د. خليل تفكجي: تعرض القرى للاعتداءات كونها بالنسبة لهم عائقاً أمام التوسع الاستيطاني ولذلك يجري استهدافها بصورة ممنهجة لدفع سكانها للرحيل
عبد الله أبو رحمة: غياب مواجهة حقيقية لهذه السياسات قد يفتح المجال أمام انتقال المستوطنين إلى مرحلة السيطرة على المدن انسجاماً مع "خطة الحسم"
د. حسن بريجية: التهجير القسري يمثل هدفاً معلناً لدى حكومة الاحتلال وحال فشله فإن الإجراءات الميدانية المتواصلة تدفع الفلسطينيين نحو النتيجة ذاتها
د. سهيل دياب: الاعتداءات قد تكون ضمن توجه لتوسيع السيطرة على مناطق (ج) وتعزيز تواصل الكتل الاستيطانية لجعل أي تسوية سياسية أكثر تعقيداً
ياسر مناع: العنف الاستيطاني لم يعد يقتصر على الاعتداءات الانتقامية بل أصبح وسيلة ضغط لفرض وقائع قبل أي قرارات سياسية معلنة
رام الله – خاص بـ"القدس"–
يشهد الواقع الميداني في الضفة الغربية تصعيداً غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين التي امتدت لتشمل القرى الفلسطينية، وسط تحول واضح في طبيعة هذه الهجمات من اعتداءات متفرقة إلى عمليات أكثر تنظيماً واتساعاً، تستهدف الأراضي الزراعية والمنازل ومصادر المياه والمراعي، بالتوازي مع إنشاء بؤر استيطانية جديدة وفرض وقائع ميدانية تعزز السيطرة على المناطق المصنفة (ج).
ويؤكدون أن الهجمات المتكررة، التي تشمل إحراق المزروعات والمنازل، والاستيلاء على الأراضي، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، واحتلال بعض المنازل، تمثل أدوات ضغط متواصلة لدفع السكان إلى الرحيل بصورة تدريجية، في إطار سياسة "التهجير الزاحف".
مشروع استيطاني لتفريغ المناطق من السكان
يؤكد الخبير في شؤون الاستيطان د. خليل تفكجي أن تصاعد هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية في الضفة الغربية لا يمكن فصله عن مشروع استيطاني أوسع يهدف إلى تفريغ مناطق كاملة من سكانها الفلسطينيين، تمهيداً لربط المستوطنات والبؤر الاستيطانية ببعضها البعض، وتحقيق تواصل جغرافي يخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
ويشير تفكجي إلى أن قرى: المغير، وترمسعيا، واللبن الشرقية، والساوية تقع ضمن نطاق تجمع استيطاني كبير يمتد من منطقة كفر قاسم باتجاه الأغوار، وتعد مستوطنة "أريئيل" من أبرز مراكزه، الأمر الذي يمنح هذه المنطقة أهمية استراتيجية في المخططات الإسرائيلية.
دعم رسمي
ويؤكد تفكجي أن ما يجري على الأرض يتم بدعم من الحكومة الإسرائيلية، ويهدف إلى تفريغ هذه المناطق من الوجود الفلسطيني، بحيث تصبح خاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية، معتبراً أن ذلك ينسجم مع ما يعرف بمشروع "الأصابع" الذي طرحه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون، والقائم على إنشاء امتدادات استيطانية تربط الأغوار بمناطق الخط الأخضر، بما يؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وعزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها.
ويشير تفكجي إلى أن قرية المغير شمال شرق رام الله تمثل نموذجاً واضحاً لهذه السياسة، نظراً لقربها من ما يعرف بخط "ألون" الاستيطاني ومن التجمعات الاستيطانية الممتدة نحو الأغوار، والتي تضم مستوطنات كبيرة مثل: "شيلو" و"معاليه إفرايم"، مؤكداً أن السيطرة على هذه المنطقة تعني، من وجهة نظر الاحتلال، إخلاءها من سكانها الفلسطينيين وإحكام السيطرة عليها بالكامل.
هجمات لضرب الاقتصاد
ويؤكد تفكجي أن الاعتداءات لا تقتصر على مهاجمة السكان، وإنما تشمل حرق المزروعات، وتجريف الأراضي، وإتلاف أشجار الزيتون، واستهداف الأراضي الزراعية في المغير وترمسعيا واللبن الشرقية، وهي مناطق يعتمد سكانها بصورة أساسية على النشاط الزراعي.
