د. أحمد رفيق عوض: من غير المرجح قبول إيران بالصيغة المطروحة للاتفاق اللبناني–الإسرائيلي ما قد يجعل هذا التفاهم محكوماً بالفشل منذ البداية
عريب الرنتاوي: الاتفاق "جائزة ترضية" لإسرائيل على حساب اللبنانيين وبنوده تعكس أولوية استهداف حزب الله وإيران أكثر من معالجة قضية احتلال جنوب لبنان
د. أمجد شهاب: هاجس الحرب الأهلية قد يدفع مختلف القوى اللبنانية لإسقاط الاتفاق انطلاقاً من قناعة بأن كلفة الانزلاق إلى صراع داخلي ستكون أكبر بكثير
د. رائد الدبعي: أبرز أخطاء الاتفاق الوقوع في فخ المرحلية عبر تأجيل ملفات جوهرية وربط معالجتها بقضية نزع سلاح حزب الله وفق الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية
سامر عنبتاوي: الاتفاق يهيئ لخلق انقسام داخلي بين تيار يؤيد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وآخر يتمسك بخيار المقاومة وربط الملف اللبناني بالسياق الإقليمي
رام الله – خاص بـ"القدس"–
تتزايد التحذيرات من أن يقود اتفاق الإطار اللبناني–الإسرائيلي، برعاية أمريكية، إلى إعادة إنتاج نموذج اتفاق أوسلو الخاص بالقضية الفلسطينية، ضمن اتفاقات انتقالية طويلة الأمد تمنح إسرائيل مكاسب أمنية وسياسية، مقابل تأجيل القضايا الجوهرية المرتبطة بالسيادة والانسحاب والحدود.
ويرون أن الاتفاق يتجاوز كونه تفاهمات أمنية ليشكل جزءاً من إعادة ترتيب المشهد الإقليمي، عبر فصل الملف اللبناني عن مسار التفاهمات الأمريكية–الإيرانية، وتقليص الدور الإيراني في لبنان، مع فتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية جديدة.
ويحذرون من أن غياب التوافق الداخلي اللبناني، واستمرار الخلاف حول سلاح حزب الله، قد يحول الاتفاق إلى مصدر انقسام داخلي، ويؤدي إلى تصاعد التوترات السياسية والأمنية، وربما يفتح المجال أمام تدخلات إقليمية أوسع.
تقاطع الاتفاق مع أوسلو
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل لا يمثل تكراراً لاتفاق أوسلو من حيث الظروف أو الأهداف أو آليات التنفيذ والنتائج، إلا أنه يتقاطع معه في مجموعة من السمات الأساسية التي تمنح إسرائيل أفضلية سياسية وأمنية، وتجعلها صاحبة الكلمة الفصل في نجاح الاتفاق أو تعطيله، معتبراً أن ذلك يشكل أحد أخطر جوانب التفاهم المطروح.
أهداف سياسية تتجاوز الشأن اللبناني
ويؤكد عوض أن الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي يحمل أهدافاً سياسية تتجاوز الشأن اللبناني، إذ يسعى إلى فصل ما يعرف بـ"وحدة الساحات"، وترسيخ الهيمنة والنفوذ الإسرائيلي في المنطقة، فضلاً عن فتح الطريق أمام مسار تطبيع أوسع قد يشمل لبنان، وربما سوريا ودولاً أُخرى.
وفي قراءته لمستقبل الاتفاق، يطرح عوض عدة سيناريوهات محتملة، أولها احتمال وقوع مواجهة مباشرة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، الأمر الذي قد يقود إلى اندلاع حرب أهلية داخل لبنان، في ظل الانقسام الداخلي حول الاتفاق وآليات تنفيذه.
ويشير عوض إلى أن السيناريو الثاني يتمثل في اتساع رقعة الصراع إذا تطورت المواجهات الداخلية إلى تدخل أطراف عربية وإقليمية، على غرار ما شهدته الساحة اللبنانية خلال سبعينيات القرن الماضي، لافتاً إلى أن الاتفاق يمنح الدولة اللبنانية إمكانية طلب المساعدة من أطراف خارجية، وهو ما قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية، من بينها سوريا، بما ينذر بإعادة تفجير الأوضاع في المنطقة.
