينة في نسيج عمراني ووظيفي واحد، بما يعزز التواصل الجغرافي مع مستوطنة "جفعات زئيف" عبر استكمال شبكات الطرق والبنية التحتية، ويقلص الامتداد الفلسطيني بين القدس ورام الله، ويحول منطقة المطار من احتياطي استراتيجي يمكن أن يخدم الدولة الفلسطينية مستقبلاً إلى مرفق إسرائيلي دائم يرسخ الضم الفعلي للقدس.
إعادة إنتاج هوية القدس
ويشير خليليلة إلى أن المشروع يندرج أيضاً ضمن سياسة إسرائيلية أوسع تستهدف إعادة إنتاج هوية القدس وإعادة تركيب واقعها الجغرافي والديمغرافي، من خلال تحويل أحد أبرز رموز الحضور الفلسطيني إلى جزء من الرواية الإسرائيلية، وتثبيت السيطرة على المناطق الاستراتيجية، وتحويل الأراضي التي يمكن أن تشكل مقومات لعاصمة فلسطينية مستقبلية إلى مرافق مدنية وثقافية إسرائيلية دائمة.
ويؤكد خليلية أن المشروع يعكس تحولاً في أدوات المشروع الاستيطاني، إذ لم تعد السيطرة تقتصر على الأرض والبناء الاستيطاني، وإنما امتدت إلى استهداف الذاكرة والهوية والرواية التاريخية، في إطار استراتيجية تهدف إلى إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية، وتعميق فصل القدس عن محيطها الفلسطيني، وفرض واقع سياسي وديمغرافي يجعل أي تسوية مستقبلية تقوم على القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية أكثر تعقيداً.
تقويض التواصل الجغرافي لإمكانية إقامة دولة فلسطينية
يرى الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالعلاقات الدولية د.حسني شيلو أن وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حجر الأساس لما يسمى "مركز التراث" في موقع مطار القدس الدولي (قلنديا) يشكل تصعيداً سياسياً واستيطانياً بالغ الخطورة، باعتباره جزءاً من مشروع متكامل يستهدف تهويد القدس وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية، وصولاً إلى تقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
ويوضح شيلو أن المشروع لا يمكن فصله عن ما يعرف بسياسة "حسم الصراع"، مشيراً إلى أن الإجراءات التي تنفذها حكومة نتنياهو، بالتوازي مع اعتداءات المستوطنين، أدت عملياً إلى فرض سيطرة متزايدة على مناطق "ج"، ومحاصرة المدن والبلدات الفلسطينية بالأحزمة الاستيطانية وشبكات الطرق، بما يخلق واقعاً جديداً سيكون من الصعب على أي حكومة إسرائيلية مستقبلية التراجع عنه.
مخطط تطويق القدس وفصلها
ويلفت شيلو إلى أن المشروع يمثل حلقة جديدة في مخطط تطويق القدس وفصلها عن امتدادها الفلسطيني، ويتكامل مع مشاريع بنية تحتية واستيطانية، من بينها مشروع "E1" ومشروع "نسيج الحياة"، بما يعزز عزل المدينة تدريجياً.
كما يحمل الموقع وفق شيلو، دلالة وطنية ورمزية للفلسطينيين باعتباره مطاراً تاريخياً، ولذلك فإن تحويله إلى ما يسمى "مركز تراث" يهدف إلى طمس هويته الفلسطينية وإيصال رسالة مفادها بأن الفلسطينيين لا مكان لهم في أي مشروع سيادي مستقبلي، وأن الدولة الفلسطينية بمقوماتها، بما فيها المطار، لم تعد مطروحة.
تكريس السيادة الإسرائيلية
ويؤكد شيلو أن المشروع يسعى إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي عبر تحويل المطار إلى منطقة جذب سياحي واستيطاني وربطه بالمستوطنات الكبرى، بما يكرس السيادة الإسرائيلية ويمنح المشروع بعداً أيديولوجياً وتوراتياً.
ويرى شيلو أن نتنياهو بدأ من خلال هذه الخطوة حملة انتخابية مبكرة، واضعاً أسساً مرتبطة بأجندة اليمين المتطرف، ويصعب على أي حكومة إسرائيلية لاحقة إلغاؤها.
ويحذر شيلو من أن الضفة الغربية تشهد حالياً عملية ضم زاحف تنفذ عبر التوسع الاستيطاني وشبكات الطرق والحواجز والسيطرة على الموارد الطبيعية، إلى جانب منع البناء حتى في بعض مناطق "أ" و"ب".
