لا تزال بنود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مجرد نصوص غير مفعلة على أرض الواقع، حيث تؤكد التقارير الميدانية استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتصاعد وتيرة الكارثة الإنسانية. ويعيش أكثر من مليوني فلسطيني في واقع يزداد قسوة يوماً بعد آخر، حيث تحول البقاء إلى معركة يومية شاقة في ظل القصف والتهجير المستمر.
ورغم الإعلان عن تفاهمات لوقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، إلا أن الميدان سجل سقوط أكثر من ألف شهيد منذ ذلك الحين نتيجة الغارات الجوية والاستهدافات المتواصلة. وأفادت مصادر محلية بأن الانتهاكات لم تتوقف عند القصف، بل شملت تغييرات جغرافية واسعة تهدف إلى فرض واقع جديد داخل القطاع.
وفي تصريحات تعكس النوايا التوسعية، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن جيشه يسيطر حالياً على نحو 60% من مساحة قطاع غزة. وأشار نتنياهو إلى وجود توجيهات عسكرية لرفع هذه النسبة لتصل إلى 70%، عبر دفع الخطوط الأمامية وتوسيع ما يسمى بـ 'الخط الأصفر' لتقييد حركة السكان.
هذه التحركات الميدانية تفرض ضغوطاً هائلة على الأهالي، وتؤدي إلى تعميق أزمة النزوح القسري وحرمان السكان من الوصول إلى المساعدات الإنسانية الشحيحة أصلاً. وتترافق هذه التطورات مع تهديدات إسرائيلية مستمرة باستئناف العمليات العسكرية الشاملة تحت ذرائع أمنية، مما يضع القطاع أمام مستقبل مجهول.
وعلى الصعيد الإنساني، يواجه مئات الآلاف من النازحين ظروفاً بالغة السوء في مساحات جغرافية ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة. وقد أدى انهيار شبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، إلى تفشي الأوبئة والأمراض المعدية بين الأطفال وكبار السن.
وتشهد مخيمات النزوح حالة من التدهور غير المسبوق، حيث يعيش السكان داخل خيام متهالكة لا توفر حماية من تقلبات الطقس أو الحرارة الشديدة. ويغيب التيار الكهربائي بشكل كامل عن هذه التجمعات، في حين يمثل الحصول على مياه نظيفة تحدياً يومياً يتطلب الوقوف في طوابير طويلة لساعات.
منظمات دولية حذرت من أن استمرار هذا الوضع ينذر بكارثة لا يمكن احتواؤها، حيث وصف المجلس النرويجي للاجئين ما يحدث في غزة بأنه 'فضيحة دولية'. وأكد المجلس أن نحو 170 ألف أسرة تعيش في ظروف إيواء قاسية جداً، مع استمرار إغلاق المعابر التي تعد شريان الحياة الوحيد للسكان المحاصرين.
من جهتها، اعتبرت حركة حماس في بيان لها أن ما يتعرض له القطاع من حرب إبادة وتجويع وتدمير ممنهج يمثل خرقاً فاضحاً لكافة القوانين الدولية. وشددت الحركة على أن هذه السياسات الإسرائيلية تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني، لكنها لن تنجح في تحقيق أهدافها السياسية عبر الضغط الإنساني.
وفي شهادة ميدانية، أكد رأفت المجدلاوي، المدير العام لجمعية العودة الصحية أن القتل وتدمير المنازل والحصار لم يتوقف لحظة واحدة رغم الحديث عن تهدئة. وأوضح المجدلاوي أن المسؤولية الكاملة عن استمرار العدوان تقع على عاتق الاحتلال، واصفاً صمت المجتمع الدولي تجاه معاناة الملايين بـ 'وصمة العار'.
ووصف المجدلاوي الحياة داخل الخيام بأنها 'بالغة القسوة'، حيث تضطر عائلات كاملة للعيش في مساحات لا تتجاوز تسعة أمتار مربعة، مما يلغي أي خصوصية. وأشار إلى أن نصيب الفرد الواحد من المساحة داخل الخيمة قد لا يتعدى متراً واحداً، وهو وضع يفتقر لأبسط معايير الكرامة الإنسانية.
وتفتقر هذه المخيمات لوسائل الطهي الآمن أو الاستحمام المنتظم، حيث تعاني العائلات من شح شديد في المياه والوقود وغاز الطهي. وأضافت المصادر الطبية أن البيئة الحالية أصبحت غير صالحة للحياة البشرية نتيجة انتشار الحشرات والقوارض بشكل غير مسبوق، مما يهدد بوقوع كارثة صحية شاملة.
أما فيما يخص الأمن الغذائي، فإن أكثر من 700 ألف أسرة تعتمد على وجبة واحدة بسيطة يومياً تقدمها المطابخ الخيرية التي تعاني بدورها من نقص الإمكانيات. وتتكرر الأصناف الغذائية المحدودة مثل الأرز والعدس، بينما تفشل الكثير من الأسر في الحصول على حصتها بسبب الازدحام الشديد ونقص الكميات.
قطاع التعليم لم يكن بمنأى عن هذه المعاناة، حيث يضطر آلاف الطلاب لقطع مسافات طويلة بحثاً عن إشارة إنترنت لتقديم امتحاناتهم الإلكترونية. وكثيراً ما يفشل الطلاب في إتمام مهامهم الدراسية بسبب انقطاع الاتصالات والكهرباء، مما يهدد بضياع المستقبل الدراسي لجيل كامل من الفلسطينيين.
وختاماً، يجمع المراقبون والمسؤولون المحليون على أن الحرب في غزة تجاوزت العمل العسكري لتصبح حرباً على كل تفاصيل الحياة اليومية. إن انعدام الخدمات الصحية والتشخيص الطبي يجعل من الوصول إلى العلاج أمراً مستحيلاً، مما يؤكد أن ما يحدث هو عملية 'كسر للإنسانية' بكل أبعادها.
المصدر:
القدس