ويلفت عوض إلى سيناريو ثالث يقوم على نجاح الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية في الحد من نفوذ حزب الله داخل مناطق محددة، أو إبعاده عن بعض المناطق، معتبراً أن هذا الاحتمال قائم، لكنه يواجه تحديات كبيرة تقلل من فرص تنفيذه بصورة كاملة.
رفض إيران الاتفاق
أما السيناريو الذي يرجحه عوض، فيتمثل في رفض إيران للاتفاق والعمل على إفشاله، مستنداً إلى وجود تفاهمات سابقة بين طهران وواشنطن بشأن وقف إطلاق النار في لبنان.
ويرى أنه من غير المرجح قبول إيران بالصيغة المطروحة للاتفاق اللبناني–الإسرائيلي، الأمر الذي قد يجعل هذا التفاهم محكوماً بالفشل منذ البداية، ويضع عراقيل جدية أمام دخوله حيز التنفيذ، في ظل تعقيدات المشهدين اللبناني والإقليمي.
مكاسب سياسية وأمنية كبيرة لإسرائيل
يعتبر مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل منح تل أبيب مكاسب سياسية وأمنية كبيرة، معوضاً حالة الإحباط التي أصابتها عقب مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية، واصفاً الاتفاق بأنه "جائزة ترضية" لإسرائيل جاءت على حساب اللبنانيين، ومؤكداً أن بنوده تعكس أولوية استهداف حزب الله وإيران أكثر من معالجة قضية الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.
ويوضح الرنتاوي أن الاتفاق لا يقتصر على التشابه مع اتفاق أوسلو، بل يذهب إلى صيغة أكثر سوءاً، لافتاً إلى أن بنوده الأربعة عشر لم تتضمن أي إشارة صريحة إلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، بينما تكرر الحديث عن نزع السلاح خمس مرات، الأمر الذي يعكس أن الاتفاق يضع حزب الله وإيران في موقع "العدو"، ويمنح إسرائيل شرعية للاستمرار في المنطقة الأمنية جنوب لبنان تحت مسميات المناطق التجريبية.
الهدف الأساسي بإضعاف حزب الله والنفوذ الإيراني
ويؤكد الرنتاوي أن صياغة الاتفاق وترتيب أولوياته والتزاماته تؤكد أن الهدف الأساسي يتمثل في إضعاف حزب الله والنفوذ الإيراني، معتبراً أن الحكومة اللبنانية لا تملك القدرة السياسية أو الميدانية لتنفيذ الالتزامات الواردة فيه من دون تفاهم مع حزب الله، وهو ما يجعل فرص تطبيقه محدودة، مستذكراً اتفاق 17 أيار عام 1983 الذي لم يصمد وأُسقط لاحقاً.
ويشير إلى أن الاتفاق ولد في ظروف متسارعة ضمن سباق بين مسارين تفاوضيين، أحدهما تقوده واشنطن والآخر يرتبط بمسار إسلام آباد–جنيف، معتبراً أن الاستعجال في الإعلان عنه جاء لإظهار تقدم المسار الأمريكي، رغم بقاء العديد من القضايا الجوهرية دون حسم.
ويلفت الرنتاوي إلى أن النص الكامل للاتفاق لم يُنشر بعد، وأن المتداول حتى الآن يستند إلى قراءات إسرائيلية ولبنانية، الأمر الذي يجعل تقييمه النهائي سابقاً لأوانه.
تعديل مخرجات مذكرة التفاهم مع إيران
ويرى الرنتاوي أن الاتفاق يأتي في سياق تحركات أمريكية أوسع لإعادة تفسير أو تعديل مخرجات مذكرة التفاهم مع إيران، مستشهداً باجتماع المنامة ومخرجاته التي ركزت على ملفات الصواريخ والأذرع المسلحة ونزع السلاح، معتبراً أن ما جرى في واشنطن يمثل امتداداً لهذا التوجه.
وبشأن السيناريوهات المقبلة، يتوقع الرنتاوي تصاعد التوتر في الساحة اللبنانية وربما على مستوى المواجهة مع إيران، مشيراً إلى أن واشنطن تدرك أن طهران وحزب الله لن يقبلا بصيغة الاتفاق الحالية، وهو ما قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى البحث عن صيغة جديدة تحول دون انهيار مذكرة التفاهم الأساسية.