ويعتبر شيلو أن القرى الفلسطينية أصبحت ساحة مفتوحة لاعتداءات المستوطنين، وأن ما جرى في التجمعات البدوية يمثل "بروفة للتهجير"، في وقت بدأت فيه تظهر مؤشرات "التهجير الطوعي" نتيجة الإغلاقات والحواجز التي دفعت عائلات إلى مغادرة الأرياف نحو المدن.
ويشير شيلو إلى أن أخطر ما يواجه الفلسطينيين يتمثل في احتمال تمرير ترتيبات انتخابية تتجاوز القدس تحت ضغوط دولية، عبر الاكتفاء بمشاركة المقدسيين من خارج المدينة، معتبراً أن ذلك يشكل تنازلاً غير مباشر عن مكانة القدس.
ويعتقد شيلو أن المشهد الفلسطيني، في ظل الدمار الذي لحق بقطاع غزة، وعزل القدس، وتسارع الضم في الضفة الغربية، يقود نحو تكريس حكم ذاتي محدود الكثافة الجغرافية والسيادة، وهو ما يجسد جوهر مشروع "حسم الصراع".
الإصرار على تثبيت المشروع الاستيطاني
يؤكد الخبير في شؤون الأراضي والاستيطان عبد الهادي حنتش أن وضع نتنياهو حجر الأساس لما يسمى "مركز التراث" في موقع مطار القدس الدولي التاريخي في قلنديا لا يمكن النظر إليه باعتباره مشروعاً ثقافياً أو عمرانياً، وإنما يمثل خطوة سياسية واستيطانية تأتي ضمن مخطط متواصل لفرض وقائع جديدة على الأرض، وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على أحد أبرز المواقع الفلسطينية ذات الرمزية التاريخية والوطنية.
ويوضح أن سلطات الاحتلال كانت قد أعلنت منذ سنوات ضم منطقة مطار قلنديا إلى ما تعتبره حدود مدينة القدس، وأدرجتها ضمن مشاريع استيطانية تستهدف إقامة مئات الوحدات الاستيطانية، الأمر الذي يعني عملياً طمس معالم المطار وإزالة رمزيته بوصفه جزءاً من التراث الفلسطيني.
ويشير حنتش إلى أن إقامة ما يسمى "مركز التراث" في الموقع تؤكد إصرار الاحتلال على تثبيت المشروع الاستيطاني، وفرض حقائق جديدة على الأرض، بما يخدم مخططات تقسيم الأرض الفلسطينية والاستيلاء على مقدراتها، إلى جانب السيطرة على المواقع التاريخية والأثرية في القدس وغيرها من المناطق.
إعادة صياغة الرواية التاريخية
ويلفت حنتش إلى أن المشروع يندرج ضمن سياسة إسرائيلية أوسع تقوم على إعادة صياغة الرواية التاريخية، لافتاً إلى أن الاحتلال صنف نحو 400 موقع ضمن ما يسميه "التراث الإسرائيلي"، رغم أنها مواقع تشكل جزءاً أصيلاً من التراث الوطني الفلسطيني.
ويؤكد حنتش أن هذه السياسة تهدف إلى طمس الهوية الفلسطينية وتغييب جذور الشعب الفلسطيني في أرضه، بما يسمح للاحتلال بتسويق روايته التاريخية والاستيطانية أمام المجتمع الدولي، في محاولة لإظهار وجود تاريخي مزعوم في المنطقة، مشدداً على أن الفلسطيني هو صاحب الجذور التاريخية في هذه الأرض، وأن الادعاءات الإسرائيلية بهذا الشأن لا تستند إلى حقائق.
تكريس ضم القدس
ويوضح حنتش أن المشروع يرتبط مباشرة بمخططات تكريس ضم القدس، لافتاً إلى أن الاحتلال يعمل منذ سنوات على تعزيز فصل مدينة القدس عن محيطها الفلسطيني، من خلال توسيع حدود ما يسمى "القدس الكبرى" وإلحاقها بأراضي عام 1948، عبر ضم مساحات جديدة وتكثيف الاستيطان حول المدينة.
ويؤكد حنتش أن الاحتلال يسعى إلى إغلاق جميع الثغرات المحيطة بالقدس، بما يعزز عزلها عن الضفة الغربية ويقيد حركة الفلسطينيين إليها ومنها بإجراءات عسكرية وتعسفية.
ويوضح أن هذا المخطط يتكامل مع مشاريع ربط المستعمرات الإسرائيلية المحيطة بالقدس عبر الطرق الالتفافية والأنفاق ومشاريع القطار الخفيف، بما يحولها إلى كتلة استيطانية متصلة.
