كشفت مصادر صحفية أمريكية عن تفاصيل مثيرة تتعلق بسعي إسرائيل لاغتيال كبار المفاوضين الإيرانيين، بالتزامن مع إجراء واشنطن محادثات حساسة مع طهران في الربيع الماضي. ووفقاً لمسؤولين أميركيين، فإن هذه التحركات الإسرائيلية كانت تهدف بشكل مباشر إلى تقويض المساعي الرامية للتوصل إلى اتفاق سلام مؤقت بين الطرفين.
وأوضحت التقارير أن المخاوف الأمريكية تصاعدت بشكل ملحوظ بشأن استهداف وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. وقد بدأت هذه الهواجس منذ انطلاق مفاوضات وقف إطلاق النار في شهر أبريل الماضي، حيث اعتبرت واشنطن أن أي مساس بهاتين الشخصيتين سيعني نهاية المسار الدبلوماسي.
وبسبب التخوف من إفشال المفاوضات، لجأت الولايات المتحدة إلى خطوات غير مسبوقة عبر مطالبة دول إقليمية بتحذير طهران من احتمالية استهداف إسرائيل لمسؤوليها. وتعكس هذه الخطوة حجم التباين في الرؤى بين واشنطن وتل أبيب، حيث كانت الأخيرة ترى في الاغتيالات وسيلة لإسقاط الحكومة الإيرانية.
وأقر مسؤولون في الإدارة الأمريكية بأن عراقجي وقاليباف كانا يمثلان أهدافاً مشروعة لإسرائيل في مراحل الحرب المحتدمة بصفتهما مسؤولين بارزين. إلا أن الرؤية الأمريكية تغيرت مع بدء المفاوضات الجدية، حيث أصبح الحفاظ على حياتهما ضرورة لاستمرار الحوار ومنع اشتعال المواجهة العسكرية الشاملة مجدداً.
وتعود جذور الصراع الحالي إلى الضربة الإسرائيلية في 28 فبراير التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي ومسؤولين كبار آخرين. وفي حين ركزت العمليات الأمريكية على تحييد القدرات البحرية والصاروخية، وضعت إسرائيل تصفية القيادة السياسية والعسكرية على رأس أولوياتها الاستراتيجية منذ اللحظات الأولى.
وشملت قائمة الاغتيالات الإسرائيلية شخصيات وصفت بالبراغماتية، كانت واشنطن تأمل في التوصل إلى تفاهمات معها لإنهاء الأزمة. ومن أبرز هؤلاء علي لاريجاني، كبير مسؤولي الأمن القومي، وكمال خرازي، وزير الخارجية الأسبق، اللذان قتلا في غارات جوية بينما كانا منخرطين في قنوات اتصال مع الولايات المتحدة.
وتكشف هذه المعطيات عن مدى التباعد السريع بين الأهداف الحربية لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل بعد فترة من التوافق. فبينما كانت واشنطن تضغط باتجاه إرساء سلام دائم، أبدت إسرائيل تشككاً عميقاً وحاولت تعطيل هذا المسار عبر استهداف الشخصيات المحورية في عملية التفاوض.
ويُعد قاليباف وعراقجي المحركين الرئيسيين للمفاوضات التي جرت في عدة عواصم إقليمية ودولية بهدف الوصول إلى وقف إطلاق النار. وقد أكدت مصادر مطلعة أن إسرائيل أدرجت الرجلين ضمن قائمة أهدافها منذ مارس الماضي، قبل أن تضطر لإزالتهما مؤقتاً بضغط أمريكي مباشر.
وكشفت التقارير أن محمد باقر قاليباف نجا من الموت بأعجوبة في مرتين سابقتين، إحداهما خلال حرب الأيام الاثني عشر في عام 2025. أما المرة الثانية فكانت خلال العام الحالي عندما استهدفت غارة إسرائيلية مخبأً سرياً محصناً تحت الأرض كان يضم اجتماعاً لكبار المسؤولين الإيرانيين.
ووفقاً لشهادات مسؤولين إيرانيين، فقد تم انتشال قاليباف من تحت الأنقاض في كلتا الحادثتين، مما دفع طهران لاتخاذ تدابير أمنية مشددة للغاية. وشملت هذه التدابير تغيير بروتوكولات التحرك والسفر، خاصة خلال الرحلات الخارجية التي تتطلب تنسيقاً أمنياً مع الدول المضيفة والوسطاء.
وفي شهر أبريل الماضي، وخلال توجه قاليباف إلى إسلام أباد للقاء نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، طلبت طهران ضمانات أمنية صارمة. وسعت إيران عبر وسطاء من قطر وباكستان للحصول على تعهدات أمريكية بمنع أي عمليات سرية إسرائيلية تستهدف الوفد الإيراني المشارك في المحادثات.
وقد رافقت طائرات مقاتلة من سلاح الجو الباكستاني الطائرة الإيرانية التي كانت تقل الوفد المكون من 70 مسؤولاً لتأمينها من أي اعتراض جوي. ورغم هذه الاحتياطات، واجه الوفد تهديداً أمنياً خطيراً أثناء رحلة العودة، بعد رصد تحركات لمقاتلات إسرائيلية بالقرب من الحدود الغربية لإيران.
وأفادت مصادر أمنية أن طائرة قاليباف اضطرت للهبوط اضطرارياً في مدينة مشهد القريبة من الحدود الباكستانية لتفادي التهديد الجوي الإسرائيلي. واضطر الوفد الإيراني بعد ذلك لإكمال طريقه إلى العاصمة طهران براً في رحلة شاقة استغرقت ثماني ساعات تحت حراسة مشددة.
ورغم هذه المخاطر، استمرت الجولات التفاوضية حيث سافر عراقجي وقاليباف لاحقاً إلى قطر وسويسرا لمواصلة النقاشات مع الوفد الأمريكي. وتظهر هذه الأحداث حجم التعقيد الذي يحيط بملف السلام في المنطقة، في ظل صراع الإرادات بين الرغبة الأمريكية في التهدئة والإصرار الإسرائيلي على الحسم العسكري.
المصدر:
القدس