ويعتبر الرنتاوي أن الاتفاق يعكس وجود تباين داخل الإدارة الأمريكية بين التيار المتشدد الذي يمثله وزير الخارجية ماركو روبيو، وبين أطراف أخرى تسعى إلى الحفاظ على مسار التفاهمات مع إيران، مرجحاً أن يبقى الاتفاق بداية قد لا تصل إلى نهايتها.
التشابه مع أوسلو بالبنية الأمنية وآليات التنفيذ
يعتبر أستاذ العلوم السياسية والقانون العام د.أمجد شهاب أن اتفاق الإطار الإسرائيلي–اللبناني يقوم في جوهره على ترتيبات أمنية تمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية من دون تقديم تنازلات حقيقية، مشيراً إلى وجود تشابه كبير بينه وبين اتفاق أوسلو من حيث البنية الأمنية وآليات التنفيذ والنتائج المتوقعة.
ويشير إلى مثل يهودي مفاده: "أعطِ عدوك انطباعاً بأنك قدمت تنازلاً، بينما في الحقيقة لم تقدم شيئاً"، معتبراً أن هذا المبدأ ينعكس بوضوح في مضمون الاتفاق.
ويوضح شهاب أن الاتفاق يمنح إسرائيل دوراً مباشراً في ترتيبات الأمن داخل جنوب لبنان، بما يشمل الإشراف على اختيار الجنود الذين سينتشرون في المنطقة، معتبراً أن الهدف الأساسي يتمثل في نقل المواجهة مع حزب الله من إسرائيل إلى الدولة اللبنانية، ودفع الحكومة اللبنانية إلى تحمل مسؤولية نزع سلاح الحزب، مع إمكانية الاستعانة بدول عربية لتنفيذ هذه المهمة، وهو يمثل انتصاراً سياسياً وأمنياً كبيراً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
نزع سلاح حزب الله والشرط المستحيل
ويشير شهاب إلى أن إسرائيل لم تقدم أي التزام فعلي بالانسحاب من الجنوب اللبناني، إذ ربطت ذلك بتجريد حزب الله من السلاح في جميع أنحاء لبنان، وهو شرط شبه مستحيل التطبيق في ظل الثقل الشعبي والسياسي لحزب الله، الأمر الذي يرجح بقاء الحزام الأمني تحت السيطرة الإسرائيلية لفترة طويلة.
ويوضح شهاب أن إسرائيل قامت بتدمير القرى الواقعة ضمن هذه المنطقة بهدف تثبيت وجودها وتقليل خسائرها البشرية في أي حرب استنزاف مستقبلية.
تعزيز الشكوك بتنفيذ أي انسحاب من جنوب لبنان
ويرى شهاب أن الاتفاق يعيد إنتاج تجربة اتفاق أوسلو، إذ يقوم على اعتراف بسيادة إسرائيل مقابل وعود مستقبلية بالانسحاب، مستشهداً بأن إسرائيل، بعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيع أوسلو، لم تنسحب من الضفة الغربية، ما يعزز الشكوك بشأن تنفيذ أي انسحاب من جنوب لبنان.
ويتوقع شهاب أن يتحول الاتفاق إلى تفاهم مؤقت يصعب تطبيقه عملياً، مع احتمال تصاعد التوترات الداخلية إذا حاولت الحكومة اللبنانية تنفيذه أو إذا تمكن حزب الله من إسقاطها، لافتاً إلى أن إعلان الحزب عدم التزامه بهذه التفاهمات، إلى جانب ردود الفعل الشعبية، قد يعرقل تنفيذها.
الاستمرار بتنفيذ عمليات الاغتيال والقصف
ويشير شهاب إلى احتمال استمرار إسرائيل في تنفيذ عمليات اغتيال وقصف مستندة إلى بند "حرية العمل"، وربما توجيه ضربات جديدة لقيادات الحزب.
ويعتبر أن إسقاط الاتفاق يبقى احتمالاً قائماً، سواء قانونياً استناداً إلى الدستور اللبناني الذي يعتبر إسرائيل دولة عدو، أو عملياً بسبب عدم قدرة الحكومة على تنفيذه وغياب الغطاء السياسي اللازم.