ويعتبر تفكجي أن هذه الممارسات تستهدف ضرب الاقتصاد المحلي وتجريد الفلسطينيين من مصادر رزقهم، بما يدفعهم تدريجياً إلى مغادرة أراضيهم.
ويوضح أن الهدف النهائي لهذه السياسات يتمثل في تنفيذ "تهجير صامت"، لا يعتمد بالضرورة على الطرد المباشر تحت تهديد السلاح، وإنما على تكرار الهجمات، وإحراق الممتلكات، وإلحاق الخسائر بالمواطنين بصورة مستمرة، بما يجعل البقاء في تلك المناطق بالغ الصعوبة.
ويشير تفكجي إلى أن هذا الأسلوب سبق تطبيقه في التجمعات البدوية بالأغوار ومسافر يطا، ويجري اليوم توسيعه ليشمل القرى الفلسطينية الكبرى التي تعيق التوسع الاستيطاني، في إطار رؤية إسرائيلية تستهدف إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية داخل الضفة الغربية وتغيير الواقع الديموغرافي لمصلحة المشروع الاستيطاني.
مرحلة جديدة أكثر خطورة
يرى القائم بأعمال نائب رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبد الله أبو رحمة أن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية دخلت مرحلة جديدة أكثر خطورة، بعد انتقالها من استهداف التجمعات البدوية والمناطق الأقل كثافة سكانية إلى تنفيذ هجمات متكررة على القرى الفلسطينية، في إطار خطة ممنهجة تهدف إلى السيطرة على مزيد من الأراضي وفرض التهجير القسري على السكان الفلسطينيين.
ويوضح أبو رحمة أن المرحلة السابقة ركزت على استهداف التجمعات البدوية الممتدة من الأغوار الشمالية مروراً بمناطق مسافر يطا، وبادية شرق بيت لحم، وبادية شرق القدس، وبادية شرق رام الله، وصولاً إلى مناطق شرق نابلس وطوباس.
ويشير أبو رحمة إلى أن هذه السياسة أدت إلى تهجير أكثر من 80 تجمعاً بدوياً، وسيطرة المستوطنين على مساحات واسعة، الأمر الذي جعل الوصول إلى تلك المناطق أو ممارسة الرعي والعمل فيها أمراً بالغ الصعوبة، كما باتت حركة المواطنين ومركباتهم محفوفة بالمخاطر نتيجة التهديدات والاعتداءات المتواصلة.
استهداف القرى بصورة مباشرة
ويؤكد أبو رحمة أن التطورات الأخيرة تعكس انتقال مجموعات المستوطنين إلى مرحلة جديدة تقوم على استهداف القرى الفلسطينية بصورة مباشرة، كما أن الاعتداءات لم تعد تقتصر على مهاجمة المواطنين وممتلكاتهم، بل امتدت إلى احتلال منازل وأبنية سكنية في عدة بلدات وقرى، ومنع أصحابها من الوصول إليها، بالتوازي مع الاعتداء على المركبات، والمزارع، والمنشآت، والأراضي الزراعية.
ويعتبر أبو رحمة أن ذلك يؤكد أن هذه المجموعات تعمل وفق خطة منظمة وليست تحركات فردية أو مرتبطة بما يروَّج له باعتباره "مزارع زراعية" استيطانية.
ويؤكد أن ما يسمى بالمزارع أو البؤر الزراعية يشكل أداة تستخدم للسيطرة على الأراضي والتوسع الاستيطاني، إلى جانب توفير التمويل وكسب التعاطف والترويج للمشروع الاستيطاني، فيما يبقى الهدف الأساسي هو فرض السيطرة الميدانية على أكبر مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية.
خطورة الامتداد للمدن
ويحذر أبو رحمة من أن غياب مواجهة حقيقية لهذه السياسات قد يفتح المجال أمام انتقال المستوطنين إلى مراحل أكثر خطورة، تبدأ بإحكام السيطرة على القرى ثم تمتد إلى المدن، معتبراً أن ذلك ينسجم مع ما يعرف بـ"خطة الحسم" التي طرحها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عام 2017، والتي تهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسراً من أراضيهم، بدءاً من التجمعات البدوية إلى القرى، ثم إلى المدن، وصولاً إلى دفعهم للهجرة خارج فلسطين.
