البيرة- "القدس" دوت كوم- أكد المشرف على كتاب "سياقات التفكير الفلسطيني في السياسة والثقافة والإعلام والاقتصاد والتعليم"، د.أحمد جميل عزم، أن فهم تحولات أنماط التفكير الفلسطيني يمثل مدخلاً أساسياً لإعادة بناء العمل الجمعي الفلسطيني وتعزيز التفكير النقدي، مشيراً إلى أن دراسة العقل الفلسطيني وتحولاته لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياق السياسي والثقافي والإعلامي والاقتصادي والتعليمي الذي تشكل داخله.
جاء ذلك خلال ورشة عمل نظمها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية "مسارات" لعرض ومناقشة الكتاب الصادر ضمن برنامج دراسة أنماط التفكير الفلسطيني الذي ينفذه المركز، حيث قدم عزم عرضاً لمنهجية الكتاب وأطروحاته الأساسية، مع تركيز خاص على الفصل الذي أعده حول تحولات الإعلام الفلسطيني تحت عنوان "من فلسطيننا إلى مجموعات الواتساب".
وأوضح عزم أن الأطروحة المركزية التي ينطلق منها الكتاب تتمثل في أن التفكير النقدي، بوصفه مهارة تفكير عليا، يحتاج إلى درجة عالية من الاستقرار السياسي والاجتماعي، في حين يعيش الشعب الفلسطيني حالة "نكبة مستمرة" تتجسد في موجات متلاحقة من العدوان الإسرائيلي وما يرافقها من صدمات جماعية وحملات مقاومة مضادة. ومع ذلك، شدد على أن استمرار الصدمات لا يلغي إمكانية بناء التفكير النقدي أو تطويره، مستشهداً بقدرة الفلسطينيين على تجاوز الصدمة الأولى للنكبة، وإنتاج بنية فكرية جمعية خلال النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، عبر صياغة تصور جامع للهوية الوطنية والبنية الاجتماعية والسياسية، مدعوماً بمؤسسات ومنتجات ثقافية وتعليمية فاعلة.
وأضاف أن الفلسطينيين، وعلى الرغم من نجاحهم في مراحل تاريخية معينة في بناء مشروع فكري وجمعي متماسك، افتقروا في كثير من المحطات اللاحقة إلى القدرة على ممارسة التفكير النقدي والموضوعي، نتيجة عوامل داخلية وخارجية متداخلة، أبرزها استمرار الهجوم الخارجي، والانقسام السياسي الداخلي، وتراجع وجود رؤية سياسية قادرة على التفاعل مع التحولات المتسارعة، إلى جانب التأثيرات العميقة للعولمة، وتحولات التكنولوجيا، وانتشار القوة والبيانات الكبرى.
واستعرض عزم مضامين فصول الكتاب التي تناولت أنماط التفكير الفلسطيني في المجالات السياسية والثقافية والإعلامية والاقتصادية والتعليمية، موضحاً أن دراسة هذه القطاعات مجتمعة تتيح فهماً أعمق لمسارات تشكل العقل الفلسطيني وتحولاته التاريخية والمعاصرة.
وفي عرضه للفصل الخاص بالإعلام، تتبع عزم تطور الإعلام الفلسطيني منذ ظهور مجلة "فلسطيننا" في أواخر خمسينيات القرن الماضي، مروراً بالصحافة الفصائلية وإعلام منظمة التحرير الفلسطينية خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى التحولات الجذرية التي شهدها المشهد الإعلامي الفلسطيني مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الإعلام الفردي، مثل "فيسبوك" و"إنستغرام"، وتطبيقات المراسلة مثل "واتساب"، بالتوازي مع انتشار الفضائيات العربية وتأثيرها في الجمهور الفلسطيني.
وأشار إلى أن إحدى الفرضيات الأساسية التي يناقشها الفصل تتمثل في أن الإعلام الفلسطيني نشأ أساساً بوصفه أداة للحفاظ على الروابط السياسية والاجتماعية بين الفلسطينيين، وضمان استمرار التواصل بينهم رغم الشتات الجغرافي، وتعزيز شعورهم بالانتماء إلى جماعة سياسية ووطنية واحدة. كما كان يُنظر إلى المؤسسات الإعلامية الفلسطينية باعتبارها جزءاً من أدوات الكفاح الوطني والتحرري، ما أدى إلى تداخل الأدوار بين العمل السياسي والتنظيمي والإعلامي، بحيث أصبحت المؤسسات الإعلامية في كثير من الأحيان امتداداً للعمل السياسي وواجهة له، وهو ما استمر لعقود طويلة.
وأكد عزم أن الإعلام يشكل إحدى أهم أدوات بناء العقل الجمعي الفلسطيني وصياغة تحولات الهوية الوطنية، موضحاً أن دراسة تطور المؤسسات الإعلامية الفلسطينية، وأنماط إدارتها وتمويلها وملكيتها وجمهورها المستهدف، تتيح فهم التحولات العميقة التي طرأت على أنماط التفكير الفلسطينية نفسها.
وأضاف أن الإعلام والمنتج الثقافي يمكن أن يشكلا نقطة انطلاق لفهم وتحليل مختلف السياقات السياسية والاجتماعية الفلسطينية، إلا أن الوصول إلى نتائج عملية يتطلب الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الحوار المجتمعي الواسع حول مخرجات هذه الدراسات، ثم تطويرها وتحويلها إلى أوراق سياسات متخصصة لكل قطاع، بما يسهم في تجاوز حالة الانقسام والتجزئة والتعثر والخلافات الداخلية، والانتقال من منطق إدارة الأزمات وتقليل الخسائر إلى منطق العمل الوطني الجمعي القائم على برامج مشتركة تحظى بقبول مختلف الفئات، من صناع القرار ومنفذي السياسات إلى الجمهور العام.
وخلص عزم إلى أن أحد أبرز استنتاجات الكتاب يتمثل في أن أزمة التفكير الفلسطيني شهدت تفاقماً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة، مع تراجع محاولات التفكير الجمعي النقدي والمنهجي، نتيجة غياب العمل الجماعي والرؤى الوطنية الموحدة والواضحة، وتعثر المؤسسات التعليمية بين ضغوط الأجندات الدولية والحركات النقابية والحقوقية، إلى جانب تراجع الموارد، واستمرار الانقسام السياسي، وتصاعد الهجمة الاحتلالية، وتعطيل المؤسسات الوطنية الجامعة، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس التشريعي المنتخب، فضلاً عن تراجع دور الأيديولوجيا، الأمر الذي أسهم في تكريس حالة من الأزمة المزمنة في مختلف القطاعات، وانعكس في انتشار مشاعر العجز واليأس وضعف القدرة على مواجهة الصدمات المتلاحقة بصورة نقدية ومنظمة.
المصدر:
القدس