ويعتقد شهاب أن هاجس الحرب الأهلية الذي ما زال حاضراً في الذاكرة اللبنانية قد يدفع مختلف القوى إلى إسقاط الاتفاق، انطلاقاً من قناعة بأن كلفة الانزلاق إلى صراع داخلي ستكون أكبر بكثير من استمرار الوضع القائم.
محاولة لفصل الملف اللبناني
يرى الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن اتفاق الإطار الإسرائيلي–اللبناني برعاية وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو يمثل تحولاً سياسياً وأمنياً يصب، في مجمله، لمصلحة إسرائيل، معتبراً أنه يشكل محاولة أمريكية لفصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات مع إيران، وفي الوقت ذاته دعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سياسياً وترميم موقعه الداخلي، في ظل التفاهمات الأمريكية–الإيرانية الجارية.
اعتراف لبناني رسمي بإسرائيل
ويشير ياغي إلى أن الاتفاق، المؤلف من 14 بنداً، يكرس مفهوم السيادة بين لبنان وإسرائيل دون تحديد الحدود الجغرافية وفق قرارات الشرعية الدولية، معتبراً أن ذلك يرقى إلى اعتراف لبناني رسمي بإسرائيل.
ويلفت ياغي إلى أن الانسحاب الإسرائيلي الأولي يقتصر على منطقتين خارج ما يسميه "المنطقة الأمنية"، فيما يبقى الانسحاب الكامل مشروطاً بنزع سلاح حزب الله وسائر الجماعات المسلحة من جميع الأراضي اللبنانية، وليس من الجنوب فقط، إلى جانب ترتيبات أمنية إضافية، وهو ما يعني أن إسرائيل لا تقدم التزاماً نهائياً بالانسحاب.
عناصر مشابهة لاتفاق أوسلو
ويوضح ياغي أن الاتفاق يمنح إسرائيل حرية الحركة داخل المنطقة الأمنية، ويتضمن بنوداً تتحدث عن تشكيل مجموعات عمل واتصال وتعاون أمني بين الجانبين، فضلاً عن التعاون في ملاحقة الجماعات المسلحة وتجفيف مصادر تمويلها، معتبراً أن ذلك قد يؤسس لعلاقة جديدة بين لبنان وإسرائيل تحمل عناصر مشابهة لاتفاق أوسلو، تقوم على التنسيق الأمني وربط أي انسحاب إسرائيلي بنزع السلاح.
ويعتبر ياغي أن الاتفاق ينهي عملياً أي دور إيراني في ملف وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ويمنح الولايات المتحدة مساحة أوسع للمناورة في مفاوضاتها مع طهران.
ويرى ياغي أن الاتفاق يسمح للحكومة اللبنانية بطلب دعم دول عربية للقضاء على حزب الله، وهو ما ينسجم مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول دور سوري مستقبلي في لبنان.
ويلفت ياغي إلى أن الاتفاق يتضمن قيوداً على التحركات اللبنانية في المؤسسات الدولية، ويقيد قدرة بيروت على اتخاذ مواقف سياسية أو قانونية ضد إسرائيل، كما يربط ملفات الأسرى والرفات بإجراءات حسن نية، من دون إلزام إسرائيلي واضح بالإفراج عن جميع الأسرى.
مرحلة جديدة من الانقسام الداخلي اللبناني
ويشير ياغي إلى أن الاتفاق يؤسس لمرحلة جديدة من الانقسام الداخلي اللبناني، محذراً من أنه قد يزرع بذور فتنة وصراع أهلي إذا جرى تطبيقه، في ظل ما يعتبره اصطفافاً سياسياً بين الرئاسة اللبنانية ورئاسة الحكومة من جهة، والثنائي الشيعي من جهة أخرى.
ويطرح ثلاثة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة، أولها انزلاق لبنان إلى مواجهة داخلية أو حرب أهلية، والثاني انهيار وقف إطلاق النار وعودة المواجهة العسكرية بين حزب الله وإسرائيل، أما الثالث فيتمثل في بقاء الوضع القائم نتيجة عجز الدولة اللبنانية عن تنفيذ بنود الاتفاق، مع استمرار معادلة "الهدوء مقابل الهدوء والتصعيد مقابل التصعيد".