ويشير إلى أن هذه التوجهات باتت تُطرح بشكل علني عبر الخطابات ووسائل التواصل الاجتماعي، ويتفاخر أصحابها بما يصفونه بإنجازات تتعلق بإنشاء عشرات المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
مؤشرات واضحة على تصاعد الهجمة الاستيطانية
يوضح الباحث في شؤون الاستيطان د.حسن بريجية أن تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية يعكس مرحلة أكثر خطورة من المشروع الاستيطاني، مؤكداً أن الهجمات تتزايد بصورة متواصلة بحماية الجيش الإسرائيلي والجهاز الشرطي الإسرائيلي، وبتوجيهات من الحكومة الإسرائيلية، في إطار سياسة تهدف إلى توسيع السيطرة على الأرض ودفع الفلسطينيين إلى مغادرتها.
ويشير بريجية إلى أن أنماط الاعتداءات شهدت تطوراً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، إذ لم تعد تقتصر على الاعتداء على الممتلكات، وإنما امتدت إلى إحراق المنازل واحتلالها، إلى جانب إطلاق النار على المدنيين العزل، معتبراً أن هذه الممارسات تشكل مؤشرات واضحة على تصاعد وتيرة الهجمة الاستيطانية التي تقودها الحكومة الإسرائيلية اليمينية، بينما يشكل المستوطنون أداتها التنفيذية على الأرض.
ويلفت بريجية إلى أن وتيرة الاستهداف الاستيطاني للقرى الفلسطينية ترتفع كلما اقتربت الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أنها مرتبطة بطبيعة الخطاب السياسي الإسرائيلي.
ويؤكد بريجية أن التهجير القسري يمثل هدفاً معلناً لدى الحكومة الإسرائيلية، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، لافتاً إلى أنه حتى في حال تعذر تحقيقه بصورة مباشرة، فإن الإجراءات الميدانية المتواصلة تدفع الفلسطينيين نحو النتيجة ذاتها.
ويوضح بريجية أن هذه السياسات تشمل الإبادة الجماعية، وفرض القيود العسكرية، وإقامة البوابات والحواجز، والسيطرة على حركة المواطنين ومفاصل الطرق، إضافة إلى هدم المنازل وتجريف الأراضي الزراعية ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على مواسم الزيتون والعنب والجوافة وغيرها من المحاصيل.
ويشير بريجية إلى أن مجمل هذه الإجراءات، إلى جانب الطروحات التي تتحدث عن ممرات أو مشاريع مختلفة، تصب في اتجاه واحد يتمثل في دفع الفلسطينيين نحو التهجير القسري أو ما يوصف بالتهجير الطوعي، مؤكداً أن الهدف النهائي لهذه السياسات هو إفراغ الأرض من الوجود الفلسطيني، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة.
حكومة نتنياهو وتصعيد المشروع الاستيطاني
يوضح الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية مثّل نقطة تحول في تصعيد المشروع الاستيطاني بالضفة الغربية، بعدما أُسندت مناصب محورية إلى شخصيات من تيار الصهيونية الدينية والحركة الاستيطانية، الأمر الذي انعكس على طبيعة السياسات الميدانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويشير عباس إلى أن تعيين بتسلئيل سموتريتش وزيراً للمالية، إلى جانب منحه صلاحيات داخل وزارة الأمن تتعلق بإدارة شؤون الضفة الغربية، وتعيين أوريت ستروك وزيرة للاستيطان، شكلا بداية مرحلة جديدة استهدفت تكثيف الهجوم على الأراضي والقرى الفلسطينية، لا سيما في المناطق التي تعتبرها إسرائيل ذات أهمية استراتيجية، بهدف تعزيز السيطرة على الضفة الغربية.
السيطرة على التلال وإقامة بؤر استيطانية
ويوضح عباس أن هذه المجموعات، وبالتنسيق مع جيش الاحتلال، ركزت على السيطرة على التلال وإقامة بؤر استيطانية جديدة بالقرب من القرى الفلسطينية، خصوصاً في الأغوار وجبال الخليل، بالتزامن مع تنفيذ اعتداءات استهدفت السكان وممتلكاتهم، شملت حرق المنازل والمحاصيل الزراعية، والتضييق على المواطنين، وسرقة الأغنام أو قتلها.
ويؤكد عباس أن تلك الاعتداءات جرت تحت حماية قوات الاحتلال، ومن دون ملاحقة قانونية للمسؤولين عنها، إلى جانب حصولهم على دعم مالي ولوجستي تضمن مركبات ومعدات مختلفة.