ويشير حنتش إلى أن تجديد الأوامر العسكرية الخاصة بمنطقة الخان الأحمر يعكس استمرار تنفيذ مشروع (E1)، الذي يستهدف ضم المنطقة، وتهجير سكانها الفلسطينيين، وربط القدس بالمستعمرات الشرقية وصولاً إلى منطقة البحر الميت، في إطار مخطط شامل لإعادة رسم حدود ما يسمى "القدس الكبرى" وترسيخ ضمها بصورة فعلية.
تكريس السيادة على منطقة حساسة
يرى الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حجر الأساس لما يسمى "مركز التراث" في موقع مطار قلنديا، أو مطار القدس الدولي التاريخي، يمثل خطوة ذات أبعاد سياسية واستيطانية عميقة تتجاوز الطابع الثقافي أو الرمزي الذي تروج له الحكومة الإسرائيلية، معتبراً أن المشروع يأتي ضمن خطة متكاملة لإعادة تشكيل الجغرافيا والهوية والسيادة في القدس ومحيطها، وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على واحدة من أكثر المناطق حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويوضح نزال أن الدلالة الأساسية للمشروع تتمثل في محاولة إسرائيل تكريس سيادتها الفعلية والرمزية على منطقة قلنديا الواقعة بين القدس ورام الله، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية في مستقبل مدينة القدس.
محو البعد الفلسطيني التاريخي
ويشير نزال إلى أن مطار القدس التاريخي يمثل جزءاً من الذاكرة الفلسطينية والعربية، ويرتبط بالسيادة الفلسطينية على المدينة، وبالتالي فإن تحويله إلى مشروع يحمل طابعاً تراثياً إسرائيلياً يهدف إلى إعادة إنتاج الرواية الإسرائيلية للمكان، ومحو البعد الفلسطيني التاريخي والسيادي المرتبط به.
ويوضح نزال أن هذه الخطوة تأتي ضمن سياسة إسرائيلية تستخدم الأبعاد الدينية والثقافية والأمنية لتعزيز الدمج التدريجي للقدس ومحيطها داخل المنظومة الإسرائيلية، بما يضعف أي إمكانية مستقبلية لفصل القدس الشرقية لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة.
ويشير نزال إلى أن المشروع يرتبط مباشرة بالمخططات الاستيطانية الأوسع التي تستهدف المنطقة الشمالية من القدس، ولا سيما مشاريع البناء الاستيطاني في محيط قلنديا ومنطقة عطروت، والتي تهدف إلى خلق تواصل استيطاني يربط القدس بالمستوطنات المحيطة، ويمنع أي امتداد عمراني فلسطيني طبيعي بين القدس ورام الله، مؤكداً أن المشروع لا يمكن النظر إليه بوصفه مشروعاً ثقافياً منفصلاً، وإنما يمثل جزءاً من هندسة سياسية وجغرافية طويلة الأمد.
ترجمة مشروع الضم الإسرائيلي
ويؤكد نزال أن خطورة المشروع تكمن أيضاً في أنه يترجم مشروع الضم الإسرائيلي إلى وقائع مادية ومؤسساتية على الأرض، عبر إقامة مشاريع رسمية إسرائيلية داخل الامتداد الجغرافي للقدس الشرقية المحتلة، الأمر الذي يحول الضم من قرار سياسي إلى واقع يومي دائم، ويعزز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة.
ويوضح نزال أن المشروع يستهدف الهوية الفلسطينية للقدس من خلال إعادة صياغة الرموز والمعالم التاريخية، إذ يجري تحويل مطار القدس، الذي شكل في مرحلة تاريخية نافذة فلسطينية على العالم، إلى موقع يعكس السردية الإسرائيلية، في إطار سياسة أوسع تقوم على أسرلة المكان وتغيير معالمه وأسمائه ووظائفه.
آثار جغرافية وديمغرافية بعيدة المدى
ويؤكد نزال أن المشروع ستكون له آثار جغرافية وديمغرافية بعيدة المدى، إذ يسهم في تعميق فصل القدس عن محيطها الفلسطيني، ولا سيما عن رام الله وشمال الضفة الغربية، عبر تعزيز الطوق الاستيطاني والبنية التحتية الإسرائيلية، بما يحد من التوسع العمراني الفلسطيني، ويزيد من مصادرة الأراضي والتضييق على الوجود الفلسطيني، ويصب في نهاية المطاف في إطار تغيير التوازن الديمغرافي في القدس وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات تواصل جغرافي.
المصدر:
القدس