ويرى ياغي أن أخطر الاحتمالات يتمثل في تحول الصراع اللبناني الداخلي إلى مواجهة إقليمية أوسع عبر تدخل أطراف خارجية، مشيراً إلى أن اتفاق الإطار قد لا يرى النور بسبب طبيعة التوازنات السياسية الداخلية في لبنان.
مخاطر الوصول لمآلات شبيهة بتجربة أوسلو
يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية د.رائد الدبعي أن الاتفاق بين لبنان وإسرائيل لا يشكل نسخة جديدة من اتفاق أوسلو من الناحيتين القانونية والسياسية، إلا أنه يحمل مخاطر الوصول إلى مآلات شبيهة بتجربة أوسلو، عبر إنتاج اتفاق انتقالي طويل الأمد يمنح إسرائيل مكاسب أمنية ويؤجل حسم القضايا السيادية الأساسية، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية وملفات الحدود والموارد الطبيعية.
ويوضح الدبعي أن هناك اختلافات جوهرية بين الحالتين، أبرزها أن لبنان دولة ذات سيادة وفق القانون الدولي، بخلاف وضع منظمة التحرير الفلسطينية عند توقيع اتفاق أوسلو، كما أن حزب الله يمثل فاعلاً حزبياً وعسكرياً ضمن محور إقليمي، وليس الممثل الوحيد للشعب اللبناني.
ويرى الدبعي أن عناصر التشابه تبقى حاضرة، وفي مقدمتها اختلال ميزان القوى لمصلحة إسرائيل عسكرياً وأمنياً واقتصادياً، إلى جانب الضغوط التي يواجهها حزب الله نتيجة حرب الاستنزاف والتغيرات الإقليمية التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023، بما يستحضر الظروف التي أحاطت بالقضية الفلسطينية بعد حرب الخليج الأولى.
الرعاية الأمريكية للاتفاق اللبناني تعكس النهج ذاته
ويشير الدبعي إلى أن الرعاية الأمريكية للاتفاق اللبناني تعكس النهج ذاته الذي حكم عملية التسوية الفلسطينية، حيث بقيت واشنطن الطرف الأكثر تأثيراً في إدارة المفاوضات بما ينسجم مع الأولويات الأمنية والتوسعية الإسرائيلية، رغم محاولات فرنسا لعب دور داعم.
ويعتبر الدبعي أن الحديث عن استعادة السيادة اللبنانية يذكر بالشعارات التي رافقت الوعود بإقامة الدولة الفلسطينية، دون الوصول إلى نتائج ملموسة.
وقوع في فخ المرحلية
ويرى الدبعي أن أبرز أخطاء الاتفاق يتمثل في الوقوع في فخ المرحلية، عبر تأجيل ملفات جوهرية مثل مزارع شبعا، وبلدة الغجر، والحدود البرية، والانتهاكات الجوية، وربط معالجتها بقضية نزع سلاح حزب الله وفق الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية.
ويعتبر الدبعي أن الاتفاق يكرر منطق تقديم الأمن على السياسة والحقوق، إذ يجري ربط أي انسحاب إسرائيلي بإنهاء ما تعتبره إسرائيل تهديداً يمثله حزب الله، بما يعيد إنتاج معادلة أولوية الأمن على حساب القضايا السياسية والسيادية.
ويؤكد الدبعي أن غياب التوافق الداخلي يمثل عاملاً مشتركاً آخر مع تجربة أوسلو، محذراً من أن أي اتفاق لا يحظى بتفاهم مع حزب الله وبيئته السياسية قد يتحول إلى مصدر أزمة داخلية.
استمرار التهدئة الهشة
وبشأن السيناريوهات المقبلة، يرجح الدبعي استمرار تهدئة هشة تقوم على اتفاق أمني محدود يثبت وقفاً نسبياً لإطلاق النار، مع بقاء ملفات سلاح حزب الله، والخروقات الإسرائيلية، وقضايا الحدود من دون حل، معتبراً أن هذا السيناريو هو الأكثر واقعية.