دعم وحماية رسمية
ويوضح عباس أن الدعم الرسمي لهذه المجموعات لم يقتصر على التمويل أو الغطاء السياسي، وإنما شمل أيضاً الحماية الأمنية والعسكرية، وهو ما أسهم في تصاعد الاعتداءات ضد الفلسطينيين في المناطق التي تعدها القيادة السياسية والأمنية الإسرائيلية مناطق استراتيجية للتوسع الاستيطاني.
ويلفت إلى أن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أصدر قراراً يمنع تصنيف اليهود المتورطين في اعتداءات بالضفة الغربية كـ"إرهابيين"، كما ألغى أوامر الاعتقال الإداري بحق عدد من قادة ما يعرف بالإرهاب اليهودي، معتبراً أن هذه الخطوات تعزز الحصانة التي تتمتع بها تلك المجموعات.
ويشير عباس إلى أن عدداً من المسؤولين الأمنيين والعسكريين المشرفين على الضفة الغربية ينحدرون من الحركة الاستيطانية أو يرتبطون بها، بمن فيهم رئيس جهاز الشاباك وقائد المنطقة الوسطى في الجيش وعدد من كبار الضباط، معتبراً أن هذا الواقع ينعكس على طبيعة القرارات والإجراءات المتخذة بحق الفلسطينيين.
ويلفت عباس إلى أن السياسة الإسرائيلية، وإن لم تُعلن رسمياً، تقوم على مواصلة التوسع الاستيطاني، وإنشاء المزيد من البؤر، وممارسة الضغوط على الفلسطينيين، وصولاً إلى فرض واقع يجعل قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية أمراً مستحيلاً.
ضغط منظم تقوده جهات عليا
يؤكد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب أن تصاعد اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية في الضفة الغربية يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة هذه الهجمات، مشيراً إلى أنها لم تعد تمثل اعتداءات متفرقة أو تحركات تقوم بها مجموعات صغيرة بصورة عشوائية، وإنما أصبحت جزءاً من نمط ضغط منظم تقوده جهات عليا ضمن رؤية مدروسة ترتبط بمستقبل الضفة الغربية وبرامج التوسع الاستيطاني.
ويوضح دياب أن أولى الدلالات تتمثل في الانتقال من الاعتداءات الفردية إلى سياسة منظمة تتسم بالتنسيق والاستمرارية، مشيراً إلى أن الاعتداءات لم تعد تقتصر على مهاجمة المواطنين أو تنفيذ أعمال عنف متفرقة، بل اتسعت لتشمل إحراق المزروعات، والاستيلاء على الأراضي الزراعية، وإقامة بؤر استيطانية جديدة، والسيطرة على مصادر المياه والمراعي، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وهي إجراءات يرى أنها تندرج ضمن خطة متكاملة تهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض.
خلق البيئة القسرية
ويشير دياب إلى أن الدلالة الثانية تتمثل في خلق ما تصفه المؤسسات الدولية بـ"البيئة القسرية"، وهي الحالة التي تصبح فيها الحياة اليومية للفلسطينيين شديدة الصعوبة نتيجة تدمير مصادر الرزق، وفرض القيود على الحركة والتنقل، وغياب الحماية القانونية الفاعلة. ويلفت دياب إلى أن هذا المفهوم معتمد في أدبيات الأمم المتحدة، ويعد، وفق القانون الدولي، من الممارسات المخالفة لبروتوكولات حقوق الإنسان وللقواعد المنظمة للنزاعات والاحتلال.
ويؤكد دياب أن البعد السياسي يمثل الدلالة الأهم في هذه التطورات، موضحاً أن الاعتداءات ترتبط بتوجهات داخل تيارات الحركة الصهيونية، ولا سيما التيار الاستيطاني، الذي يعمل على توسيع السيطرة الفعلية على مساحات واسعة من المناطق المصنفة (ج)، وتعزيز التواصل الجغرافي بين الكتل الاستيطانية والبؤر الجديدة، بما يرسخ وقائع ميدانية تجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر تعقيداً.
ويشير دياب إلى أن الحكومة الإسرائيلية قد تبدي أحياناً تحفظات محدودة على بعض الاعتداءات، إلا أن ذلك يرتبط باعتبارات دبلوماسية لتجنب الإحراج أمام المجتمع الدولي، وخاصة في ما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة.
تصاعد مخاطر التهجير في الضفة الغربية
ويلفت دياب إلى وجود مؤشرات مقلقة بشأن تصاعد مخاطر التهجير في الضفة الغربية، موضحاً أن الحديث يدور عن سياسة واسعة تؤدي عملياً إلى ترحيل قرى كاملة، الأمر الذي يستوجب تمييزاً قانونياً وسياسياً دقيقاً.
