مع مرور ألف يوم على العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، تبرز ملامح إبادة ممنهجة استهدفت البنية التعليمية بشكل كامل. كشفت تحقيقات استقصائية حديثة، اعتمدت على بيانات الأقمار الصناعية التابعة للأمم المتحدة، عن تحويل المؤسسات الأكاديمية إلى أهداف عسكرية مباشرة ضمن سياسة تهدف لتفكيك مقومات الحياة الأساسية للفلسطينيين.
أظهرت المعطيات الرقمية الموثقة حتى نهاية يونيو 2026 حجم دمار غير مسبوق، حيث طال الاستهداف 529 منشأة تعليمية في مختلف أنحاء القطاع. وتوزعت هذه الأضرار بين تدمير كلي لـ 247 مبنى، ودمار جزئي لحق بـ 282 منشأة أخرى، مما أفقد آلاف الطلبة بيئتهم التعليمية الآمنة.
تصدرت مدينة غزة قائمة المناطق الأكثر تضرراً، حيث سحقت آلة الحرب الإسرائيلية 72 مدرسة و7 جامعات بشكل كامل. كما تعرضت 119 مدرسة و7 جامعات إضافية في المدينة لأضرار جزئية جسيمة، مما جعل استئناف العملية التعليمية فيها ضرباً من المستحيل في الوقت الراهن.
في شمال القطاع، لم يكن الوضع أقل مأساوية، إذ خرجت 55 مدرسة وجامعة عن الخدمة تماماً نتيجة القصف المباشر. وبالإضافة إلى ذلك، تضررت 40 مدرسة أخرى جزئياً، مما يعكس إصرار الاحتلال على تغييب المؤسسات التربوية في المناطق الشمالية التي تعرضت لحصار خانق.
شهدت مدينة خان يونس جنوبي القطاع دماراً واسع النطاق طال 80 مدرسة وجامعة بشكل كلي، فيما تضررت 64 منشأة تعليمية أخرى جزئياً. وتؤكد هذه الأرقام أن الاستهداف لم يكن عشوائياً، بل شمل كافة المراكز الحيوية التي تخدم الكثافة السكانية العالية في الجنوب.
أما في مدينة رفح، فقد أدت العمليات العسكرية إلى مسح 24 مدرسة وجامعة من الخارطة التعليمية بشكل كامل، إلى جانب تضرر 40 مؤسسة أخرى. وفي المنطقة الوسطى، وتحديداً في دير البلح، دمر الاحتلال 7 مدارس كلياً، بينما طال الدمار الجزئي 15 مدرسة وجامعتين.
وفقاً للمنهجية المتبعة في تصنيف الأضرار، فإن المباني المدمرة كلياً هي تلك التي انهارت تماماً أو وصلت لمرحلة تستوجب الإزالة وإعادة البناء. أما المنشآت المصنفة كأضرار جزئية، فهي التي تعرضت لضربات هيكلية كبيرة لكنها لا تزال قائمة، مع حاجتها لعمليات ترميم واسعة ومعقدة.
تتجاوز الأزمة مجرد هدم الجدران، إذ تقع 179 منشأة تعليمية حالياً داخل مناطق السيطرة العسكرية الإسرائيلية المعروفة بـ 'الخط الأصفر'. هذا التموضع العسكري يمنع أي محاولات لتقييم الأضرار أو البدء في عمليات ترميم المباني التي لا تزال قائمة، مما يعطل عودة الطلاب إليها.
تشير التقارير إلى أن 122 منشأة تعليمية دُمرت بالكامل بعد وقوعها تحت سيطرة قوات الاحتلال، مما يشير إلى تعمد تدميرها بعد انتهاء العمليات القتالية فيها. كما أن وجود 57 منشأة متضررة جزئياً داخل هذه المناطق يجعل الاستفادة منها مستحيلاً في ظل الطوق العسكري المفروض.
إن بقاء المؤسسات التعليمية رهينة للوجود العسكري الإسرائيلي يضع تحديات هائلة أمام مستقبل الأجيال الفلسطينية في غزة. فأي جهود دولية لإعادة الإعمار ستصطدم بالواقع الميداني الذي يفرضه الاحتلال، مما يطيل أمد الحرمان التعليمي لسنوات طويلة قادمة.
لم يكتفِ العدوان بتدمير الحجر، بل غير وظيفة ما تبقى من المدارس لتصبح مراكز إيواء اضطرارية لمئات آلاف النازحين. ومع فقدان الفلسطينيين لمنازلهم، باتت الفصول الدراسية المتبقية الملاذ الوحيد للعائلات، مما أدى إلى توقف القدرة التشغيلية للمنظومة التعليمية بالكامل.
أكدت مصادر رسمية في قطاع غزة أن 100% من المدارس تعرضت لأضرار مادية متفاوتة نتيجة القصف المباشر وغير المباشر. وأوضحت المصادر أن 81% من المباني المدرسية في القطاع باتت بحاجة ماسة إلى إعادة بناء شاملة أو عمليات تأهيل رئيسية قبل أن تصلح للاستخدام مجدداً.
على الصعيد البشري، كانت الفاتورة باهظة جداً، حيث أودت الحرب بحياة أكثر من 20 ألف طالب وطالبة في مختلف المراحل التعليمية. كما اضطر نحو 19 ألفاً و800 طالب لمغادرة القطاع بحثاً عن الأمان أو لاستكمال تعليمهم في الخارج، في ظل انهيار المنظومة المحلية.
تختتم الإحصائيات مشهداً قاتماً بحرمان أكثر من 620 ألف طالب مدرسي و90 ألف طالب جامعي من حقهم الأساسي في التعليم. هذا الانقطاع القسري يهدد بضياع مستقبل جيل كامل، في ظل استمرار الاحتلال في استهداف 17 مؤسسة للتعليم العالي وتدميرها بشكل كلي أو جزئي.
المصدر:
القدس