أما سيناريو انهيار الاتفاق وما قد يقود إليه من حرب أهلية، أو تحوله إلى اتفاق شامل، فيراه الدبعي أقل ترجيحاً في ظل غياب البيئة السياسية والإرادة الأمريكية والإسرائيلية اللازمة لتحقيق ذلك.
انعكاسات أكثر خطورة من اتفاق أوسلو
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن اتفاق المبادئ المعلن بين لبنان وإسرائيل جاء في ظروف تشبه إلى حد كبير اتفاق أوسلو، بل قد يكون أكثر خطورة من حيث انعكاساته، نظراً لاختلاف موازين القوى داخل لبنان واستمرار الوجود الإسرائيلي في الجنوب.
ويشير إلى أن الاتفاق يمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية ويقيد الموقف اللبناني في أي مفاوضات لاحقة.
ويوضح عنبتاوي أن الحكومة اللبنانية سعت، من خلال الاتفاق، إلى تأكيد أن الملف اللبناني يخضع لسلطة الدولة وليس لإيران، وإثبات أنه ملف داخلي يحظى بدعم عربي، بعيداً عن مسار المفاوضات الأمريكية–الإيرانية.
ويرى عنبتاوي أن هذا التوجه جاء على حساب ثوابت أساسية، بعدما وفر لإسرائيل شرعية للاستمرار في احتلال الجنوب اللبناني، في وقت كانت فيه الضغوط الإقليمية، ولا سيما الإيرانية، تدفع باتجاه وقف شامل لإطلاق النار وربط الانسحاب الإسرائيلي بالمفاوضات الدائرة مع واشنطن.
الاتفاق وإضعاف أوراق الضغط اللبنانية
ويشير عنبتاوي إلى أن الاتفاق أضعف أوراق الضغط اللبنانية، بعدما فصل الملف اللبناني عن المفاوضات الإقليمية، ومنح إسرائيل دور الطرف المراقب والحكم في تنفيذ بنوده، من خلال اعتماد مناطق تجريبية تخضع لتقييمها، بما يسمح لها بتأجيل أي انسحاب بذريعة عدم تمكن الحكومة اللبنانية من بسط سيطرتها أو نزع سلاح المقاومة، الأمر الذي قد يطيل بقاء قواتها في الجنوب.
ويرى عنبتاوي أن الاتفاق يهيئ لخلق انقسام داخلي في لبنان بين تيار يؤيد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وآخر يتمسك بخيار المقاومة وربط الملف اللبناني بالسياق الإقليمي، محذراً من أن هذا الانقسام قد يتطور إلى صراع داخلي يدفع اللبنانيون ثمنه، بينما تستفيد منه إسرائيل لتعزيز أهدافها السياسية والعسكرية.
محاولة تقديم نتنياهو للاتفاق كانتصار سياسي
ويشير عنبتاوي إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاول استثمار الاتفاق لتقديمه كانتصار سياسي يعزز موقعه الداخلي، في حين تختلف الأهداف الأمريكية، إذ تسعى واشنطن إلى تهدئة الساحة اللبنانية تمهيداً لمعالجة ملفات إقليمية أوسع، بينما تواصل إسرائيل العمل على توسيع عملياتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع السعي إلى تثبيت سيطرتها في جنوب لبنان، وربما تكرار النموذج نفسه في جنوب سوريا.
صعوبات كبيرة في التطبيق
وبشأن مستقبل الاتفاق، يرجح عنبتاوي أن يواجه صعوبات كبيرة في التطبيق، بسبب رفض قوى المقاومة وعدم التزام إسرائيل ببنوده، متوقعاً استمرار الخروقات الإسرائيلية وتعثر الانسحاب، إلى جانب احتمال إصرار إيران على إعادة ربط الملف اللبناني بالمفاوضات الإقليمية.
ولم يستبعد عنبتاوي تصاعد عمليات المقاومة أو حدوث مواجهة داخلية بين الحكومة اللبنانية والمقاومة، معتبراً أن جميع السيناريوهات تبقى مفتوحة، في ظل تسرع الحكومة اللبنانية وعدم الاستفادة من التجارب السابقة التي أظهرت أن إسرائيل لا تلتزم بالاتفاقات عندما تتعارض مع مصالحها.
المصدر:
القدس