ويؤكد دياب أن المؤسسات الدولية تستند في تحذيراتها إلى مجموعة من المؤشرات، أبرزها ازدياد أعداد الأسر التي غادرت التجمعات الرعوية والزراعية، والتراجع الكبير في قدرة المواطنين على الوصول إلى أراضيهم، وتكرار الهجمات على المنازل والبنية التحتية، إلى جانب ظهور حالات متزايدة لعائلات اضطرت إلى النزوح أكثر من مرة بسبب تكرار الاعتداءات.
ويلفت إلى أن تحول هذه الاعتداءات إلى نمط منظم ترافق مع نزوح آلاف الفلسطينيين خلال عام 2026، نتيجة عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي ومصادر الرزق، حيث أن هذه الأرقام تجاوزت مستويات السنوات السابقة بصورة ملحوظة.
ويرى دياب أن استمرار الظروف الضاغطة قد يقود إلى ترحيل قسري للسكان إذا دفعتهم إلى مغادرة أماكن سكنهم بصورة غير طوعية، مؤكداً أن التجمعات الرعوية الصغيرة في الأغوار وجنوب الخليل تعد، وفق تقارير حديثة، من أكثر المناطق هشاشة أمام هذا السيناريو.
ويوضح دياب أن ما تشهده أجزاء واسعة من الضفة الغربية يعكس تصاعداً غير مسبوق في عنف المستوطنين، وتنامياً في الضغوط الاقتصادية والأمنية المفروضة على المجتمعات الريفية الفلسطينية، إلى جانب ارتفاع المخاوف الدولية من تحول حالات النزوح الفردية والمحلية إلى ظاهرة أوسع نطاقاً إذا استمرت الاتجاهات الحالية، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية وسياسية وقانونية على مستقبل الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة.
إعادة تشكيل الواقع في الضفة الغربية
يؤكد الكاتب والباحث المختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية لم تعد تُفهم باعتبارها أعمالاً فردية أو حوادث منفلتة، وإنما تمثل جزءاً من سياسة منظمة ومؤسسية تنسجم مع الرؤية التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية.
ويوضح مناع أن المستوطنين باتوا يؤدون دور "اليد الخلفية" للحكومة الإسرائيلية في المناطق المستهدفة، من خلال تنفيذ سلسلة من الاعتداءات التي تشمل مهاجمة القرى من أطرافها، واستهداف المزارعين والرعاة، وإحراق المزروعات، والاستيلاء على الممتلكات، وفرض السيطرة على الطرق والينابيع والمراعي، بما يوسع النفوذ الاستيطاني ويقيد الوجود الفلسطيني في المناطق المفتوحة.
تحول في طبيعة العنف الاستيطاني ووظيفته
ويؤكد مناع أن العنف الاستيطاني شهد تحولاً واضحاً في طبيعته ووظيفته، إذ لم يعد يقتصر على أعمال الترهيب أو الاعتداءات الانتقامية، بل أصبح وسيلة ضغط يومية تُستخدم لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي قرارات سياسية معلنة، عبر تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة وتوسيع نطاق السيطرة الاستيطانية بصورة تدريجية.
ويشير مناع إلى أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أعلن بصورة صريحة رؤيته القائمة على تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية، إلا أن الأخطر يتمثل في أن التهجير لا يجري بالضرورة عبر قرارات رسمية مباشرة، وإنما من خلال خلق بيئة طاردة للحياة الفلسطينية، ولا سيما في القرى والتجمعات المحاذية للبؤر الاستيطانية.
ويؤكد مناع أن الفلسطيني عندما يفقد الشعور بالأمان، ويُحرم من الوصول إلى أرضه أو مزرعته أو مرعاه، وتتكرر الاعتداءات على ممتلكاته من دون حماية أو محاسبة، فإن البقاء في أرضه يتحول إلى معركة يومية شاقة. ويعتبر مناع أن هذه الظروف تدفع السكان تدريجياً إلى مغادرة المناطق الطرفية، ضمن مسار "التهجير الزاحف"، الذي يبدأ بتخويف المواطنين، ثم تجفيف مقومات صمودهم وسبل عيشهم، وصولاً إلى إفراغ مناطق كاملة من سكانها الأصليين وفتح المجال أمام التوسع الاستيطاني وفرض واقع جديد على الأرض.
المصدر:
القدس